الرئيسية الارشيف

مقالات

كتب

أخبار

تاريخ

الموصل

ثقافة

شخصيات

موسوعة المؤرخين

اتصل بنا

English


موسوعة المؤرخين

 


موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين
 بقلم : الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف

تقديم :
بقلم: الاستاذ الدكتور حميد الهاشمي
رئيس تحرير "مجلة علوم انسانية" (الالكترونية )هولندا
www.ulum.nl

تتشرف مجلة علوم انسانية بتقديم "موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين" وهو المشروع المقترح من قبل الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل 
العلاف، من "مركز الدراسات الاقليمية- جامعة الموصل"، وهو جهد مواز لموسوعة "علماء الاجتماع العراقيين" الذي شرعت بتقديمه
المجلة منذ عدة اشهر، كما يعتبر من ثمرات جهود واهداف المجلة التي وضعتها هيأة التحرير.
ستقدم الموسوعة باقة من اعلام العراق من مؤرخيه المعاصرين وخيرة مفكريه، وباشراف الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف الذي 
يقدم ثمرة تلمذته ومزاملته لنخبة كبيرة منهم .فضلا عن اطلاعه وخبرته التدريسية. واضافة الى جهوده الاخرى في المجلة.نرجو ان يكون هذا الجهد العلمي حافزا ودافعا للمفكرين والعلماء
العراقيين في شتى تخصصات العلوم الانسانية لنشر نتاجهم العلمي عبر شبكة الانترنت لانها اصبحت الوسيلة الاكثر وصولا للقراء طالما ان
هذه الخدمة اصبحت وستصبح بمتناول قطاعات كبيرة من ابناء المعمورة. 
مقدمة:
بقلم :الاستاذ الدكتور ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل -العراق

  لعل من ابرز الظواهر التي ميزت حياتنا الثقافية العربية، خلال العصور الحديثة، وخاصة
منذ مطلع القرن التاسع عشر، هذا الاهتمام الشديد بالتاريخ. فبقدر ما طرحت السنوات
الماضية من تساؤلات عن الظروف التي كتب بها تاريخنا العربي والاقليمى والدولي، فان ثمة
اسئلة اخرى دارت وتدور حول طبيعة المناهج التى كتبت بها هذه التواريخ، ومما يسجل في هذا
الاطار ان المؤرخين الهواة اي الذين لم يتلقوا اعدادا اكاديميا يجعلهم متخصصين في كتابة
التاريخ ومنهم الاساتذة عباس العزاوي وعبد الرزاق الحسني ومحمد امين العمري ومحمد امين
زكي واحمد عزة الاعظمي، قدموا دراسات مهمة هيأت المواد الخام التي استفاد منها المؤرخون
فلقد خطط هؤلاء وتلامذتهم فيما بعد لتقديم دراسات اهتمت بالتدقيق 
والتحليل مستفيدين من التقنيات التاريخية الموروثة والمعاصرة ودون الالتزام بنظرية معينة او
 تفسير واحد للتاريخ .
 اننا في هذه الموسوعة نحاول ان نقوم بجرد اسماء ومجهودات المؤرخين العراقيين المعاصرين
الذين كان لهم الفضل في ارساء اسس المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة ونقف عند معالم
هذه المدرسة والميادين التي اتجهت اليها.
نامل ان نوفق في هذا المسعى العلمي الوطني 
 والله من وراء القصد
 

 

المؤرخ الدكتور ابراهيم خليل العلاف بقلمه

     

        مؤرخ عراقي ، وكاتب صحفي ، واستاذ جامعي .. متخصص بالتاريخ الحديث ، ولديه كتب وبحوث ودراسات ومقالات في الصحف والمجلات الموصلية والعراقية والعربية . ولد في الموصل بالعراق يوم 25 من كانون الأول / ديسمبر سنة 1945 ، ونشأ في محلة رأس الكور بالموصل ، وهي من أقدم المحلات القديمة يقع داخلها الجامع الأموي ،وهو أول جامع بناه العرب المسلمون عند فتحهم الموصل سنة 16 هـ ( 637 م ) وعند مقربة من الجامع هناك قلعة الموصل المعروفة عند الموصليين باسم ( تل قليعات ) . وقد دخل الكُتّاب في طفولته وذلك في مسجد عبد الله المكي ، وكان
( الملا ) فيه هو الملا اسماعيل ، رحمه الله ، في محلة المكاوي القريبة من رأس الكور .. وفي ( الكُتّاب ) تعلم القرآن الكريم وحفظ بعضاً من آياته .. كما درس شيئاً من الحساب.بدأ الدراسة الابتدائية في مدرسة أبي تمام،وأكمل المتوسطة في ( المركزية ) . أما الأعدادية فقد أتمها في ( الشرقية ) ، والتي تعد من أقدم المدارس الاعدادية ، قضى شطراً من حياته في ( سوق الحنطة ) الجديد في باب الطوب بالموصل حيث كان يعمل جده وأبوه ، ومن هنا جاء لقب الأسرة ( العلاّف ) التي تقابل ( العلوه جي ) في بغداد .

      تتلمذ على أساتذة من المهتمين بتاريخ الموصل وتراثها وتاريخ العراق والحضارة العربية والتاريخ الحديث والمعاصر منهم محمد اسماعيل ، وغصوب الشيخ عبار ، وعبد الرزاق الشماع ، وادريس عبد المجيد الذنون ، وهشام سليم الطالب ، وعمر محمد الطالب ، وشاكر النعمة ، وغانم حمودات . وحين التحق بكلية التربية ( 1964 ـ 1965 ) ببغداد ، كان من أساتذته الدكتور زكي صالح ، والدكتور فاضل حسين ، والدكتور عبد العزيز سليمان نوار ( مصري ) ، والدكتور حاتم عبد الصاحب الكعبي ، والدكتور فيصل الوائلي ، والدكتور محسن غياض ، والدكتور حسين أمين ، والدكتور عبد الله الفياض ، والدكتور أحمد سعيد حديد ، والدكتورة نعيمة حسين الشماع .

       وبعد أن تخرج في قسم التاريخ بكلية التربية / جامعة بغداد بدرجة شرف ، حيث أنه كان في قسـم الشرف الذي يتحمل طلبته مواداً اضافية على أقرانهم في المرحلتين الثالثة والرابعة من الكليـة ، عيّن في 9 آذار / مارس 1969 مدرساً في متوسطة فتح للبنين في الشورة ، ثم أصبح مديراً لهذه المتوسطة ( الثانوية حالياً ) ، وقضى أربع سنوات في التدريـس والادارة ، وبعدهـا أكمل دراسته العليا في كلية الآداب ـ جامعة بغداد ، حيث حصل على الماجستير سنة 1975 والدكتوراه سنة 1980 ، وكانت رسالته للماجستير بعنوان: " ولاية الموصل : دراسة في تطوراتها السياسية 1908ـ1922 " بإشراف الأستاذ الدكتور عبد القادر أحمد اليوسف.أما أطروحته للدكتوراه فكانت بعنوان : " تطور السياسة التعليمية في العراق 1914 ـ 1932 " بإشراف الأستاذ الدكتور فاضل حسين . وبعد اكماله الدراسات العليا،عيّن في 15 أيلول 1975 مدرساً في كلية الآداب ـ جامعة الموصل ، وشغل منصب مقرر قسـم التاريخ فيها لسنوات ، ثـم نقل إلى كلية التربية بجامعة الموصل ليعين رئيساً لقسم التاريخ فيها بين سنتي 1980 و 1995 .. نال لقب الأستاذية ( بروفيسور ) منذ 17 تشرين الأول / اكتوبر 1991 .

     أسهم في تأسيس مركز الدراسات التركية ( الأقليمية حالياً ) بجامعة الموصل سنة 1985، وتولى إدارته مرتين ، المرة الأولى بين سنتي 1986 و1988 ، والمرة الثانية بين سنتي 1995 و 2003 . وقد أصدر العديد من الكتب ، كما نظّم المركز وأسس فيه مكتبة وأرشيفاً ، فضلاً عن تطوير امكانات المركز العلمية ، وتوسيع اهتماماته البحثية لكي تشمل العراق وجيرانه ، وبعضاً من دول الشرق الأوسط ، فضلاً عن جمهوريات القفقاس وآسيا الوسطى ( الاسلامية ) المنسلخة عن الاتحاد السوفيتي السابق .

    كان بين سنتي 1995 و 1997 عضواً في مجلس جامعة الموصل ممثلاً للأساتذة ، وقد أسهم في تطوير الجامعة علمياً وادارياً .. كما كان عضواً في هيئة تحرير مجلتها
( الجامعة ) ، ورئيساً لتحرير العديد من المجلات الأكاديمية ومنها ، مجلة ( أوراق تركية معاصرة ) .. وشغل منصب عضوية مجلات جامعية موصلية أخرى منها مجلة ( أوراق موصلية ) التي يصدرها مركز دراسات الموصل ، ومجلة ( آداب الرافدين )
التي تصدرها كلية الآداب ، ومجلة ( التربية والعلم ) التي تصدرها كلية التربية .

     وفيما يتعلق بالموسوعات ، فقد كان عضواً في هيئة تحرير موسوعة الموصل الحضارية التي صدرت سنة 1992 بخمسة مجلدات من القطع الكبير ، وقد أشرف على الجزئين الرابع والخامس الخاصين بموضوعات التاريخ الحديث والمعاصر . كما كتب فيهما ( 7 ) بحوث دارت حول أوضاع الموصل السياسية والفكرية والاجتماعية المعاصرة . وعمل في لجان جامعية عديدة منها لجنة الدراسات العليا ، ولجنة الترقيات العلمية ، ولجنة التأليف والترجمة ، ولجنة اختيار التدريسيين للعمل في الجامعة .

     مُنح وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب في 15 تموز 1986 تقديراً لجهوده في خدمة التاريخ العربي المعاصر . كما حصل على امتياز رعاية الملاكات العلمية للسنتين الدراسيتين 1999 ـ 2000 و 2001 ـ 2002 ، وحصل على أكثر من جائزة تكريمية ، وشهادة  تقديرية من جهات عديدة لجهوده في النشر العلمي وخدمة الوطن في مجـال التاريخ . وقد شارك في نـدوات ومؤتمرات علمية داخـل العراق وخارجه ،كما حرر في موسوعات عديدة منها الموسوعة الصحفية العربية ، وموسوعة التربية الاسلامية ، التي يصدرها المجمع الملكي لبحوث الحضارة الاسلامية التابع لمؤسسة آل البيت ، المملكة الأردنية الهاشمية .

      أشرف على قرابة ( 30 ) رسالة ماجستير وأطروحة دكتوراه ، كما ناقش المئات منها وفي مختلف أقسام التاريخ في الجامعات العراقية.وشغل عضوية اللجنة الاستشارية لبيت الحكمة في نينوى ، وعضوية اللجنة الاستشارية للثقافة والفنون في الموصل ، وأصبح رئيساً لجمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين ـ فرع نينوى ، لسنوات ، فضلاً عن عضويته في اتحاد المؤرخين العرب ، ونقابة المعلمين ، واتحاد الأدباء والكتاب في العراق .

       ألّف قرابة ( 35 ) كتاباً لوحـده وبالاشتراك مع عـدد من زملائه ، ومن كتبه المنشورة :

  1 ـ  نشأة الصحافة العربية في الموصل ، 1981 .   2 ـ  تطور التعليم الوطني في العراق ، 1982 .

  3 ـ  تاريخ الوطن العربي في العهد العثماني 1516 ـ 1916 ، 1983 .   4 ـ  تاريخ الوطن العربي الحديث والمعاصر ، 1987 .   5 ـ  تاريخ الفكر القومي العربي ، 2001 .   6 ـ  نشأة الصحافة في الموصل وتطورها 1885 ـ 1985 ، 1985 .

  7 ـ  خارطة التوجهات الاسلامية في تركيا المعاصرة ، 2005 .   8 ـ  قضايا عربية معاصرة ، 1988 بالاشتراك .

  9 ـ  تاريخ العراق المعاصر ، 1989 بالاشتراك مع الدكتور جعفر عباس حميدي . 10 ـ  ايران وتركيا : دراسة في التاريخ الحديث والمعاصر ، 1992 بالاشتراك مع الدكتور خليل علي مراد .

11 ـ  دراسات في تاريخ الخليج العربي والجزيرة العربية ، 1986 . 12 ـ  دراسات في فلسفة التاريخ ، 1988 بالاشتراك .

13 ـ  محافظة نينوى بين الماضي والحاضر ، 1987 بالاشتراك . 14 ـ  تاريخ العالم الثالث الحديث ، 1989 بالاشتراك مع الدكتور عوني عبد الرحمن السبعاوي . 15 ـ  جمهوريات آسيا الوسطى وقفقاسيا ، 1993 بالاشتراك .

16 ـ  سياسة تركيا الخارجية تجاه الوطن العربي ، 1998 بالاشتراك . 17 ـ  المذكرات الشخصية مصدراً لكتابة التاريخ ، 2001 بالاشتراك . 18 ـ  العراق وتحديات القرن الحادي والعشرين ، 2001 بالاشتراك .

19 ـ  المفصل في تاريخ العراق المعاصر ، 2002 بالاشتراك. 20 ـ  العلاقات العراقية ـ التركية وسبل تطورها ، 1999  بالاشتراك . 21 ـ  القضية الكردية في تركيا ، 1994 بالاشتراك .

كما أسهم في تأليف بعض الكتب المنهجية الدراسية في المدارس المتوسطة والأعدادية منها :

1 ـ  التاريخ الحديث والمعاصر ، للصف الثالث المتوسط ، 1990 . 2 ـ  التاريخ الحديث والمعاصر للوطن العربي ، للصف السادس الأعدادي الأدبي، 1980.
وقد كتب بحوثاً ودراسـات أكاديمية وصل عـددها إلى قرابة ( 125 ) بحثاً ودراسةً منشورة في مجلات موصلية وعراقية وعربية . هذا فضلاً عن ( 500 ) مقالة صحفية . وقد حضر قرابة ( 100 ) نـدوة ومؤتمر علمي داخل العراق وخارجه كان آخرها ندوة العراق ودول الجـوار : رؤى متبادلة التي نظمها مركـز الخليج للأبحاث بدبي بدولة الامارات العربية المتحدة بين 30 و 31 آذار / مارس 2005 .

      يقوم منهج الدكتور العلاف في كتابة التاريخ على أساس ثابت ومحدد وهو ( أن المؤرخ ينبغي أن يكون طرفاً نشيطاً في العملية التاريخية ) وأن ( يعتمد الوثائق والمصادر الرصينـة في توثيق كتاباته )  بشرط ( المحافظة على مبـدأ إعادة تشكيل الحدث التاريخي كما وقع بالضبط .. " مع محاولة ( وضع الأحداث وضبط تسلسلها زمنياً بحيث يستطيع القارئ معرفة حجم التطور في الأحداث وصولاً إلى النتائج المتوخاة ) .. ويدعو الدكتور العلاف إلى ( أن يكون المؤرخ صاحب رسالة ) و ( أن لا يهدف سوى إلى إظهار الحقيقة حتى لو كانت على نفسه ) و ( أن يكون شجاعاً وصادقاً وأميناً وذو مرؤة وإنصاف لأن من يتعامل معهم ، قد غادروا الحياة ولم يعد بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم ) .., ويؤكد الدكتور العلاف على ( أن المشكلة الرئيسة في العراق هي أن الانسان فيه لا يؤمن بقيمة تراكم الخبرة التاريخية ، ويحاول أن يبدأ من الصفر دائماً لهذا فالبنيان السياسي والاقتصادي والاجتماعي والفكري فيه يشوبه النقصان وعدم الاكتمال . كما أن القادة والزعماء في العراق ، وخاصةً منذ تشكيل الدولة العراقية الحديثة لا يحظون بالاحترام والتقدير بعد خروجهم من السلطة .. وتبذل الجهود لطمس آثارهم وإزالة منجزاتهم ، بل وشن الحرب عليهم .. ولهذا الأمر أسباب سايكولوجية ومناخية واجتماعية يتعلق بعضها بفساد أولئك الحكام ، أو تراكم اخطائهم وخطيئاتهم بحق الشعب في العراق والرغبة الجامحة في عدم منحه الحرية للتعبير عن آرائه وأفكاره والسعي إلى قمعها ، وفي هذا يختلف الانسان المصري في موقفه من السلطة عن الانسان العراقي ، فمنذ العصور القديمة كان الانسان المصري يحترم قادته في حين أن الانسان العراقي يخافهم ، لهذا ما أن تتيسر له فرصة التخلص منهم إلاّ ويبدأ بهدم كل آثارهم والتخلص منها .

     وهنا يواجه المؤرخ مشكلة معقدة عند محاولته كتابة التاريخ بصدق وموضوعية .. ويؤكد الدكتور العلاف أن مشكلة التاريخ الحديث في العراق وغيره من الأقطار النامية هي الأيديولوجية ، كما أن مشكلة التاريخ الإسلامي هي ارتباطه بالمقدسات الدينية التي تعيق المؤرخ في كثير من الأحيان عن أداء دوره الفاعل في عملية التدوين والتوثيق والتفسير. ومن آراءه الجديدة أن المؤرخين ينبغي أن ينأوا بأنفسهم عن الحكام وأن يناضلوا من أجل تخليص التاريخ من قيود الحكام ، وإذا كان التاريخ لا يكتبه إلاّ المنتصرون كما يقال ، فلا بد من تأشير حقيقة جسامة المسؤولية التي يضطلع بها المؤرخ الموضوعي النزيه الملتزم بقواعد المنهج التاريخي المعتمدة على اظهار الحقائق والوثائق والوقائع بالعلم لا بالعاطفة .

     وأخيراً فإن الدكتور العلاف يدعو إلى استخدام التاريخ كمادة للتفاهم بين البشر ، وكوسيلة للتعاون على البر والتقوى وليس على الأثم والعدوان ، ومن الممكن أن يجتمع المؤرخون من أقطار عديدة ، لكي يتوصلوا إلى قواسم مشتركة عند كتابتهم للأحداث التاريخية المشتركة المثيرة للنزاعات والجدل وكما هو معروف فإن المؤرخين الأوربيين فعلوا مثل هذا بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية عندما اجتمعوا في باريس وأزالوا كل ما من شأنه تعميق حالات العداء والنزاع والتخاصم وأكدوا على الثوابت والأسس المشتركة التي كان من ابرز نتائجها إقامة الاتحاد الأوربي وإصدار دستور يلتزم به الجميع .

       وأخيراً لابد من الاشارة إلى أن الدكتور ابراهيم العلاف يؤكد لطلبته باستمرار على عدم الاهتمام فقط بالجانب السياسي من العملية التاريخية ، وإنما لابد من الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،لهذا فهو يوجّه طلبته في الدراسات التاريخية العليا لكتابة رسائلهم في موضوعات تتعلق بتاريخ الصناعة الحديثة وأثرها في التطور السياسي ، وتاريخ الأصناف والتنظيمات المهنية ، وتاريخ الطرق الصوفية ، وتاريخ التعليم والتحديث ، والنظـم الادارية ، والحيـاة الحزبية ، والصحافة . كما ركّز على ( التاريخ المحلي ) للمدن والقصبات والشخصيات المؤثرة في صنع حركة التاريخ ، ولا يزال الدكتور العلاف يواصل مسيرته العلمية أستاذاً وباحثاً ومشرفاً على رسائل الدراسات العليا في جامعة الموصل العراقية ، وفي الوقت نفسه ، فهو عضو هيئة تحرير جريدة ( فتى العراق ) الموصلية المؤسسة منذ سنة 1934 والتي لا تزال تصدر في الموصل حتى يومنا هذا.

*************************************

المؤرخ الدكتور اسماعيل نوري الربيعي

بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل                   

       الدكتور اسماعيل نوري مسير الربيعي مؤرخ عراقي معاصر، وباحث في الفكر السياسي ، والتاريخ الاقتصادي عرفته منذ أواخر الثمانينات من القرن الماضي عندما ناقش رسالته للماجستير في جامعة بغداد سنة 1989 وكانت بعنوان : " تاريخ العراق الاقتصادي في عهد الانتداب " . وقد قرأت بعد إجراء المناقشة الكثير مـن المقالات في الصحف والمجلات العراقية وكلها تدور حول أهمية تلك الرسالة وقيمتها في الكشف عن جوانب مهمة من جوانب التاريخ الاقتصادي للعراق المعاصر ، ولد في مدينة بغداد سنة 1960 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والأعدادية فيها ، ثم حصل على شهادة البكالوريوس في التـاريخ من جامعة  بغـداد سنة 1982 . وبعـد نيله لشهادة الماجستير سافر إلى عمان وانتمى إلى الجامعة الأردنية ، وحصل على الدكتوراه سنة 1995 وكانت اطروحته بعنوان : " الفكر السياسي في العراق خلال فترة ما بين الحربين " .

    عيّن مدرساً في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة الأنبار 1990 ـ 1992 ، وشغل منصب مقرر القسم ، وخلال السنوات 1995 ـ 1999 ، عمل استاذاً مساعداً في المعهد العالي لاعداد المعلمين بزلطن / ليبيا ، ثم انتقل منذ سنة 1999 إلى قسم التاريخ بجامع السابع من ابريل ـ الزاوية ـ ليبيا ، وقد أسهم من خلال عمله الأكاديمي والتربوي في نشاطات علمية وثقافية عديدة . كما كان عضواً عاملاً في مؤسسات نقابية ومهنية منها عضويته في جمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين ، واتحاد المؤرخين العرب ، وقد مارس العمل الصحفي من خلال سلسلة مقالات ودراسات كتبها في صحف ومجلات عراقية وعربية عديدة منها جريدة المدى ( البغدادية ) وجريدة الزمان ( اللندنية ) وجريدة الرياض ( السعودية ) . وفي سنة 1986 كان عضواً في اللجنة القطرية الثقافية في وزارة التربية العراقية .وقد رشح سنة 1994 لجائزة شومان للعلماء العرب الشبان . حضر ندوات ومؤتمرات عديدة داخل العراق وخارجه منها ( ندوة التأثير والتأثر في الفكر العربي المعاصر ) التي نظمها اتحاد الكتاب العرب ( حزيران 1996 ) ، ومؤتمر الجمعية التاريخية العربية الليبية الذي نظم في جامعة قار يونس ببنغازي سنة 1997 ، والمؤتمر الثاني لمنتـدى التاريخ المعاصر بزغوان / تونس
( تموز 1999 ) .

        من مؤلفاته المنشورة :

   1 ـ  العرب والاسلام من القبيلة إلى العقيدة ( عمان ، 2000 ) .

  2 ـ  مفهوم التاريخ عند العرب ( طرابلس ، 2000 ) .

  3 ـ  تاريخ الحضارة العربية الاسلامية ( الزاوية ، 2001 ) .

  4 ـ  العرب والاستعمار: اشكالية الهوية والوعي في تاريخ العرب السياسي الحديث
         ( الشارقة ، 2000 ) .

  5 ـ  تكوين أوربا السياسي المعاصر ( الزاوية ، 2001 ) .

  6 ـ  فلسفة التاريخ ( عمان ، 2002 ) .

  7 ـ  التاريخ والهوية ( عمان ، 2002 ) .

  8 ـ  العرب والمستقبل ( عمان ، 2002 ) .

  9 ـ  نبلاء ودراويش : تاريخ الحروب الصليبية ( عمان ، 2003 ) .

10 ـ  العرب والاسلام : قراءات في سياقات الحضاري والمعرفي ( عمان،2002 ) .

11 ـ  الاسلام وأفريقيا ( طرابلس ، 2001 ) .

                  وقد كتب قرابة ( 80 ) بحثاً ودراسة منشورة منها على سبيل المثال :  

 1 ـ  " العرب والعولمة : جدلية الاستهلاك والتلقي " ، مجلة الرائد ، الشارقة ، فبراير
       ـ شباط 2001 .

2 ـ  " الجذور التاريخية للمشروع الديموقراطي في العراق العثماني "، المجلة العربية
       التاريخية ، تونس ، اكتوبر ـ تشرين الأول 1991 .

3 ـ  " التنافس على طريق رأس الرجاء الصالح " ، المجلة العربية التاريخية ،
       تونس ، اكتوبر ـ تشرين الأول 1993 .

4 ـ  " الرواية الشفوية كمصدر تاريخي " ، مجلة الوثيقة ، البحرين ، صيف 1992 .

5 ـ  " مقدمة في التاريخ الحديث للنفط العراقي "، مجلة العرفان ، بيروت ، تشرين
         الأول 1994 .

  6 ـ  " التجارة الايرانية في سنوات الأزمة الاقتصادية " ، مجلة العرفان ، بيروت ،
         شباط 1995 .

  7 ـ  " فلسفة التاريخ عند شبنكلر " ، مجلة الفيصل ، الرياض ، اكتوبر ـ تشرين
         الأول 1993 .

  8 ـ  " حول مفهوم الدولة في الفكر العربي " ، مجلة الفكر العربي ، بيروت ،
         خريف 1993 .

  9 ـ  " العرب ومحنة النظام الدولي الجديد "، المجلة الثقافية،عمان ، نيسان ،1993.

10 ـ  " العثمانيون والعرب " ، مجلة تاريخ العرب والعالم ، بيروت ، آذار 1994 .

         توزعـت اهتمامات الدكتور الربيعي على عـدة ميادين ، فلديه اهتمامات أدبية ابداعية ، كما أن لديه كتابات في ( المنهجية التاريخية ) و ( التاريخ الاقتصادي ) و
( الفكر السياسي ) و ( فلسفة التاريخ ) ، فعلى سبيل المثال كتب عن " تفكيك الرواية : نص لفؤاد التكرلي " في مجلة كتابات معاصرة ( بيروت ، آذار 1993 ) . كما تفرغ فترة من الزمن لملاحقة منهج السيوطي التاريخي ، ومنهج البلاذري التاريخي ، ومنهج السخاوي التاريخية . وله بحوث في: " مرجعيات التكوين الفكري والمعرفي للنخبة العراقية " ، و" المثقف العراقي وتداعيات العثمنة والدستور " ، و " التاريخ والتأويل "، و " التاريخ والممارسة الاجتماعية " ، و " الوعي التاريخي : قراءة ما بعد الحداثة " .

     يعد الدكتور اسماعيل نـوري الربيعي من الجيـل الثالث من المؤرخين العراقيين المعاصرين ، ويقف إلى جانبه عدد من المؤرخين الذين نعتز بانجازاتهم العلمية والفكرية باعتبارهم فد تدربوا على أيدي مؤرخين وباحثين عراقيين متميزين تخرجوا في الستينات من القرن الماضي،وكانت لهم رؤاهم الواضحة في مجال التاريخ ومنهجيته وفلسفته . ومن خلال القراءة الواعية لرؤية الربيعي التاريخية والفكرية يمكن القول بأنه من الباحثين العراقيين القليلين المهتمين بفلسفة التاريخ والفكر التحديثي والنهضوي، فهو لم يقف عند حدود ( الكتابة التاريخية ) التقليدية، وإنما تجاوز ذلك عندما سخّر ( معرفته  التاريخية ) في تفسير الكثير من ظواهـر الحيـاة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والفكرية العربية المعاصرة .

      ونستطيع أن نتلمس ذلك في كتاباته الأخيرة ، والتي تكشف عن ( أصالة فكره ) ، و ( انحيازه ) لكل ما هو ( نهضوي ) و ( تقدمي ) ، و( انساني ). فالحضارة الحالية ، برأيه ، ليست ( غربية ) بل هي حضارة ( انسانية ) و ( العقل ) ينبغي أن يكون العامل الرئيس في تفسير التاريخ ذلك أن " جعل العقل في آخر قائمة الاعتبارات التي يمكن النظر إليها ، أدى إلى انكفاء العالم نحو الكثير من التشظي والتشطير والانقسام " . ومما حرص على تأكيده في كتاباته " أنَ ليس ثمةَ تقاطع حضاري بين الغرب والعالم ، وإنما هناك تباعد واضح في الأهداف والغايات والاتجاهات " ؛فصورة العالم " تغيّرت بعد انفراد القطب الواحد بصنع القرار على مستوى العالم . ومن تراكمات الوعي الداخلي ، يتم لهذه القوة من تحسس خطواتها بازاء الحاضر، انطلاقاً من تحديد موجهات الانضواء والتي تقـوم أصلاً على توسيع نطـاق التبعية من خلال تقديـم نموذج حريـة السوق والاعلان الواسع للعولمة،والحث على جعل العالم منخرطاً في تجلياته، فيما تكون قواسم الاخضاع وقد تحددت عند توصيفات الحريات العامة وتقديـم النموذج الديموقراطي ، وحرية المرأة والشرعية الدولية . ومن واقع تكريس النموذج ، يكون العالم وقد ولج في حالة اللااستقرار والتي توغل بتوسيع الحدة ما بين دول الشمال والجنوب ، هذا باعتبار ارتباط ارادة الفعـل من قبل الطرف الأقوى ، الذي يعمـد إلى تكريس مجال التقدم إلى صالحه ، فيما تكون الخيبة والخذلان من نصيب الضعيف " .

      ويصل في بحث له عن ( الغرب والعالم ) إلى حقيقة مهمة مؤداها أن الغرب كان ولا يزال " يسعى من أجل تطمين مصالحه ومنافعه على حساب المضامين والقيم الانسانية الأساسية " . ويعد الغزو الانكلو ـ سكسوني للعراق ، والسعي باتجـاه اسقاط الدولة العراقية وتفكيكها مصداقاً على ذلك خاصـة وان المسؤولين عن هـذا الغزو لم يلتفتوا إلى الضمير العالمي ، ولم يستحصلوا على الشرعية الدولية لما قاموا به . وازاء ذلك يدعو الدكتور الربيعي إلى أهمية العودة إلى فكـرة العدالـة ، بعد أن " أُشبع العالم اخضاعاً وقسراً واستتباعاً " .

     إنّ فقدان قيمتي ( العقـل ) و ( العدالة ) أدى إلى أن يعيـش العالم اليوم حالة من الصدام الدموي المباشر ، والذي لم يعد يتوقف عند مدرجات التأثير الفكري ، أو العداء التاريخي ، فالغرب وبكل تراثه العقلي والفلسفي المستند إلى التأصيل نحو فكرة الأنسنة والتحضير ، لم يعد يستطيع الافلات من ( هيمنة المصالح ) ، و ( النزعة الذاتية ) التي يستغرق بها من أجل تحقيق الغايات الكامنة في مشروعه الأمبريالي .

        وللأسف ، كما يقول الدكتور الربيعي ، فإن الغرب ،لعوامل داخلية تتعلق بالاستبداد وشيوع الطغيان ، وسيادة الأنظمة الشمولية ، " نجح في غرس بؤرة الهدر والاضعاف في الجسد العربي " .

       فيما يتعلق بالعرب وتفاعلات الواقع فإن رؤية الدكتور الربيعي التاريخية ، تستند إلى أن النخب العربية ، عانت ولا تزال مخاضات فكرية شديدة العسر، حيث حالة الشد والجذب التي طبعت توجهاتها ومساراتها ، وقد أدى ذلك إلى أن حالة التفاقم لأضطراب الأوضاع التي طبعت تفاصيل الحياة العربية،كانت المهماز الأصل الذي جعل من الواقع العربي أرضاً خصبة لاستقبال الاتجاهات والتيارات المستندة إلى المشروع الوطني الذي رفع شعار التنمية الاقتصادية ، حتى تبلور الاتجاه الوطني " . لكن " لوثة العُصاب الجماعي التي عنت على العرب في خمسينات القرن الماضي ، والعقود اللاحقة أدت إلى تبلور الاتجاهات العسكرية والتي حملت شعار التحرر ولعن الاستعمار وليس رفضه ‍‍ وقاد كل ذلك إلى التفرد بالسلطة ،، حيث غابت الجماهير عن المشاركة . وقد فشل المشروع الليبرالي كما فشـل المشروع الاشتراكي وأهـدرت الطاقات واستنزفت الامكانات " . وقد كانت من نتائـج ذلك كله " أن تحولت الممارسـة الشعبية إلى أكبر مهرجان تهريجي يتم فيه التقافز والتراقص وكيـل المديح للقائد الكاريزمي الـذي جاء لينقذ المستضعفين في الأرض !! " ‍‍.

       ويعود الدكتور الربيعي إلى التأريخ والتأريخ الاسلامي بالذات ليكشف حقيقة مهمة وهي أن الحضارة العربية الاسلامية ما كان لها كل هذا الانتشار لو أنها انكفأت . بل بالعكس فهي " قد تزاوجت مع التيارات الفكرية الانسانية حتى استطاعت أن تجسد نموذجها الفكري الأصيل بتمثل قوامه التفاعل مع كل أطياف اللون الذي تفرده الحياة " . وهكذا فإن قيمة الاسلام الحضارية تبتدئ في هذه الفُسحة الهائلة من تراث " التسامح " و " الرغبة في التغيير " و " قبول الآخر " ورفض " الأيديولوجية " و " الدوغمائية " .

      ولأن مؤسسات الدولة العربية اليوم باتت تعاني من ترهل فاضح نتيجة التركيز على ( الجانب السياسي ) و ( محاولة تجميل صورة النظام ) ،فإن هذه المؤسسات بحاجة إلى الاصلاح في كـل مجالات الحياة ، ولعـل من نتائج ذلـك الترهل والضعف،أن المجتمعات العربية باتت اليوم تواجه مشاكل بنيوية قاتلة لعـل من أبرزها هذه الأفواج الكبيرة من العاطلين المتعلمين الذين يعانون الاحباط ، والقهر ، وانكسار الأحلام على مطرقة الواقع ، الأمر الذي أدى إلى انخراط العديدين منهم " في بعض التنظيمات السياسية ذات التوجهات المتطرفة " .

     ومن آراء الدكتور الربيعي أننا اليوم وازاء ما نواجهه من مشاكل ، أحوج ما نكون إلى " الوعي بالتأريخ " و " العمل على تغيير النظرة النمطية التي تلبست هذا المجال في حقل الخطاب الثقافي المعاصر " . و " من تلاحم العوامل التي تحدد مسار الفعل الواعي تبرز أهمية الوقوف عند تحليل العناصر الكامنة في المعطى الثقافي والاجتماعي والسياسي  " . وهنا يبرز دور المؤرخ بوضوح شديد فهو مسؤول عن " إقواء التاريخ ، وجعله أداة ووسيلة " لا للاتكاء على الماضي ، وإنما لاستلهام الماضي واستحضار رموزه من أجل النهوض والاصلاح والتغيير و " زحزحة الثوابت والتطلع إلى أهمية التفاعل مع مكنونات التقدم ورفض المنطق القديم والخروج من سطوة التحديدات الجاهزة " والخضوع لمتطلبات المجتمع المدني ، حيث الجميع يستند إلى مرجعية القانون " . ويقيناً " أن المعترك الأصلي الذي يحفز الحداثة ، ويؤسـس لها هو العقل والعلم والتقانة وسيادة الروح المدنية والمجتمع الأهلي " .

      وأخيراً يحذر الدكتور الربيعي في أحـدث كتاباته التاريخية ، من " أدلجة التاريخ " ويرفض أن تكون " الدولة هي المسؤولة عن ترسيم معالم التغيـر التاريخي " فذلك يؤدي ، كما ظهـر لنا من التجربة السوفيتية ، إلى إهمـال النشاطـات الانسانية وتعرضها إلى " التعطيل والتوقف ، وضياع القدرات الذاتية إلى الحد الذي لم تستطع فيه خلق الاستجابة الفاعلة من أجل مواجهة التحديات التي لا تعرف الانقطاع أو التوقف " .

************************************

                              المؤرخ الدكتور ابراهيم محمد علي   

                                                            بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف

                                                      استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل


من الاساتذة الذين أحبهم  وأحترمهم ولي معهم ذكريات تتجاوز حدود الزمالة ..عمل معي عندما كنت رئيسا لقسم التاريخ بكلية التربية -جامعة الموصل بين 1980-1995 ، ووجدته انسانا طيبا ،نظيفا ،متواضعا حريصا على عمله مواظبا على الدوام يحب طلبته ويحبه طلبته يتعاون مع اعضاء القسم ويتعاطف مع من يظلم ويبذل جهودا من اجل رفع مظلوميته ،وكنت كثيرا ما اكبر فيه هذه الروح . وكان فوق هذا وذالك استاذا جادا ، وباحثا جيدا ابتدأ  حياته العملية في وزارة الشباب موظفا وهو عند كتابة هذه السطور استاذا مساعدا في قسم التاريخ بكلية التربية -جامعة الموصل .
الدكتور إبراهيم محمد علي الجبوري من مواليد الموصل سنة  1947 ..أكمل دراسته الابتدائية في ربيعه وأنهى الدراسة المتوسطة في متوسطة الحدباء بالموصل وتخرج في الإعدادية المركزية . التحق بكلية الآداب بجامعة الموصل وتخرج منها عام 1973-1974 م بتقدير جيد. عين في وزارة الشباب عام 1974 م ونسب إلى مديرية شباب نينوى ، ملعب الموصل الرياضي بوظيفة ( م. ملاحظ)
 في سنة  1975م نقلت خدماته إلى جامعة الموصل / الأمانة العامة لمكتبات الجامعة ، وبقي فيها حتى سنة 1977م حيث نقل إلى كلية التربية بعنوان مساعد باحث علمي وأصبح معيدا في قسم التاريخ ثم رئيسا للجنة التعليم المجاني بالكلية .
 وفي سنة 1980م قبل في في كلية الآداب ، قسم التاريخ  وذلك للحصول على شهادة الماجستير وقد انهى الدراسة سنة 1982م وأصبح ( مدرس مساعد ) في القسم ثم نسب إلى وظيفة ( معاون المسجل العام في الجامعة ) . لكنه لم يجد بأن الادارة هي ما يبغيه فسرعان ما وجد الفرصة للحصول على الدكتوراه وقبل سنة 1987 حين قبل في قسم التاريخ بكلية اداب جامعة الموصل وقدم رسالته الموسومة : "المناذرة : دراسة سياسية حضارية) وكان المشرف على الرسالة الاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد رحمه الله وقد انجزها وناقشها سنة 1990 .  
      أما أطروحة الدكتوراه فقد كانت بعنوان :( التحالفات بين القبائل العربية قبيل الإسلام وعصر الرسالة ) وكان المشرف الاستاذ  الدكتور خالد صالح العسلي .
    في القسم كلف بهمام عديدة  منها : مقررا لقسم التاريخ ، ثم رئيساً للجنة المتحانية في القسم.
ناقش حوالي أكثر من 15 رسالة ماجستير و ( أربعة ) اطاريح دكتوراه وأشرف على أكثر من (10 ) رسائل ماجستير و ( 3) اطاريح دكتوراه وقيم  علميا عشرات البحوث والدراسات ورسائل الماجستير والدكتوراه .
        كتب العديد من البحوث منها :
من ملامح الحسن الثومي عند النعمان بن المنذر ملك الحية ( 585م) – ( 613م) ونشر في "مجلة آداب الرافدين "عدد 17 سنة 1987م
دور الشاعر في الحياة القبلية قبيل الإسلام
العلاقات السياسية بين المناذرة والغساسنة والقبائل العربية منشور في مجلة "رسالة الخليج العربي عدد ( 17 ) لسنة 1987م
مملكة الحيرة وأضاعها السياسية الحضارية قبيل الإسلام
القافلة التجارية دراسة للنشاط الاقتصاد المكي قبل الإسلام بالاشتراك مع الدكتور هاشم يونس عبد الرحمن  الخطيب .
الإرث في العرف القبلي قيبل الإسلام وعصر الرسالة وقبل للنشر في" مجلة  دراسات في التاريخ والآثار "  بغداد 1994م- 1995م
قصي بن كلاب ودوره في تنظيم قريش وقيادته لها نشر في مجلة شؤون اجتماعية / الشارقة العدد ( 5) لسنة 2000
دور المغير بن شعبة العصر الراشدي منشور في "مجلة التربية والعلم/  المجلد 10 العدد 1 / 4 عام 2003م
اكثم بن صيفي التميمي وإسهاماته الفكرية قبل الإسلام مقبول للنشر في مجلة كلية العلوم الإسلامية 2011
طبيعة العلاقة بين مملكة الحيرة والدولة الساسانية خلال فترة حكم النعمان بن المنذر
 منتم الى نقابة المعلمين وجمعية المؤرخين  والاثاريين فرع نينوى وهو عضو اتحاد المورخين العرب والاتحاد العام للادباء والكتاب في العراق .
يعتز بأساتذته الذين درس على ايديهم ويخص  الاستاذ الدكتور خالد العسلي ،  والاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد ،والاستاذ  الدكتور توفيق اليوزبكي ، والاستاذ الدكتور صالح احمد العلي والاستاذ الدكتور خضر الدوري رحمهم الله جميعا .ومن الأحياء أطال الله في اعمارهم ومنحهم الصحة والعافية يذكر الاستاذ الدكتور عماد الدين خليل، والاستاذ الدكتور هاشم الملاح
 

********************************

           المؤرخ الدكتور أحمد سوسة(1900 – 1982 )

بقلم : أ.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

 

 

    منذ أن كنت طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة بغداد مطلع الستينات من القرن الماضي ،وكتب ودراسات ومقالات الأستاذ الدكتور احمد سوسة في متناول أيدينا ، وازدادت معرفتي به بعد أن عرفت ابنته الدكتورة  عالية احمد سوسة –رحمها الله -  أستاذة في قسم التأريخ بكلية الآداب في منتصف السبعينات . وعند شروعي بكتابة رسالتي في الماجستير عن ولاية الموصل ظهرت حاجتي إلى كتابه   الذي كان يدور  حول"  نظام الامتيازات الأجنبية في الدولة العثمانية " وقد أعده سنة 1933 ، ولم يكن متوفرا في مكتبات بغداد فبحثت عنه واستطعت الحصول عليه من خارج العراق وهو بالانكليزية .احمد سوسة هو نسيم سوسة من عائلة عراقية يهودية عريقة سكنت الحلة وقد أشهر إسلامه في القاهرة وأمام محكمة مصر الابتدائية الشرعية بتاريخ 22 شعبان سنة 1355 هجرية الموافق لليوم 7 تشرين الثاني –نوفمبر سنة 1936 ميلادية  وسمي أحمدا . وقد أقامت له  جمعية الهداية الإسلامية بالقاهرة حفلة تكريمية حضرها رئيس الجمعية الشيخ الأستاذ محمد الخضر حسين والأستاذ الدكتور محمد الهاشمي عضو البعثة العلمية العراقية والأستاذ محمد حلمي بك وكيل التفتيش الإداري وعدد من شبان الجمعية وشباب من الجامعة المصرية (جامعة القاهرة فيما بعد ) . وعلى اثر ذلك تولت المطبعة السلفية  في القاهرة لصاحبها الشيخ محب الدين الخطيب نشر كتاب ألفه بعنوان : " في طريقي إلى الإسلام " في جزئين طبع الجزء الثاني في مطبعة الغري بالنجف الاشرف .وقد أتحفه العلامة الشيخ كاظم ال كاشف الغطاء بقصيدة جاء في مطلعها :

حلفت برب مكة والمصلى *** وبالبيت المقدس والخطيم

لذكرك يانسيم

 أحب عندي ***من الشهد المصفى والنسيم

 

 ولد في مدينة الحلة سنة 1900 وأكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة فيها ثم سافر إلى لبنان ودخل الجامعة الأميركية  في بيروت وهناك التقى عدد من الطلبة العراقيين أمثال فاضل الجمالي ومتي عقراوي وأكرم فتحي جليميران ويوسف زينل وخدوري خدوري ومحيي الدين يوسف وأسس معهم في 21 مايس –مايو سنة 1924  "جمعية الطلاب العراقيين"  وكان لها نشاط ثقافي  . وبعد أن أكمل الإعدادية  سافر إلى الولايات المتحدة الأميركية يوم 8تموز –يوليو سنة 1925 لمواصلة دراسته في كلية تكساس الزراعية الميكانيكية وبين 1925 و1930 تنقل بين عدة جامعات  وحصل على شهادة البكالوريوس في الهندسة المدنية مع اختصاص في هندسة الري   من  جامعة كلورادو بالولايات المتحدة الأميركية سنة 1928  ومن جامعة جورج واشنطن نال شهادة الماجستير في شباط-فبراير 1929 ثم حصل على الدكتوراه  في تخصص الأنظمة الدولية الخاصة بالأنهر المشتركة بين الدول بدرجة شرف  من جامعة جونز هوبكنز في بالتيمور  سنة 1930 . وقد قال أن الذي دفعه إلى دراسة هذا التخصص هو وجود مشاكل للعراق في قضايا المياه المشتركة مع تركيا وايرن .

       عاد إلى وطنه العراق وعين  مهندساً في دائرة الري العراقية سنة  1930م، ثم تقلب في وظائف فنية في عديدة  حتى عين سنة 1946 معاوناً لرئيس هيئة عليا شكلت آنذاك  لدراسة مشاريع الري الكبرى. وفي سنة 1947 عين مديراً عاماً للمساحة ثم مديراً عاماً في ديوان وزارة الزراعة سنة  1954، ثم أعيد مديراً عاماً للمساحة وبقي في هذا المنصب حتى سنة 1957.وعند تأسيس مجلس الأعمار سنة 1951 عين مساعدا شخصيا في الأمور الفنية لنائب رئيس مجلس الأعمار فضلا عن وظيفته الأصلية.

عين عضوا في "المجمع العلمي العراقي" عند  تأسيسه سنة 1946 وبقي كذلك حتى وفاته.

     أسهم في تأسيس "جمعية المهندسين العرقيين" سنة 1938  ولخبرته الطويلة في قضايا الري فقد أرسلته الحكومة العراقية إلى المملكة السعودية لدراسة بعض مشاريعها الاروائية في منطقة الخرج بين سنتي 1939و1940 . 

   ألف قرابة 50 كتابا وأعد أطالس فنية وكتب تقارير عن الري والفيضانات وله عشرات الدراسات والبحوث والمقالات دارت حول موضوعات الري والجغرافية والتاريخ والهندسة والزراعة . ومن مؤلفاته : في طريقي إلى الإسلام  بجزئين 1936 ، و"نظام الامتيازات في الدولة العثمانية "الذي صدر باللغة الانكليزية سنة  1933م.والمصادر عن ري العراق 1942، ووادي الفرات بجزئين  1944-1945.وتطور الري في العراق 1946.ودليل ري العراق بالانكليزية 1944. والري في العراق بالانكليزية 1945. وسدة الهندية بالانكليزية 1945.وري سامراء في عهد الخلافة العباسية بجزئين 1948وفيضانات بغداد في التاريخ بثلاثة أجزاء 1963 و 1965 و 1966 والري والحضارة في وادي الرافدين 1968 ، وتأريخ يهود العراق ،والعرب واليهود في التاريخ بخمس طبعات الأولى سنة 1972 والأخيرة سنة مفصل العرب واليهود في التاريخ سنة 1982 .والشريف الإدريسي في الجغرافية العربية بجزئين سنة 1974 وملامح من التاريخ القديم ليهود العراق 1978 وحضارة العرب ومراحل تطورها عبر العصور 1979 وحضارة وادي الرافدين بين الساميين والسومريين 1980 و"تاريخ حضارة وادي الرافدين في ضوء مشاريع الري الزراعية والمكتشفات الاثارية والمصادر التاريخية"  بجزئين صدرا بعد وفاته 1983-1985 .

     أما أهم الأطالس التي وضعها فهي أطلس بغداد 1952 وأطلس العراق الإداري 1952 وأطلس العراق الحديث 1953 والعراق في الخوارط القديمة 1959 والدليل الجغرافي العراقي 1960 وأطلس العراق بالانكليزية 1953 وأطلس العراق المصور بالانكليزية 1962 هذا الى جانب اشتراكه في وضع كتاب : " بغداد –عرض تاريخي مصور " 1969 و "دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 " وأعمال وبحوث أخرى .

    أصدرت ابنته  الدكتورة عالية احمد سوسة في سنة 1986 الجزء الأول من مذكرات والدها  الشخصية بعنوان : " حياتي في نصف قرن " وقد تولت دائرة الشؤون الثقافية العامة ببغداد وهي تابعة لوزارة الثقافة نشر المذكرات لأهميتها .وفي هذه المذكرات وقف صاحبها عند أسرة ال سوسة وقال بأن أصولها من جنوبي اليمن ،  وقد جاءت العراق وانتقلت إلى الحلة .وتحدث عن نشأته ودراسته في العراق وبيروت واميركا ووضع في نهاية مذكراته ثلاثة ملاحق وهي عبارة عن بحوث كتبها في سنوات متفرقة الأول بعنوان : "دراسة مقارنة بين الإسلام والمسيحية " كتبه في سنة 1929 أثناء دراسته في جامعة شيكاغو والثاني بعنوان : " فلسطين بين العرب والصهاينة " نشره في جريدة الأحرار (اللبنانية ) سنة 1930 والثالث بعنوان : " القضية الصهيونية والروح العربية " كتبه سنة 1936 ونشرته مجلة الرابطة العربية في بيروت .

   قالت الدكتورة عالية احمد سوسة في تقديمها لمذكرات والدها أن والدها قضى العقد الأخير من حياته متفرغا للبحث والتأليف وهو في السن الثمانين من عمره حتى وافته المنية مساء السادس من شباط سنة 1982 .

    كرم الدكتور احمد سوسة في حياته مرات عديدة وحصل على أوسمة وشارات وجوائز تقديرا لعمله في حقل التأريخ للري في العراق عبر العصور ولعل من ابرز تكريماته نيله وسام الرافدين من الدرجة الثانية 1953 وتكريم وزارة الثقافة العراقية له لخدماته المتميزة للثقافة العربية المعاصرة .وعلى الصعيد العربي نال وسام الملك عبد العزيز بن سعود 1939  عن تنفيذه مشروع ري الخرج في نجد ،ووسام الكفاءة الفكرية من ملك المغرب عن كتابه : " الشريف الادريسي في الجغرافية العربية " .كما فاز كتابه : " فيضانات بغداد في التاريخ " بجائزة الكويت لأحسن كتاب صدر سنة 1963 فضلا عن جائزة المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم 1975 .

     كان شعار احمد سوسة الذي عمل تحته قبيل وفاته  قول توماس جفرسون : " إن الحياة تبدأ في الشيخوخة ...فالإنسان عندئذ يشعر بقدرة عجيبة على الاستمرار في العمل وفي الحياة وكأنه ما زال شابا " .ويضيف موضحا أهمية وضع "المذكرات الشخصية ": " ليس في حياة المرء ،بعد بلوغه سن الشيخوخة ،متعة تبعث الحيوية والنشاط في نفسه حين يستعرض مسيرة الأحداث  التي مرت به طوال السنين التي طواها من عمره ...وهو على ظهر سفينة الحياة ،يمخر عباب مشاكلها ومسؤولياتها ،وقد حملته بالمزيد من العبر والتجارب "

     أما عن اهتمامه بالتاريخ مع انه مهندس ري فيقول  : " إن هندسة الري والزراعة مرتبطتان بالأحداث  التاريخية وبخاصة الأحداث التاريخية القديمة المتعلقة بحضارة وادي الرافدين وكيفية نشوئها وتطورها عبر العصور" ويضيف إلى ذلك قوله : " إن الزراعة التي تعتمد على الري والحضارة صنوان لايفترقان ،فحيثما وجدت الحضارة ...وظهر التمدن ...ازدهرت معهما الزراعة التي تعتمد على الري وحيثما وجد نظام الري ازدهرت معه الحضارة والماء مصدر الحياة ...والعراق بوفرة أنهاره ومياهه وأراضيه الخصبة كان لعنصر الماء دخل في بناء كيانه الحضاري القديم وازدهار مدنيته المشهورة " . وهكذا هو الحال مع مصر ووادي النيل حيث ظهرت في العراق ومصر أقدم وأرقى حضارتين معروفتين في تاريخ العالم . وكان للعرب في مجال العقل الهندسي جولات وصولات والهندسة عندهم كانت نظريات تصف خواص الأشكال والأجسام واثبات ذلك ببراهين .وعن سر اهتمامه بالري والمياه يقول انه سلك منذ تخرجه وحصوله على الدكتوراه مسلكا علميا بحتا وكانت هوايته أثناء ممارسة مهنته مهندسا للري ثم مديرا عاما تتبع آثار  الجداول التي أنشأها العراقيون القدماء ومطالعة المصادر التي تبحث في تاريخ الري وهذا ما حمله على دراسة التاريخ القديم الذي يبحث كيفية نشوء وتطور الحضارات القديمة ومنها حضارة وادي الرافدين .وهكذا تهيأت الفرصة له عندما عين مهندسا للري سنة 1930 ليجوب العراق من شماله الى جنوبه للوقوف على مكنونات هذا التراث العظيم .ويتذكر الدكتور احمد سوسة أيام معرفته بالمهندس البريطاني ويليم ويلكوكس(1852-1932 ) الذي استقدمته السلطات  العثمانية إلى العراق سنة 1911 أيام كان العراق خاضعا لها لدراسة مايمكن انجازه من مشاريع للري وقال انه شاهد ويلكوكس عندما كان منهمكا في تنفيذ سدة الهندية 1913 وعمره آنذاك  لم يتجاوزال12 سنة وقد أعجب بهمته ونشاطه والى ويلكوكس يرجع الفضل في تخطيط معظم مواقع مشاريع الري في العراق الحديث  . ومن الطريف أن يكون الدكتور سوسة مهتما بالآثار وهو يتنسم عبق التاريخ في مدينته الحلة مركز محافظة بابل العاصمة العراقية القديمة والى شيئ من هذا القبيل يشير سوسة ليقول أن ولعه بالآثار والتاريخ كان له اثر كبير في تكوين شخصيته الثقافية .ومما ساعده في توثيق مجريات حياته احتفاظه بما اسماه "مفكرة " كان يدون فيها أحداث السنين الأولى من دراسته في الجامعة الأميركية في بيروت وبعض احداث دراسته في الولايات المتحدة الأميركية قبل أكثر من نصف قرن .كما انه يحتفظ بمجموعة من الرسائل المتبادلة بينه وبين أصدقاءه وتلك – بحق – من مصادر الكتابة التاريخية .

*************************************

        المؤرخ الدكتور احمد عثمان أبو بكر

بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

    منذ أن كنت طالبا في قسم التاريخ ، كلية الآداب ، جامعة بغداد أواسط السبعينات من القرن الماضي من أعد أطروحتي للدكتوراه عرفت الأستاذ الدكتور احمد عثمان أبو بكر ، فقد كان حينذاك مدرسا في هذا القسم . وقد حرص على التقرب من طلبة الدراسات العليا والدخول معهم في حوارات ومناقشات حول قضايا التاريخ الحديث والمعاصر .. ومع الأيام ازدادت الصلة بيني وبينه عندما عرف بأنني قد كتبت رسالتي للماجستير عن ( ولاية الموصل : دراسة في تطوراتها السياسية 1908 ـ1922 ) بإشراف الأستاذ الدكتور عبد القادر احمد اليوسف ، وكما هو معروف فان ولاية الموصل التي اقصدها في رسالتي ، كانت ولاية عثمانية عراقية تضم الموصل واربيل وكركوك والسليمانية  وقد اخبرني بأنه كتب أطروحته للدكتوراه في جامعة موسكو في موضوع مشابه لكنه ركز على ( حركة التحرر الوطني للشعب الكردي بين 1908 ـ1924 ) المهم ان الأستاذ الدكتور احمد عثمان أبو بكر ، كان واحدا من ثلاثة أساتذة أكراد في قسم التاريخ ، لكن انتماءاتهم الفكرية والايدولوجية لم تكن واحدة ، وكثيرا ما نشبت مساجلات فكرية وشخصية بينهم ، واقصد بهم الأستاذ الدكتور محمد محمد صالح ، والأستاذ الدكتور كمال مظهر احمد ، والأستاذ الدكتور احمد عثمان أبو بكر .. ومن  حسن الحظ أن علاقتي بهم كانت وثيقة وقد حظيت باحترامهم وتقديرهم .

     ولد المؤرخ الدكتور احمد عثمان أبو بكر عبد الله في مدينة اربيل ( هه ولير) عاصمة كردستان العراق سنة 1930 .

    وقد تيسرت له الفرصة ، بعد إكماله الدراسة الابتدائية والمتوسطة والثانوية ، للالتحاق بكلية العلوم والآداب في الجامعة الأمريكية ببيروت وقد فضل دراسة التاريخ مع انه كان في الفرع العلمي وليس الفرع الأدبي إبان دراسته الثانوية . وفي سنة 1955 حصل على شهادة البكالوريوس ( كانت مدة الدراسة خمس سنوات بعد الثانوية ) .

    عاد إلى العراق وعمل مدرسا في بعض المدارس المتوسطة والثانوية ومنها على سبيل المثال إعدادية النضال في بغداد بين سنتي 1959 و1960  نقل إلى وزارة المعارف  (التربية) ليعمل ملاحظا للقبول في مديرية البعثات وبعد بضعة سنوات ذهب إلى الاتحاد السوفييتي ( السابق) لكي يكمل دراسته . وقد التحق بمعهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية في موسكو ، وحصل على الدكتوراه في التاريخ وكتب أطروحته باللغة الإنكليزية وكانت بعنوان : حركة التحرر الوطني للشعب الكردي  1925-1905

                                                                                 National liberation Movement Of Kurdish People 1905- 1925

     ومع أنني لم اطلع على الأطروحة ومضامينها في حينه إلا أن أستاذي المشرف المرحوم الدكتور عبد القادر احمد اليوسف قد كتب ملخصا عنها وأورد كل تفاصيل مباحثها ، وأعطاني ذلك الملخص ويبدو انه كان خبيرا لترقية الدكتور احمد عثمان أبو بكر لمرتبة الأستاذ المساعد وعادة ترسل الأطروحة إلى الخبير لأغراض إكمال التقييم . وقد استفدت من اطروحة الدكتور احمد عثمان أبو بكر وأتذكر أنني أشرت إليها وأشدت بالجهد العلمي المبذول في إنجازها .

      لم يبق الدكتور أبو بكر في موسكو طويلا ،  فما أن انتهى من مناقشة اطروحته حتى عاد إلى وطنه ، ليعين مدرسا في قسم التاريخ بكلية الآداب ـ جامعة بغداد وقد تحمل مسؤولية تدريس موادا كثيرة أبرزها مادة التاريخ الأوربي الحديث وذلك باللغة الإنكليزية . وقد رقي إلى مرتبة أستاذ مساعد سنة 1986 وفي سنة 1993 انتقل إلى جامعة صلاح الدين في اربيل ولا يزال يعمل في قسم التاريخ بكلية الآداب فيها حتى كتابة هذه السطور .

     لم يكتب الكثير عن المؤرخ الدكتور احمد عثمان أبو بكر مع انه ألف كتبا عديدة ونشر الكثير من المقالات في الصحف والمجلات منذ سنة 1959 ومن الصحف التي كتب فيها ( جريدة هيوا / الأمل) وجريدة شفق (الفجر) الكرديتين .

     وقد تابعت نشاطه منذ سنوات بعيدة وكنت اسأل عنه تلاميذه في جامعة صلاح الدين وابعث إليه التحيات وكان يرد عليها بأحسن منها .. ويعد صديقنا الأستاذ حميد المطبعي من ابرز الذين كتبوا عنه بضعة اسطر وذلك في الجزء الثالث من موسوعته ، ، موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين والذي طبع سنة 1998 ببغداد وقال عنه أن الدكتور احمد عثمان أبو بكر أوضح في كل كتاباته بعض الأوجه الجديدة في المسالة الكردية )) . كما انه أسهم في وضع معادلة بسيطة تنظم العلاقة بين التاريخين الهجري والميلادي . والحقيقة أنني كنت واحدا من الذين علمهم الدكتور أبو بكر هذه المعادلة وكنا نستفيد منها ولانزال في تحويل التاريخ الهجري إلى التاريخ الميلادي وبالعكس .

     كان الدكتور احمد عثمان أبو بكر أستاذا جيدا ، وباحثا متمكنا ، وإنسانا طيبا ، .. أسهم في نشاطات علمية كثيرة وحضر مؤتمرات تاريخية داخل العراق وخارجه . وقد درس في الكلية الوطنية بلبنان وفي المدارس الثانوية بسوريا وله مئات البحوث والدراسات والمقالات في عدد من الصحف والمجلات العربية والكردية ومن كتبه التي ألفها باللغة العربية :

  1 . أكراد الملي وإبراهيم باشا ( دار الجاحظ ، بغداد 1973) .

  2 . كردستان في عهد السلام (بعد الحرب العالمية الأولى) ، وقد نشرته رابطة كاوا للثقافة الكردية ( اربيل ـ بيروت 2002) .

  3 . عشائر كردستان ، وقد نشرته رابطة كاوا للثقافة الكردية ، اربيل 2001 .

   ومن الكتب التي ترجمها عن الروسية ، كتاب الصراع على كوردستان ، لخالفين وطبع سنة 1969 . كما وترجم عن الإنكليزية كتابين اولهما ( عن الإنسان الجديد الموحد ) . وثانيهما عن ( الواحد والنقاط اللامتناهية) .

  كان يحب الرياضيات والفلسفة ويحاول ربطهما بالتاريخ وقد نشر العديد من المتابعات العلمية منها على سبيل المثال متابعته لمسألة الهندسة الو راثية وذلك في مقال واسع بعنوان : ((عن الإنسان الجديد والهندسة الو راثية )) . نشرته مجلة الثقافة (البغدادية) بعددها (6) و (7) ، السنة (12) ، حزيران ـ تموز 1982 . 

       واعتقد أن الدكتور احمد عثمان أبو بكر كان يجد من الآخرين صعوبة في فهمه ، إن على المستوى الشخصي أو على المستوى العلمي ولا اعرف تفسيرا لذلك سوى انه يبدو في بعض الأحيان سريع الانفعال لا يقبل بالخطأ مهما كانت الأعذار .

       من كتبه التي نشرها بالكردية كتاب :

(( نه خوش ته ده رون له جه ند ديركدا)) ، وطبع في مطبعة زانكو بالسليمانية سنة 1981 .

   أما ابرز دراساته التي نشرها باللغة الكردية فيمكن الإشارة إلى ما يلي :

  1 . كوردستان له به بما ني سايكس ـ بيكو سازانوف ـ باليولوك دا ، كوفاري كوردستان ، به غدا ، زمارة (8) ، مايس1972 .

   2. داستاني حه س ن به كر هه كارى ، كوفاري نووسه رى كورد ، زمارة (5) به غدا ، 1980 .

     ومن مقالاته وبحوثه ودراساته التي نشرها باللغة العربية :

    1 . ((حركة الشيخ محمود والعلاقات الدولية )) ، مجلة المجمع العلمي الكردي ، المجلد (1) بغداد ، 1976 .

     2 . ((ذكر الأكراد : أصولهم في كتابات المسلمين الأوائل )) ، مجلة المجمع العلمي العراقي ، الهيئة الكردية ، المجلد (17) ، 1985 .

     3 . ((الكرد في كتابات المسلمين الأوائل : ذكر مواطن وطوائف الأكراد )) ، مجلة كلية الاداب ، جامعة بغداد ، العدد (24) ، كانون الثاني 1979 .

      4 . كردستان في وثائق لجنة كينغ ـ كرين ، مجلة شمس كردستان ، العدد (7) ن بغداد ، آذار 1972 .

      5 . ((نظرة في وضعية المنطقة الكردية بعد الحرب العالمية الأولى )) ، مجلة كار وان ، اربيل ، العدد (22) ، مايس 1985 .

       6 . ((محمد ابن آدم العالم الكردي الكبير )) ، مجلة شمس كردستان ، العدد (6) ، بغداد ، 1973 .

    7 . ((هل التاريخ الكردي مكتوب حقا )) ، مجلة الدفاتر الكردية ، العدد (1) ، بغداد 1970 .

       نشر معظم فصول كتابه كردستان في عهد السلام ، في بعض المجلات ولسنوات عديدة ، وعلى شكل حلقات ، فبين آب 1989 وتموز 1987 نشرت له مجلة الثقافة ( البغدادية) لصاحبها الأستاذ الدكتور صلاح خالص (31) حلقة .. أما مجلة كه روان (كاروان) القسم العربي فقد نشرت له بين كانون الثاني 1985 وايلول 1986) ثلاث حلقات مهمة دارت حول ( وضعية المنطقة الكردية بعد الحرب العالمية الأولى ) و ( مهمة شريف باشا في مؤتمر السلام بباريس 1919) , ( مقترحات لإدارة مناطق الأكراد بعد الحرب العالمية الأولى ) .. وكان الدكتور أبو بكر مولعا بعرض ومراجعة بعض الكتب التي تتناول التاريخ الكردي المعاصر ونشر ذلك في بعض المجلات فعلى سبيل المثال علق على كتاب ( الشعب الكردي وتطوره الاجتماعي) في مجلة شمس كردستان ، الاعداد 53 ، 54 ، 55 ، 56 ، بغداد 1979 . كما علق على كتاب ( الاكراد : دراسة تاريخية ـ سياسية) في المجلة نفسها ، العددان 57 و 58 .

     لقد كان الدكتور احمد عثمان أبو بكر من أوائل المؤرخين العراقيين الذين اهتموا بالقضية الكردية ، وكتبوا عن علاقاتها الخارجية ، ويعد بحثه ( حركة الشيخ محمود والعلاقات الدولية ) من البحوث المتميزة التي تناولت (( علاقة الحركة الكردية مع حكومات الشرق الأوسط المركزية : العراق وإيران وتركيا))  فضلا عن ((إن كفاح الشيخ محمود بعد الحرب العالمية الأولى اتسم بطابع سياسي خاص متميز ، فلأول مرة في تاريخ كردستان الحديث يجد الكفاح الكردي الوطني نفسه وجها لوجه..مع قوة عالمية كبرى ألا وهي بريطانيا العظمى ..)) .

     وقد علق الدكتور أبو بكر على ذلك بقوله انه خلافا للظروف السابقة .. ومجرد تماس الحركة الكردية مع بريطانيا العظمى وتعاملها معها مباشرة انتزع هذه الحركة من دائرة ضيقة وإقليمية الى آفاق دولية واسعة رحبة ، وبالأخص بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية المعادية للاماني الكردية ، وذلك لان بريطانيا لم تكن دولة عظمى وحسب ، وإنما كانت إمبراطورية عالمية وسلطة دولية عظمى وحسب ، وإنما كانت إمبراطورية عالمية وسلطة دولية لا تبارى في قدرتها ونفوذها )) . لكن الدكتور أبو بكر سرعان ما يصاب بخيبة أمل من هذه القوى العظمى التي كان كل همها هو الحفاظ على مصالحها ، لذلك أصبح على الأكراد واجب مهم وهو الاستمرار كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا ، في ((رفع قضيتهم إلى أسماع الدوائر الدولية السياسية )) . ((وقد تحتم على الحركة الكردية لذلك ان تخوض تجارب الكفاح بأشكال متنوعة على امتداد سنين طويلة في المستقبل )) .

     بالرغم من أن الدكتور أبو بكر قد درس في الاتحاد السوفيتي ( السابق) إلا أن كتاباته لم تكن مؤدلجة في السياق المعروف عند بعض أقرانه .. كان مؤرخا موضوعيا ، يعتمد المنهج العلمي التاريخي في الوصول إلى الحقيقة ، وأكاد اجزم انه كان اقرب في منهجيته إلى من درسوا في الجامعات الغربية . فهو لم يكتف بنمط واحد من المصادر ، بل وجدناه يحث الخطى للوصول إلى الحقيقة عبر مصادر متنوعة . تأتي الوثائق غير المنشورة في مقدمتها . كما انه لم يهمل المصادر المحلية بل اعتمد على مصادر مختلفة باللغات العربية والكردية والفارسية . وقد دعا أكثر من مرة بأنه حتى في المستوى الحالي من كتابة التاريخ الكردي الحديث والمعاصر ، فان ثمة حاجة للاعتماد على مصادر ووجهات نظر إضافية .لذلك استحق أن نعده من المؤرخين العراقيين البارزين الذين تركوا بصمة واضحة في بنيان المدرسة التاريخية ليس العراقية فحسب بل العربية كذلك .

*********************************

المؤرخ احمد علي الصوفي 1893 -1981

بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

مؤرخ عراقي ومرب وآثاري ،يعد من رواد النهضة الفكرية العربية المعاصرة في العراق .ولد

في مدينة الموصل سنة 1893 ،دخل المدارس الدينية ثم اتجه الى المدارس الرسمية واكمل

الدراسة الإعدادية سنة 1917والتحق بالخدمة العسكرية واستمر كذلك حتى انتهاء الحرب
العالمية الأولى ووقوع الموصل سنة 1918 تحت الاحتلال البريطاني .

 اتجه الصوفي للعمل في سلك التعليم ،فعين في 26 نيسان 1920 ،معلما في المدرسة العراقية

في الموصل ، وبعد ذلك انتقل الى المدرسة الخضرية ثم نسب في أيلول 1926 مدرسا في ثانوية

الموصل وانتهى به المطاف معاونا لمدير متوسطة المثنى وتقاعد سنة 1956 بعد بلوغه السن

القانونية .

خلال المدة من 9 تشرين الاول 1935 وحتى نيسان 1937 ،اجتذبه المرحوم الأستاذ ساطع الحصري

مدير الآثار العام للعمل مفتشا في مديرية الآثار بالموصل .وقد استفاد من عمله هذا في

تنمية حسه التاريخي وولعه بتسجيل جوانب مهمة من تاريخ العراق عامة وتاريخ الموصل خاصة 

اتجه الصوفي حال تركه العمل في مديرية الآثار ،الى التأليف التاريخي ،فاصدر كتابه
"الآثار والمباني العربية الإسلامية في الموصل "سنة 1940 ،ثم اصدر بعد تسع سنوات كتابه

"تاريخ المحاكم والنظم الإدارية في الموصل "وفي سنة 1951اصدر كتاب "خريطة الموصل على
عهد الاتابكيين ".كما اصدر سنة 1935 كتاب "المماليك في العراق 1723 –1831 " ،وخلال

السنة ذاتها اصدر كتابه الشهير "خطط الموصل "بجزأين .وفي سنة 1955 اصدر كتابه "ارض
السواد " .

 انصرف الصوفي لجمع الحكايات الشعبية في الموصل من صدور العجائز والجدات قبل اندثاره

،واصدر كتابه "الحكايات الشعبية في الموصل "سنة 1926 .وفي سنة 1970 اصدر كتابه "تاريخ
بلدية الموصل " وللصوفي كتب مخطوطة منها كتاب " تاريخ وعبر " 

لم يكن الصوفي مؤرخا محترفا ،بل كان مؤرخا هاويا اتخذ التاريخ وسيلة من وسائل التثقيف
والتربية الوطنية والقومية للناشئة الذين حرص على أن يحبوا تاريخهم ويستلهموا رموزه

،بشرط عدم التفريط بمواصفات الكتابة التاريخية .وكان الصوفي يقدم التاريخ بأسلوب قصصي

ماتع لذلك احبه طلبته وقراءه لطرافة أسلوبه .ومن خلال متابعة ما أنجزه من كتب ودراسات

يمكن القول انه كان يدرك بان التاريخ مجرى الحياة ،وان ما يجري في فترة معينة له تأثير

على حياة الناس في الفترات اللاحقة .

كان الصوفي غير بعيد عن قواعد المنهج التاريخي وقد استعارها ،كما يبدو من علماء الحديث

ومصطلحة لذلك عرف التاريخ في أحد كتبه " بأنه علم من العلوم وانه يدرس لا كمجموعة من

الحوادث والحروب التي تدرس وقائعها اعتباطا واهتبالا " .وفي كل كتبه سعى الصوفي الى

الرجوع الى المصادر الأصلية وبلغات متعددة كلما استطاع الى ذلك سبيلا .كما انه كان يضع

خطة لبحثه ويرتب الأحداث ترتيبا زمنيا منطقيا ولا يغفل التحليل والتفسير وإبداء الآراء.

 اهتم الصوفي بما يسمى اليوم ب(التاريخ المحلي ) ،فلقد كانت مؤلفاته وبحوثه عن الموصل

تقع في هذا الإطار .وثمة ملاحظة أخرى لابد من إيرادها وهي أن الصوفي لم يقف عند التاريخ

السياسي بل اهتم بالجوانب الاقتصادية والضارية والاجتماعية ،فكتب عن المباني والمحاكم

والبلدية وخطط المدينة والأمراض والفيضانات والأوبئة والحكايات الشعبية وله في كل ما

كتب فضل الريادة .ولجا الصوفي الى التاريخ الشفهي فجمع مادته من "الصدور التي أنهكها

كبر السن "ولم يكتف بما هو مسطور في الكتب وانم تحرى الروايات وحلل مضامينها .

 كان الصوفي قريبا من أحداث مجتمعه الحاضرة ،ومنغمسا في نشاطات ثقافية وسياسية ومن ذلك

انخراطه في العشرينات من القرن الماضي في تنظيمات نادى المثنى المعروف بتوجهاته القومية

.كما انظم إلى حزب الإخاء الوطني 1933.وكان من الأعضاء المؤسسين لجمعية التراث العربي

التي تأسست في الموصل في 16 حزيران 1973 وكان من أهدافها تشجيع الدراسات المتعلقة

بالموصل تاريخا وتراثا .وقد ظل على صلة بشخصيات فكرية عراقية وعربية وأجنبية مهتمة

بالتاريخ والتراث ،واحتفظ بالرغم من كبر سنه بذاكرة وقاده ولم يتوقف عن الكتابة

والتأليف حتى وافته المنية سنة 1981 عن عمر يناهز الثامنة والثمانين .وقد ابنه طلابه

وزملائه ومحبيه وابرزوا صفاته واشاروا الى مجهوداته وكنت واحدا من الذين ارتبطوا به

بصلات علمية وكان رحمه الله يستقبلني في داره وكنا نتناقش في قضايا التاريخ والمؤرخين

وقد وجدت في كل ذلك انه يتمتع بسعة في العلم وقوة في الشخصية وكتاباته تعد بحق مكتبة

تاريخية متكاملة عن الموصل والعراق وبالتأكيد فهي تفيد دارسي التاريخ فائدة جمة رحم

الله أستاذنا الصوفي وجزاه خيرا عن كل ما كتب ونشر.

**********************************************

المؤرخ الدكتور أكرم ضياء العمري

بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

        مؤرخ عراقي متميز ، عمـل في جامعة بغداد ، وفي أكثر من جامعة عربية ، تخصص بدراسة السيرة النبوية وألّف فيها وأشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه كثيرة ، أسهمت في إعادة النظر في صياغة مفاهيم ومصطلحات هذا العلم الجليل . ولد في مدينة الموصل بشمال العراق سنة 1942 ، وأكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة والاعدادية فيها،وينتمي إلى العائلة العمرية المعروفة بدورها الفاعل في التاريخ العراقي الحديث والمعاصر من خلال الكثيرين من العمريين ، الذين قدّموا للعراق الكثير من الإنجازات في مجال السياسة والاقتصاد والتاريخ والقضاء والحكم والإجتماع .

      دخل كلية التربية بجامعة بغداد وحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ سنة 1963 ، ثم واصل دراسته في كلية الآداب من الجامعة ذاتها ، ونال الماجستير في التاريخ الإسلامي سنة 1966 . سافر إلى مصر والتحق بجامعة عين شمس بالقاهرة وحصل على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي سنة 1974 . عمل في التدريس الجامعي بكلية الآداب بجامعة بغداد طيلة السنوات الواقعة بين 1966 و 1976 ، وانتدب للعمل في الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة ، واختير رئيساً لقسم الدراسات العليا ورئيساً للمجلس العلمي فيها خلال المدة من سنة 1977 وحتى سنة 1983 . ومنذ سنة 1983 وحتى الآن فإنه يعد أستاذاً متفرغاً لتدريس مادة " تاريخ السيرة النبوية " في قسم الدراسات العليا التابع للجامعة الاسلامية بالمدينة المنورة .

     نشر دراسات وبحوث وكتب عديدة لعل من أقدمها كتابيه " تاريخ خليفة بن خياط " و " طبقات خليفة بن خياط  " . وقد طبع الأول ثلاث مرات ، الأولى في العراق سنة 1967 والأخيرة بالرياض سنة 1984 ، أما الكتاب الثاني فقد طبع طبعتان الأولى ببغداد سنة 1967 والثانية بالرياض . كما أصدر كتاباً متميزاً بعنوان " بحوث في تاريخ  السنّة المشرفة " طبع بين سنتي 1967 و 1984 أربع مرات آخرها بيروت سنة 1984، وله " موارد الخطيب في تاريخ السنّة " ( دمشق 1975 ) و " دراسات تاريخية " ، وطبع في المدينة المنورة سنة 1973 و " المجتمع المدني في عهد النبوة : خصائصه وتنظيماته الأولى " ونشر في المدينة المنورة سنة 1983 و " التراث والمعاصرة " ونشر بقطر سنة 1985 ، و " الإسلام والوعي الحضاري " ونشر ببيروت سنة 1987 ، ثم " الرسالة والرسول " نشر ببيروت سنة 1990 و " السيرة النبوية الصحيحة " بجزئين ، وطبع في المدينة المنورة سنة 1991 ، و " تراث الترمذي " ونشر بالمدينة المنورة سنة 1991 ، و " مجتمع المدينة المنورة في عصر النبوة " ، و " اقليم المجتمع الإسلامي من منظور حضاري " .

      كما أنجز الدكتور أكرم العمري بضعة تحقيقات أشرنا آنفاً إلى اثنين منها وهي
" تاريخ خليفة بن خياط " و " طبقات خليفة بن خياط " ، وله من التحقيقات : " المعرفة والتاريخ " ليعقوب بن سفيان الفسوي ، وطبع ثلاث طبعات أولها ببغداد سنة 1974 وآخرها في المدينة المنورة سنة 1988 ، " أزواج النبي " لمحمد بن زبالة ، ونشره المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية سنة 1982 ، و " بقي بن مخلد القرطبي ومقدمة مسنده عدد ما لكل واحد من الصحابة من الحديث " بيروت 1984 ، و " مسند خليفة ابن خياط  " بيروت 1985 ، و " تركة النبي " لحماد اسماعيل الأنصاري ، بيروت 1983 .

      اهتم الدكتور أكرم ضياء العمري بالسيرة النبوية الشريفة ، وقام بتدريسها طيلة السنوات الأربعين الماضية ، وفي كل من جامعتي بغداد بالعراق والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة ، وفي بعض جامعات الخليج العربي ومنها جامعة قطر . كما نشر دراسات وبحوث عديدة حول السنّة النبوية منها على سبيل المثال :

 1 ـ  " أول دستور أعلنه الإسلام " وهي دراسة في كتابة النبي محمد r بين
       المهاجرين والأنصار واليهود في المدينة . وقد نشرت في مجلة كلية الإمام
       الأعظم سنة 1972 .

 2 ـ  " أهل الصفة " ونشرت الدراسة في مجلة الدراسات الإسلامية ببغداد سنة
       1968 .

3 ـ  " موسى بن عقبة : أحد رواد المغازي الأوائل " ، ونشرت الدراسة في مجلة
       كلية الدراسات الإسلامية ببغداد سنة 1967 .

 4 ـ  " نظرة في مصادر السيرة النبوية " ، ونشرت الدراسة في مجلة كلية الدراسات
       الإسلامية ببغداد 1970 .

               حاول الدكتور أكرم ضياء العمري خلق مدرسة متميزة به تضم عدداً من طلابه تأخذ على عاتقها إعادة كتابة السيرة النبوية وفقاً لقاعدة " نقد مرويات السيرة " وذلك من خلال " تحكيم مناهج النقد عند المحدثين فيها " فكانت بحق " محاولة ضخمة طبقت فيها تلك القواعد على سائر الروايات التي أوردتها كتب الحديث والأدب عن السيرة ، وتقع المحاولة في قرابـة ( ستة آلاف صفحة ـ فولسكـاب ـ ) ضمتها رسائـل ماجستير ودكتوراه ، واستغرقت المحاولة أكثر من عشر سنوات ، وامتدت بين سنتي 1976 و 1988 ، ويعد المشروع أعظم إنجاز في توثيق مرويات السيرة النبوية رغم ما يكتنف التجارب الأولى من قصور في العادة . وقد نوقش من هذه الرسائل التي جرت بإشرافه   ما يلي :

 1 ـ  مرويات غزوة بني المصطلق ، رسالة ماجستير ، قدّمها : ابراهيم القريبي ،
       بإشراف الدكتور أكرم ضياء العمري ، ونشرها المجلس العلمي بالجامعة
       الإسلامية في المدينة المنورة .

 2 ـ  مرويات غزوة حنين وفتح الطائف ، أطروحة دكتوراه ، قدّمها: ابراهيم القريبي،
       بإشراف الدكتور أكرم ضياء العمري ، ونشرها المجلس العلمي بالجامعة
       الاسلامية في المدينة المنورة .

 3 ـ  مرويات السيرة في العهد المكي إلى نهاية حادث الإسراء والمعراج ، رسالة
       ماجستير ، قدّمها : عادل عبد الغفور ، ، بإشراف الدكتور أكرم ضياء العمري .

 4 ـ  أمهات المؤمنين ، أطروحة دكتوراه ، قدّمها عبد العزيز آل عبد اللطيف ،
       بإشراف الدكتور أكرم ضياء العمري .

 5 ـ  مغازي موسى بن عقبة ، رسالة ماجستير ، قدذمها : محمد باقشيش ، بلإشراف
       الدكتور أكرم ضياء العمري .

 6 ـ  مرويات تاريخ يهود المدينة ، رسالة ماجستير ، قدّمها : أكرم حسين علي ،
       بإشراف الدكتور أكرم ضياء العمري .

 7 ـ  السرايا والبعوث في عصر السيرة ، رسالة ماجستير أعدها : بريك محمد ،
       بإشراف الدكتور أكرم ضياء العمري .

      وضّح الدكتور اكرم ضياء العمري هدفه من كل ذلك في كتابه الموسوم : " السيرة النبوية الصحيحة " وقال إنّ ما فعله هو محاولة لتطبيق قواعد المحدثين في نقد روايات السيرة النبوية ، ويقع في جزئين ونشرته مكتبة العلوم والحكم بالمدينة المنورة أكثر من مرة وكـان آخرها ( الطبعة الرابعة ) سنـة 1993 ، وأضاف بـأن منهجه في كتابة التاريخ وكتابة تاريخ صدر الإسلام بشكل عام ، ومصادر السيرة النبوية بشكل خاص قائلاً : " إنّ سائر الذين كتبوا في السيرة اهتموا بجمع ما أمكنهم من الروايات وتدوينها دون أن يشترطوا الصحة فيما يكتبونه ، وأحالوا القارئ على الأسانيد التي أوردوها ليعرف الصحيح من الضعيف ، ويشذ عن ذلك البخاري ومسلم حيث شرطا الصحة فيما روياه من روايات السيرة ضمن كتابيهما في الصحيح ". وأضاف يقول : " وكان المتخصصون في القرون الأولى يعرفون الرواة وأحوالهم والأسانيد وشروط صحتها ، فكان بوسعهم الحكم على الروايات وتمييزها . لكن هذه المعرفة بالرجال والأسانيد لم تعد من أسس الثقافة في القرون المتأخرة ولذلك جاءت كتابات المعاصرين من الكتّاب والمؤرخين خلواً من تمييز الروايات وفق قواعد مصطلح الحديث " . ودعا العمري إلى وجوب تطبيق مناهج النقد التاريخي ( الغربية ) عند التعامل مع روايات السيرة مع عدم التفريط بأسس ومعطيات منهج المحدثين في كتب مصطلح الحديث المعروفة ، ومن خلال الجمع بين المنهجين يمكن الحصول على نتائج جيدة .

     اهتم الدكتور العمري بالبحث عن الأحكام الفقهية وتاريخ تشريعها اعتقاداً منه أن التأريخ للسيرة ينبغي أن يعنى بالجانب التشريعي الذي يحتكم إليه المجتمع ، ويوضح الضوابط الخلقية والقانونية التي تحكم حركة الأفراد والجماعات ،  ولا يمكن الفصل بين الجانب السياسي والعسكري والجانب الخلقي والتشريعي خاصةً في القرون الأولى من تاريخ الإسلام، حيث تتشابك العلاقات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية بالعقيدة والشريعة تشابكاً وثيقاً حيث يصعب فهم حركة التاريخ في تلك المرحلة دون فهم روح الإسلام ومبادئه .

     يرى الدكتور العمري أنه ليس من الصحيح إهمال أخبار الأبطال التاريخيين بحجة أنهم مجرد دمى في حركة المجتمع الواسعة، لذلك لابد من إعطاء مساحة مناسبة لحركة الفرد إلى جانب الحركة الجماعية .    

       وفيما يتعلق بمنهج كتابة تاريخ صدر الإسلام الذي يشتمل فضلاً عن " السيرة النبوية " تاريـخ الخلفاء الراشديـن ، فإن المؤرخ الدكتـور العمري يلتـزم بما يسميه

" التصور الإسلامي " في تفسير أحداثه ويقوم هذا التصور على الإيمان بالله تعالى وكتبه ورسله وباليوم الآخر ، وبالقدر خيره وشره ، وهو لا يخرج عن دائرة المعتقدات الإسلاميـة المبنية على إيضـاح " دور الإنسـان ومسؤوليته عن التغيـر الإجتماعي والتاريخي في إطار المشيئة الإلهية " ، ويقول أن هذا التصور ليس تفسيراً تبريرياً ولا تفسيراً مادياً ولا تفسيراً عنصرياً ولا تفسيراً طائفياً ، بل تفسيراً علمياً منطقياً يستند على مراعاة الحقائق التي قررها القرآن الكريم وفي مقدمتها استيعاب كليات التصور القرآني للتاريخ البشري وتفسير دوافع السلوك عند المسلمين في صدر الإسلام ومنها أن نشاط المسلم في كل مجالات الحياة يدور حول محور إرضاء الله تعالى الذي لا يقبل من العمل إلاّ ما كان خالصاً له ومن هنا فإن تقويم الحضارات الإنسانية يرتبط بمدى قدرتها على تحقيق الهدف الأساسي الذي وضعه الله لها ، والهدف ليـس مادياً ، وحسب وإنما معنوياً كذلك ، فالحضارة مهمـا وصلت من التقدم المـادي فإنها تبقى في نظر المؤرخ المسلم متخلفة وقاصرة ما دامت لا تهيئ الظروف الملائمة لعبادة الله والوفاء بالالتزام بشرعه . والحضارة السامية في نظـر المسلم هي التي تهيئ الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والمادية التي تساعد الإنسان نحو التوجه إلى توحيد الله وإفراده بالعبودية والتزام تعاليمه في كل ألوان النشاط الذي يمارسه ، دون أن تعيقه المؤسسات والأجهزة القائمة في المجتمع او توقعه في التناقض بين ( عقيدته ) و(سلوكه) .

       ويذهب الدكتور العمـري إلى أن الأمة الإسلامية تمـر في هذه المرحلة بظرف دقيق ، خاصةً أن كل شيء في هذه الأمة في حالة تحول وصيرورة ، ولا بد من أن يضع مفكري الأمة خططهم التي تساعدهم في الاقتراب من العالم المتقدم . وينتقد الدكتور العمري النظم التربوية السائدة في العالم الإسلامي ، ويقول أنهـا مسؤولة عن التخلف الذي يعيشه الإنسان في هذا العالم ، فهي نظم تقليدية نمـت في قرون الظلام والإنكسار والهزيمة ، وهي بعيدة كل البعد عن منظومة القيم التربوية الاسلامية . ويدعو الدكتور العمري إلى ضرورة إسهام العلماء والمثقفين المسلمين في بناء حضاري ذاتي يحافظ على الهوية الاسلامية ويتعامل مع التقنيات والمنجزات الانسانية المعاصرة بعين واعية ويضرب على ذلك مثلاً عندما يقول أن الجيل الاسلامي الجديد لا يحتاج فقط إلى حفظ القرآن الكريم والتفسير والأحاديث والأحكام الفقهية ، وإنما يحتاج كذلك إلى رؤية وتصور للعالم والجوانب الاجتماعية والاقتصادية المعاصرة والتي تشهد تطوراً مذهلاً .

***********************************

المؤرخ الدكتور تقي الدباغ (1925-2009 )

                                                                              بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف

                                                                            استاذ التاريخ الحديث- جامعة الموصل

        تناقلت وكالات الأنباء مساء  الحادي والثلاثين من مايس –أيار  2009، خبر وفاة الاثاري والمؤرخ العراقي الكبير الأستاذ الدكتور تقي الدباغ ،وذلك في أحد مستشفيات العاصمة البريطانية لندن ..وقد عرفت الدكتور الدباغ، منذ أن كنت طالبا في جامعة بغداد أوائل الستينات من القرن الماضي، وازدادت معرفتي به في الثمانينات عندما كنا ننجز معا  كتبا وموسوعات ثقافية عامة اضطلعت وزارة الإعلام العراقية بنشرها، واغلبها يدور حول حضارة العراق وتاريخه ،وكان الدكتور الدباغ مثالا للطيبة والتواضع لذلك  حظي باحترام تلاميذه وزملائه وأصدقاءه .

    أكمل  الابتدائية والمتوسطة والإعدادية،والتحق بدار المعلمين العالية المؤسسة منذ 1923 ببغداد، وتسمى اليوم كلية التربية ، وتخصص بالتاريخ وتخرج سنة 1949، وحصل على الليسانس بمرتبة الشرف، وبعد تخرجه عمل بالتدريس في عدد من المدارس المتوسطة والثانوية ثم  حاز على بعثة علمية خصصتها وزارة المعارف (التربية )وسافر إلى الولايات المتحدة الأميركية وحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة هارفارد وبعد عودته إلى الوطن، انضم إلى الهيئة التدريسية في(( كلية الآداب والعلوم))، ليسهم مع زملائه من الأساتذة البارزين في وضع وترصين أسس المدرسة التاريخية والاثارية العراقية .ومن زملائه الدكتور فيصل الوائلي والأستاذ طه باقر والأستاذ فؤاد سفر .

     حصل الدكتور تقي الدباغ على الأستاذية ودرس موادا مختلفة منها الانثروبولوجيا، والآثار، والتاريخ القديم، وعين رئيسا لقسم الآثار، ولأكثر من 10 سنوات ثم أصبح عميدا لكلية الآداب فنائبا لرئيس جامعة بغداد وأمينا عاما لمجلسها، ولم ينقطع عن التدريس والتأليف والإشراف على طلبة الدراسات العليا بالرغم من استمرار يته بالعمل الإداري  وقد تسلم رئاسة قسم الآثار فيها. كما شغل منصب الأمين العام لجامعة بغداد. وكان ،كما يقول الصديق الأستاذ حميد المطبعي في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين ،عضوا في جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين كما كان عضوا في اتحاد المؤرخين العرب وقد نشر العديد من البحوث والدراسات العلمية في المجلات العراقية والعربية والأجنبية كما ألف  أكثر من( 10) كتب منها :

1.تاريخ الآثار بحلقات الأشجار سنة 1979

2.الفكر الديني في آسيا الوسطى سنة 1979

3 .مقدمة في علم الآثار سنة 1981

4.علم المتاحف سنة 1981

5.عصور ماقبل التاريخ (بالاشتراك ) سنة 1983

6.طرق التنقيبات الأثرية سنة 1983

7.علم الإنسان الطبيعي سنة 1984

8.الوطن العربي في العصور الحجرية سنة 1988

9.المدينة والحياة المدنية سنة 1988

10.الفكر الديني القديم سنة 1992

  رصد الدكتور صباح نوري المرزوك  جانبا من إنتاج الأستاذ الدكتور تقي الدباغ ومنها بحوثه التالية :

1.وضع الوثنية القديمة في حوض البحر المتوسط ونشر في مجلة كلية الآداب –جامعة بغداد العدد2 ،1978

2.الآثار وتدجين الحيوان ونشر في مجلة كلية الآداب –جامعة بغداد 1981

3.آلهة فوق البشر ونشر في مجلة سومر العدد 23 ،1971

4 .بعض مظاهر الفكر الديني القديم في بلاد الشام ونشر في مجلة كلية الآداب ،جامعة بغداد 1978

5.تطور الإنسان ونشر في مجلة بين النهرين السنة 9 العدد 35 ،1981

6.تطور بدايات البشر ونشر في مجلة بين النهرين السنة 10 ،العددان 37-38 ،1982

7.تلف الآثار ونشر في مجلة الأستاذ التي تصدرها كلية التربية –ابن رشد المجلد 3 العدد 1 ،1980

        لقد أسهم الأستاذ الدكتور تقي الدباغ في تحرير موسوعات عديدة منها (موسوعة العراق في التاريخ) و (موسوعة حضارة العراق )التي طبعت بدار الحرية ببغداد (13 )مجلدا بعدد من البحوث منها بحوثه  عن :(البيئة الطبيعية والإنسان )في العراق ،و( الآلات الحجرية ) و(الثورة الزراعية والقرى الأولى ) و(الفخار في عصور ماقبل التاريخ ) .كما أسهم في تحرير( موسوعة الموصل الحضارية )التي أصدرتها جامعة الموصل ب(5) مجلدات سنة 1991 بعدد من البحوث منها  بحوثه عن (منطقة الموصل القديمة من القرية إلى المدينة ) ،و (الزراعة في عصور ماقبل التاريخ ).

     لقد فقدت المدرسة الاثارية والتاريخية العراقية المعاصرة برحيل الدكتور تقي الدباغ علما من أعلامها وأستاذا فذا من أساتذتها.

     نقل عنه الأستاذ المطبعي اعتزازه بالعراق، وعظمته ،وتقديره لدوره التاريخي والإنساني، ومما كان يردده أن العراق يشبه( طائر العنقاء الأسطوري)، فكلما تعرض للنار المحرقة خرج من جمرها  ورمادها أقوى جناحا، واقدر على العلو والتسامي ..والعراق في فترات التاريخ المتعاقبة يعطي لهذه الأسطورة دلالة وعمقا .فقد وضع التاريخ على ارض العراق بصماته الزاهية ...  وقمين بنا أن نذكره ،ونتمثل أخلاقه الطيبة، ونستفيد من آثاره، وقد يتفرغ أحد طلبته لكتابة أطروحة علمية عنه وعن انجازاته، فهو يستحق الذكر والتكريم والذكر للإنسان كما يقال حياة ثانية له .

*************************************************

المؤرخ الدكتور توفيق سلطان اليوزبكي  1932 ـ    2003

ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

   عرفت الأستاذ الدكتور توفيق سلطان عبد الرحمن اليوزبكي (1932 ـ2003) منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي ، حينما كان رئيسا لقسم التاريخ بكلية الآداب ، جامعة الموصل ووجدت فيه مثال الأستاذ الفاضل المخلص لبلده ووطنه وامته .

      كان اليوزبكي يدير آنذاك قسم التاريخ بعقلية متفتحة استوعبت كل التيارات الفكرية والسياسية التي ازدحمت بها الساحة العراقية أواخر الستينات واوائل السبعينات من القرن الماضي ، وعملت معه مقررا للقسم ، وقد تعلمت منه الكثير واستفدت من تجربته حينما تسلمت مهام إدارة قسم التاريخ بكلية التربية (15) سنة امتدت من سنة 1980 وحتى 1995 .

    ولد الدكتور اليوزبكي في مدينة الموصل سنة 1932 وتلقى دراسته الأولية في مدارسها ،  ودخل كلية الآداب والعلوم بجامعة بغداد وتخرج فيها سنة 1957 . ولم يقف عند هذا الحد بل أراد إكمال دراسته فسافر إلى مصر وحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة عين شمس بين سنتي 1968 و1972 . كان عنوان رسالته للماجستير ((الوزارة : نشأتها وتطورها في الدولة العباسية)) وقد طبعت في كتاب صدر سنة 1976. أما أطروحته للدكتوراه فعنوانها ((تاريخ أهل الذمة في العراق 12 ـ217 هـ )) و طبعت في كتاب صدر سنة 1983 .

    و قبلها عمل في سلك التعليم الثانوي في مدارس كل من الموصل والكوت وقد تزوج امرأة من عائلة الخطيب المعروفة بتدينها وورعها وله منها أولاد وبنين منهم الدكتورة قبية التدريسية في قسم اللغة العربية بكلية آداب الموصل والدكتور قتيبة التدريسي والباحث في مركز بحوث المياه والسدود في جامعة الموصل .

     شغل الدكتور اليوزبكي وظائف عديدة منها مستشار ثقافي أول في مكتب التربية العربي لدول الخليج (1982 ـ1985 ) ومقره الرياض بالمملكة العربية السعودية . كما تسلم منصب عمادة كلية الآداب بجامعة الموصل بين سنتي 1977 ـ1982 .

    ألف كتبا كثيرة دار معظمها حول التاريخ وفلسفة الحضارة العربية الإسلامية منها :

     1 . دراسات في الحضارة العربية الإسلامية ، (الموصل 1988) .

     2 . الوزارة : نشأتها وتطورها في الدولة العربية الإسلامية ، ( الموصل ،1976)

     3 . دراسات في النظم العربية الإسلامية ( جامعة الموصل ، دار الكتب ، الموصل 1979 ) و ط2 (1988)

     4 . تاريخ أهل الذمة في العراق 12 ـ217هـ) ، دار العلوم للطباعة والنشر ، الرياض 1983 .

     5 . تجارة مصر البحرية في العصر الممالكي ( جامعة الموصل ، الموصل ،1976)

   6 . دراسات في الوطن العربي : الحركات الثورية والسياسية (بالاشتراك ) ، وطبع في جامعة الموصل سنة 1973 .

    7 . عمر المختار والحركة السنوسية ( الموصل ، 1980)

    8 . مؤسسة الوزارة في الدولة العباسية ( دار الشؤون الثقافية ، بغداد ،1989)

قدم قرابة (90) بحثا ومقالة منشورة في مجلات موصلية وعراقية وعربية ، ومن بحوثه (( الأصول التاريخية للفكر العربي الإسلامي )) ونشر في مجلة الإسلام اليوم ، تصدرها المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، الرباط 1983  و((الثغور ودورها العسكري والحضاري )) ونشرت في مجلة الرافدين ، العدد 11 ، كانون الأول 1979  ، و((دراسات في الوثائق الإسلامية : عهد عمر بن الخطاب للنصارى) ونشر في المجلة التاريخية المصرية ، المجلد (22) ،1975 ، و((الشورى في النظم العربية الإسلامية )) ونشر في مجلة المجمع العلمي العراقي ، المجلد 47 ، الجزء (4) ،2000 .  كما اشرف على (15) طالب ماجستير ودكتوراه واسهم في ندوات ومؤتمرات علمية داخل العراق وخارجه .

     كان اليوزبكي قد وضع نفسه ، شأنه في ذلك شأن مجايليه ، في خدمة حركة المجتمع وتقدمه فضلا عن نشاطه العلمي الأكاديمي ، كان له نشاط ثقافي ، فقد عملا مثلا رئيسا لجمعية المؤرخين والاثاريين فرع نينوى سنوات عديدة . وكان عضوا في اتحاد الأدباء والكتاب وفي اتحاد المؤرخين العرب ورئيسا وعضوا في هيئات تحرير مجلات عديدة منها مجلة آداب الرافدين التي تصدرها كلية الآداب / جامعة الموصل ومجلة رسالة الخليج العربي التي يصدرها مكتب التربية العربي .   منح وسام المؤرخ العربي سنة 1985 تقديرا لاسهامه المتميز في خدمة التاريخ والحضارة الإسلامية .

     كان الدكتور اليوزبكي يرى بان دراسة النظم السياسية والإدارية والاقتصادية والمالية والاجتماعية العربية الإسلامية من أهم الدراسات التاريخية واصعبها . وتكمن الصعوبة في قلة من تصدى لها من المؤرخين سواء القدامى منهم أو المحدثين . وحتى الفقهاء فانهم تناولوا دراسة جوانب معينة منها وفي حقب تاريخية محددة ، لذلك لم تزل جوانبها الأخرى غامضة . وقرر الدكتور اليوزبكي حقيقة مهمة وهي أن النظم العربية الإسلامية لم تنشأ مرة واحدة وانما نشأت وتطورت عبر عصور تاريخية طويلة يصعب على الباحث أحيانا تحديد أصول بعضها ..لكن مما لايمكن نكرانه أن هذه النظم ترجع في بعض أصولها إلى ما كان سائدا قبل الإسلام في الجزيرة العربية وبعض أطرافها وخاصة في ممالك المناذرة والغساسنة والتدمريين وغيرهم من نظم سياسية  . ويقينا أن أصول تلك النظم لم تكن بعيدة عن النظم الساسانية والبيزنطية . وعندما جاء الإسلام اقر من تلك النظم ما ينسجم منها ومبادئه وبدل بعضها واهمل ما يتعارض وقيمه .

    ولا ينسى الدكتور اليوزبكي ان يؤكد بان النظم العربية والإسلامية تعد مظهرا من مظاهر شخصية الأمة من حيث تقدمها وعوامل تطورها ومدى تأثيرها في مجرى التاريخ الإنساني . كما أنها تكشف عن طبيعة العقلية العربية وتطورها الفكري والحضاري وحاجة الأمة لمثل تلك المؤسسات .

     وكثيرا ما كان الدكتور اليوزبكي  ، من خلال كتبه أو محاضراته على طلبة الدراسات الأولية ، والعليا يشير إلى أن الاهتمام بالنظم وتطورها يساعدنا في معرفة التقلبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدينية التي شهدتها الدولة العربية الإسلامية في كل مراحلها ، في مرحلة صدر الإسلام أو المرحلة الأموية او المرحلة العباسية وما بعد تلك المراحل .

   كان الدكتور اليوزبكي متشبثا بالمنهجية العلمية التاريخية التي عرفت بها المدرسة التاريخية العراقية وخاصة من حيث العودة إلى الأصول  من المصادر والمراجع وتحليها ومن ثم إعادة تشكيل الحدث كما وقع بالضبط .. ولم تكن مصادره تاريخية وحسب ، بل كثيرا ما كان يرجع إلى كتب الحديث والفقه والتفسير . كما شكل ما كتب في أحكام الإسلام في النظم المالية من جزية وخراج وعشور وزكاة وغيرها مما يشكل موارد الدولة المالية ابرز مصادره، ولم يكن من السهل فهم ما كتبه أبو يوسف القاضي ( توفى 192هـ/798هـ) في كتابه ( الخراج) أو أبو عبيدة القاسم بن سلام (توفى 224هـ) فــي كتابه

(الأموال) فذلك يحتاج إلى ثقافة اقتصادية وكان الدكتور اليوزبكي أهلا لذلك ، فهو لم يرجع إلى كتب الحسبة والخراج والأموال بل رجع إلى كتب الفقه والقضاء كذلك ، كما ناقش المؤرخين المحدثين ولاسيما المستشرقين منهم وانتقد بعض كتاباتهم واستفاد من بعضها الآخر ..

     توفي الدكتور اليوزبكي في العاشر من تشرين الأول 2003 وهو في عز عطائه العلمي .. رحمه الله وجزاه خيرا على ما قدم لدينه ووطنه وامته وللإنسانية جمعاء .

***********************************

المؤرخ الدكتور جاسم محمد حسن العدول

بقلم ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

        قبل أيام افتقدنا زميلاً عزيزاً ، ومؤرخاً فذاً ، وأستاذاً جليلاً ، وإنساناً فاضلاً .. انه الأستاذ الدكتور جاسم محمد حسن العدول ( 1938 – 2008 )، ولابد لنا ونحن نحاول الكتابة عنه أن نشير إلى إن رحيله كان مفاجئاً لنا وللكثيرين .. فلقد ظل مستمراً على الدوام والمواظبة في الحضور إلى قاعات الدرس والتقاء طلبة الدراسات العليا حتى قبيل ساعات من وفاته .. رحمك الله يا أبا غسان .. عرفناك جاداً ومخلصاً في عملك .. محباً لبلدك .. وتلك صفات ليس من السهولة اليوم الحصول عليها .. عرفناك مؤرخاً دقيقاً .. لا تغادر حدثاً أو خبراً إلا وتستقصي كل جوانبه وتسير أغواره بعمق .. تحرص على استكمال مصادره ووثائقه .. وكنا نمازحك في انك تستغرق وقتاً أكثر مما ينبغي في كتابة هذا الموضوع أو ذاك ، فتبتسم قائلاً: (( انك تريد شيئاً متكاملاً ( توكملي !! ) لا يعيبك احد عليه )).. كنت دؤوباً ولم تحسب الأمور وفق المقاييس الشائعة .. بل كانت لك مقاييسك المستندة إلى الصدق ، والصراحة ، والإخلاص والتفاني وقول الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة .
     
أظنك كنت رانكوياً ( نسبة إلى المؤرخ الألماني ليبولد رانكه ) في نظرتك إلى التاريخ .. كنت ترى أن وظيفة المؤرخ هي أن يعيد تشكيل الحدث مثلما كان ومثلما وقع .. لهذا ركزت على ما يسميه المؤرخون المنصفون بـ ( المعايشة الوجدانية ) .. عندما كنت تكتب بحثاً عن موضوع ما ، كنت تعيش أحداثه ، ساعة بساعة .. لذلك كانت  كتاباتك وتوثيقاتك تأتي دقيقة ومُفصحة عن كل جوانب الموضوع ..
       
دعونا ألان نقف عند سيرته .. فنقول انه ولد سنة 1938 في مدينة الموصل ، وأكمل دراسة الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم دخل كلية التربية بجامعة بغداد وحصل على البكالوريوس في التاريخ وعمل مدرساً في بعض المدارس المتوسطة والثانوية ولم يقف عند هذا الحد بل حصل على الماجستير في التاريخ الحديث من جامعة بغداد سنة 1975 عن رسالته الموسومة : (( العراق في العهد ألحميدي 1876 – 1909 )) بإشراف الأستاذ الدكتور ياسين عبد الكريم، وقد نقلت خدماته وزارة التربية إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ليعمل تدريسياً في قسم التاريخ بكلية التربية _ جامعة الموصل ورقي إلى مرتبة الأستاذية .. وبعد سنوات من عمله في قسم التاريخ حصل على الدكتوراه في التاريخ الحديث سنة 2006 من كلية التربية _ جامعة الموصل وكانت أطروحته عن ( السلطان سليم الأول 1512 – 1520) وبإشراف زميلنا الأستاذ الدكتور خليل علي مراد .
       
عمل لسنوات مقرراً لقسم التاريخ _ كلية التربية، وكان عضواً في جمعية المؤرخين والاثاريين فرع نينوى ، وعضواً في اتحاد الأدباء والكتاب وعضواً في اتحاد المؤرخين العرب ، وعضواً في نقابة المعلمين .. وقد أسهم مع عدد من الأساتذة في تأليف كتاب منهجي كبير بعنوان :(( تاريخ الوطن العربي المعاصر )) تناول التطورات السياسية المعاصرة في الوطن العربي منذ مطلع القرن العشرين حتى الستينات من القرن المذكور وفق رؤية قومية تقدمية تتوضح فيها أبعاد التحديات المصيرية  التي تواجه الأمة العربية .
     
أشرف الأستاذ الدكتور جاسم محمد حسن العدول على عدد من الرسائل الجامعية نذكر منها الرسالة التي قدمها السيد محمد حمزة حسين إلى قسم التاريخ بكلية التربية ، جامعة الموصل سنة 2007 بعنوان : (( السياسة البريطانية تجاه الحركة الوطنية في مصر 1882 – 1914 )) والرسالة التي قدمتها الآنسة إطلال سالم حنا إلى القسم نفسه سنة 2007 بعنوان : (( مصر في سنوات الاحتلال الفرنسي 1798 – 1801 ))، والرسالة التي قدمها الدكتور محمد عبد الرحمن يونس ألعبيدي إلى القسم أعلاه بعنوان :(( السلطان عبد الحميد الثاني والجامعة الإسلامية 1876 – 1909 )) وأطروحة الدكتوراه التي تقدم بها السيد منهل الهام عبدال إلى القسم نفسه بعنوان: (( العلاقات التركية _ الإيرانية 1979 – 1989 )) ، 2008 .
       
في معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970 – 2000 الذي أعده زميلنا العزيز الدكتور صباح نوري المرزوك وطبع ببغداد سنة 2002 توثيق لبعض انتاجات المرحوم العدول ندرجها وكما يلي :
من كتبه ودراساته :
1.   
تاريخ الوطن العربي المعاصر ، الموصل 1986 بالاشتراك .
2.   
دراسات في التاريخ الأوربي الحديث والمعاصر ، الموصل ، 1988 بالاشتراك .
3.    ((
دور العراق في إنشاء سكة حديد الحجاز )) وقد نشر في مجلة ( دراسات تاريخية ) السنة (2) العدد (21) ، 2000 .
4.    ((
عروج : دوره في أحداث المغرب العربي وحوض البحر المتوسط )) ، وقد نشر في مجلة التربية والعلم ، العدد (24) شباط ، 1980 .
5.    ((
وقائع احتفالات ولاية بغداد بالمناسبات الرسمية والدينية أبان حكم السلطان عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 )) وقد نشر في مجلة المورد ، المجلد (11) ، العدد (3) 1982 .
       
كما نشرنا له في مجلة ( دراسات إقليمية ) التي يصدرها مركز الدراسات الإقليمية وأترأس تحريرها بحثاً قبيل وفاته وقت قصير عنوانه : (( مصالح الدول الكبرى في ولاية الموصل أبان عهد السلطان العثماني عبد الحميد الثاني 1876 – 1909 )) السنة (4) ، العدد (9) ، كانون الثاني 2008 .
     
وللدكتور العدول إسهامات في تحرير عدد من الموسوعات العلمية المنشورة منها على سبيل المثال مشاركته في تحرير ( موسوعة الموصل الحضارية ). كما أن له إسهامات في نشاطات الجامعة العلمية من قبيل الندوات والمؤتمرات وخاصة تلك التي يعقدها مركز دراسات الموصل ... رحمك الله يا أبا غسان وجزاك خيراً على ما قدمت وعزاءنا انك تركت ما تخلد به ، ولد صالح يدعو لك وعلم ينتفع به ..

المؤرخ الأستاذ الدكتور جعفر خصباك 1920- 1994
 
بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

في صباح يوم الأربعاء 19 كانون الثاني 1994 ،فقدت
المدرسة التاريخية العراقية علما من أعلامها البارزين
وأستاذا فاضلا كان له فضل كبير في رفد الدراسات التاريخية بالكثير من البحوث والآراء . 
هذا فضلا عن تخرج أجيال عديدة من المؤرخين ودارسي التاريخ في العراق على يديه. وجعفر خصباك من مواليد 
الحلة1920 تخرج في دار المعلمين العالية (كلية التربية حاليا) ببغداد سنة 1946 وأصبح بعد تخرجه مدرسا 
للاجتماعيات في ثانوية الحلة لفترة قصيرة سافر بعدها إلى القاهرة حيث التحق بجامعة فؤاد الاول وهي جامعة 
القاهرة حاليا لبضعة اشهر لكنه انضم الى البعثة العلمية العراقية التي غادرت الى الولايات المتحدة الاميركية. 
حصل على الماجستير في التاريخ من جامعة كاليفورنيا ثم درس في بركلي وبعدها انتقل الى جامعة شيكاغو ليحصل 
منها على الدكتوراه في التاريخ الحديث سنة 1952 وذلك عن رسالته الموسومة (بريطانيا والحركة القومية في 
مصر 1918 -1924(.

وفي سنة 1952 عاد الى العراق وعين مدرسا في كلية الاداب والعلوم ببغداد وبدا بتدريس مواد دراسية منها تاريخ 
العصور الوسطى والتاريخ الاوربي الحديث وتاريخ الشرق الادنى الحديث.
اتجه الدكتور خصباك في مطلع الستينات من القرن الماضى لدراسة واستكشاف فترة مهمة من تاريخ العراق 
الحديث ظلت بعيدة عن اهتمام المؤرخين تلك هي الفترة المحصورة بين سقوط بغداد على يد المغول سنة 1258 
وسقوط بغداد بايدي العثمانيين سنة 1534، فبدا بحصر المصادر والمراجع مع طلبته وكنت منهم عن هذه الفترة 
واسرع في توجيه طلبته نحو الاهتمام 
بها لقد كان من ثمار ذلك اصداره كتاب "العراق في عهد المغول الايلخانيين والذي طبع ببغداد سنة 1968، ولم يكتف 
الدكتور خصباك بدراسة التاريخ السياسي لهذه الفترة وانما اهتم بالتارخ الاجتماعي والاقتصادي ويعد هذا فتحا 
جديدا في التوجهات الحديثة للمدرسة العراقية في التاريخ
لقد كانت هذه الفترة ضائعة بين المؤرخين المختصين منهم بالتاريخ الاسلامى والمختصين بالتاريخ الحديث وقد 
حسم الدكتور خصباك الامر بان ادخل الفترة المظلمة او كما اسميها الفترة المظلومة ضمن اهتمامات المختصين 
بالتاريخ الحديث .
ومما ساعد الدكتور خصباك على ذلك ظهور جيل من المؤرخين العراقيين الشباب الذين توجهوا لدراسة هذه الفترة 
فحققوا المخطوطات التي تعود لهذه الفترة وقدمو رسائل ماجستير ودكتوراه تناولت مواضيع تبحث في تاريخ 
العراق ابان عهد الايلخانيين والجلائريين والقره قوينلو والاق قوينلو والصفويين وغيرهم.
كان منهج الدكتور خصباك بقوم على اساس ان التاريخ هو محاولة للكشف عن الحقيقة دون تحزب لاية جهة او ف
كرة مسبقة وحين اختط له هذا المنهج فقد كان على قناعة بان معرفة الماضى معرفة علمية هي اقوم سبيل يتعرف 
بها الانسان على ذاته كما هي وادراك امكاناته وتفهم مشاكله .
وكان يرى ان المبالغة في وصف الماضى او الانتقاص منه مضيعة للوقت تدفع الانسان الحاضر في سبيل 
معوج ملتو لايوصله الا الى متاهات وضلالات وخير الامة التي تسعى الى غد افضل ان تعرف ماضيها على حقيقته .
لقد اعتقد الدكتور خصباك ان التاريخ ليس وصفا بسيطا للماضى بترتيب حوادثه ترتيبا زمنيا بل 
محاولة لاستقصاء الجذور واستيعاب الاحوال والتعمق في الامور وتقديم احكام وتفسيرات توضحها وتزيل
 اللبس والغموض عنها .
انتقد الدكتور خصباك اولئك الذين حاولوا تفسير التاريخ العربي والاسلامى وفق النظرية الماركسية وقال ان هذه 
النظرية تخضع الانسان لقوى عمياء هي قوى الانتاج ،فتلغى بذلك الدور الذي تلعبه الارادة الانسانية.
كما اكد بان الماركسية تجعل التاريخ وكانه حربا اهلية مستمرة وسفكا دائما للدماء.
الف الدكتور خصباك كتبا لم ينشر بعضها باللغة العربية منها كتابه (روسيا السوفيتية والشرق 
الاوسط 1917 -1939) باللغة الانكليزية .
ترجم كتبا عديدة منها كتاب (تاريخ اوربا الحديث) لبالمر وكتاب ( القومية بين الاسطورة والواقع ( لبويد تشيفر .
كما ترك بحوثا كثيرة منشورة في مجلات عراقية وعربية واجنبية واشرف على رسائل الماجستير والدكتوراه 
ولم يتوقف عن التدريس في الدراسات الاولية والعليا فقد كان قبيل وفاته (1994) استاذا في الجامعة الاسلامية ببغداد.
كان المرحوم الاستاذ الدكتور جعفر خصباك مؤرخا ثبتا وانسانا رائعا ووطنيا مخلصا وعالما جهبذا ونحن 
بحاجة لدراسة سيرته ومنهجه.

المؤرخ الدكتور حسين قاسم العزيز 1922 ـ1995

     بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

عرفت الدكتور حسين قاسم العزيز 1922 ـ 1995 رحمه الله منذ أن كنت طالبا في جامعة بغداد أبان الستينات ، من القرن الماضي ، فلقد عمل الرجل مدرسا ثم مديرا لثانوية الناصرية قبل ثورة 14 تموز 1958 .. وكان معروفا بتوجهه الماركسي ، وبنظرته المادية الديالكتيكية للتاريخ عموما وللتاريخ العربي الاسلامي خصوصا .. كتب عنه صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في الجزء الثالث من موسوعته : ((موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين)) وقال بانه ((باحث في التاريخ العربي الاسلامي ..بمنهج المادية الديالكتيكية ..)) .

      ولد في في مدينة الكوت سنة 1922 . اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية بين مدينتي الكوت والعمارة . دخل دار المعلمين العالية ( كلية التربية) ببغداد ، وتخرج فيها سنة 1945 ، وعمل في التدريس وفي وظائف إدارية عالية بوزارة التربية . وفي سنة 1966 حصل على الدكتوراه من جامعة موسكو ، وكانت أطروحته حول (البابكية) . مارس التدريس في معهد اللغات الشرقية في موسكو بين سنتي 1963 ـ 1966 ، ثم انتقل الى المملكة العربية السعودية ليعمل فنيا في مركز الدراسات التكميلية الاسلامية في الرياض . وفي سنة 1968 عاد الى وطنه ، وعين مدرسا في كلية التربية ثم في قسم التاريخ بكلية الاداب / جامعة بغداد . ومما انجزه ، فضلا عن الكتب والبحوث والدراسات التي كتبها ، اقدامه على عمل متميز ، بنظرنا ، وهو ترجمة الجداول التي رتبها المستشرق (الارمني ـ السوفيتي) سنة 1920 يوسف ابكاروفيج اوربلي لتحويل السنوات الهجرية الى السنوات الميلادية من اللغة الروسية الى اللغة العربية ونشر الجداول في مجلة المورد (البغدادية) عبر عددين هما العدد هما العدد (3) من المجلد (23 ،1974) والعدد (4) من المجلـد (23 ،1974 ) وقد استغرقـت الجـداول قرابة (90) صفحة من القطع الكبير وبذلك اسدى خدمة رائعة للباحثين ، ومن كتبه التي نشرها حينما كان يعمل في السعودية كتابه الموسوم ((شرق الجزيرة العربية والاطماع الغربية )) وقد اعيد طبعه في دار الكنوز الادبية ، (بيروت ،2004) ويقع في (160) صفحة . 

      كتبت عنه مجلة العلوم السياسية ( العراقية) مرة وقالت انه (( أرسى معالم طريقة جديدة في تحليل وتفسير الاحداث التاريخية ، وعلاقة العرب المسلمين بالمسلمين من غير العرب )) . وعندما نشر اطروحته للدكتوراه في موسكو سنة 1966 عن ((البابكية : انتفاضة الشعب الاذربيجاني ضد الخلافة العباسية )) ، قامت قيامة بعض المؤرخين من ذوي التوجه القومي العربي ولم تقعد ، فلقد تصدى له بعضهم وفي مقدمة الذين تصدى له المؤرخ الاستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي وحاول دحض فرضياته ودار صراع فكري تلمسنا اثاره في قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد مطلع السبعينات من القرن الماضي ، ومما ساعد على احتدام الصراع ، استضافة القسم المذكور للمؤرخ السوفيتي المعروف كوتولوف الذي كتب عن ثورة 1920 وفسرها تفسيرا ماركسيا لينينيا وقد ترجم كتابه ونشر ببغداد آنذاك .. وقد دار عند القاء الدكتور كوتلوف محاضراته في قسم التاريخ سجالا تاريخيا رائعا اسهم فيه عدد من الاساتذة المؤرخين امثال الاستاذ الدكتور فاضل حسين والاستاذ الدكتور جعفر خصباك والدكتور حسين قاسم العزيز والدكتور فاروق عمر فوزي  ، ولم يكن طلبة الدراسات التاريخية العليا بعيدين عن ذلك السجال ، فلقد كنت انذاك واحدا من الذين حضروا محاضرات الدكتور كوتلوف والنقاشات التي دارت حولها وقد جرى كل ذلك ، والحق اقول ، في جو علمي اخوي افتقدناه فيما بعد ، للاسف الشديد .

   كان للدكتور حسين قاسم العزيز كتب ودراسات ..كما دأب على نشر مقالاته في الصحف العراقية والعربية والاجنبية (الروسية) .. ومما ينبغي ذكره ان كل او معظم كتاباته كانت تنهج في تفسير احداث التاريخ العربي الاسلامي ، نهجا قائما على ابراز دور الصراع الطبقي في صنع التاريخ ويقف كتابه ( موجز تاريخ العرب والاسلام ) الذي نشرته مكتبة النهضة ببيروت سنة 1971 مثالا تطبيقيا على ذلك ولتوضيح رؤيته التاريخية لابد لنا ان نقف عند بعض إنتاجه ولعل من أبرزه في نظرنا مقالين ، نشر اولهما بعنوان : ((الاساس المادي لتطور منهج البحث التاريخي ومستلزمات المرحلة الراهنة) في مجلة الثقافة الجديدة

(البغدادية) ، العدد (5) ايار 1975 . والثاني نشره بعنوان ((تباين وآفاق الاستشراق واثره في منهج البحث التاريخي في العراق )) . في مجلة شمس كردستان ، العدد (27) ، حزيران 1975 . وفي هذين المقالين يعالج الدكتور حسين قاسم العزيز ((منهج البحث التاريخي تاريخيا وجذور المنهجين الموجودين آنذاك في العراق (1975) ، دون ان يتطرق الى أساليب المدارس التاريخية ونظرتها للتاريخ ، وانما يعالج الاساس المادي والمحتوى النظري لاختلاف وتغير موقف المؤرخين من الاحداث التاريخية انطلاقا من الاعتراف بتفاعل الافكار والاراء والمعتقدات مع الشروط المادية للحياة الاجتماعية ، على اساس ان التاريخ لون من المعرفة الداخلة ضمن الافكار والادراك الاجتماعي التي تتأثر وتؤثر في الوضع الاجتماعي )) .

   لقد اهتم الدكتور العزيز بهذا الموضوع منذ ايلول 1973 ونشرت مجلة المثقف العربي ( البغدادية) في عددها الاول ، السنة 6 ، كانون الثاني 1974 ، جانبا من افكاره وآرائه ومنها ما يتعلق بالمسار التطوري للتاريخ عند العرب والمسلمين حتى مطلع القرن العشرين . وقد اوضح ((دور الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية لعرب ما قبل الاسلام والفترة الاسلامية ثم التفاعل الحضاري عبر التحولات الاجتماعية ، وبيان واقع المؤرخين الطبقي وانحيازهم ، الا ما ندر ، الى جانب السلطات ، مع اظهار اثر التمازج الحضاري في اسلوب المؤرخين مع بيان دور السلطة في اشاعة الجمود الفكري نتيجة القمع والاضطهاد القسري)). واخيرا تناول فترة الركود الفكري الذي واكب الاحتلال الاجنبي الطويل ، وفي نهاية رؤيته درس انبعاث التفاعل الحضاري بين الشرق والغرب ) . أما القسم الثاني من دراسته ، فعالج فيه النهجين المحافظ والتقدمي ، من حيث واقعهما وخلفيتهما وآفاقهما مع لمحة عن الوضع الراهن للمدرسة التاريخية العراقية المعاصرة .

    في جانب من دراسته تلك التي اشرنا اليها آنفا وقف عند ما اسماه (( مناهج البحث التاريخي في العراق)) .  وقال ان هناك منهجان : اولهما منهج محافظ . وثانيهما منهج تقدمي . فالمنهج المحافظ في التاريخ ((يغرق نفسه بالسرد التاريخي ليبتعد جهد طاقته عن تحليل المجتمع وشروطه المادية منتهجا طريق سلفه مؤرخ القرون الوسطى الاقطاعي بدوافع طبقية تغذيها الشوفينية والتزمت وضيق الافق العلمي ، او متابعا خطى اساتذته الشرقيين الرجعيين ، فتراه يقلل او يسعى الى تقليل دور الجماهير في تغيير احداث التاريخ ، بل يسعى جهد طاقته لابراز دور الفرد في توجيه الاحداث )) . اما المنهج التقدمي فهو برأي الدكتور حسين قاسم العزيز ، ((يعتمد التحليل العلمي الحديث ، فيلتزم جانب الشعوب والامم الثورية ـ التحررية في صراعها ضد الطغاة ايا كانوا ، فهو يفضح الاضطهاد والاستغلال ويناصر الشعوب ويتعمق في دراسة الجوهر ليتخذه اساسا لتحليلاته دون الظواهر السطحية ، ويعتبر البنى الفوقية دون ان يجردها من التفاعل انعكاسا للتراكيب السفلى : القاعدة الاقتصادية ـ الاجتماعية ، وخلال دراسته لتطور المجتمع يعنى عناية فائقة باهمية العوامل الموضوعية والذاتية والعلاقة بين هذين العاملين مسترشدا بتحليل لينين الدقيق )) .

  ثم اشار الى ما كان يتضمنه هذا التحليل من دراسة جدلية بارعة للعلاقة بين العاملين الموضوعي والذاتي في تطور المجتمع  وخاصة ما يتصل بنشاط الجماهير الشعبية والطبقات والاحزاب والوفود في العملية التاريخية .

  ويقرر الدكتور حسين قاسم العزيز بان المنهج التقدمي في العراق يعاني من عدم تكافؤ الفرص بينه وبين نقيضه المنهج المحافظ في التعيين والنشر وفي المساهمة في التخطيط ووضع البرامج والمناهج وفي مجال حرية الفكر . ويدعو الدكتور العزيز الى اصلاح التعليم الجامعي ويقول بانه تقدم الى قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد في 27 ايلول 1973 بمقترحات حول تطوير القسم والدراسات التاريخية وقد اشار الى الاسباب الموجبة لمقترحاته بما يلي : ((انطلاقا من تقييم الجبهة الوطنية عن الدور الهام والرائد الذي تؤديه الجامعات في عصرنا على ان يكون لها دور خاص في قطرنا في مواكبة عملية الثورة واسنادها لتنفيذ كافة متطلبات التغيير الاجتماعي لصالح النضال الوطني والقومي ودعمها في الاتجاه الذي ينسجم مع مطامح الجماهير في تسريع عمليات التغيير الاجتماعي والاقتصادي والذي لايتم ، كما يرى الميثاق الا من خلال تنقية مؤسسات الجامعة من كل التيارات اليمينية والليبرالية المعادية لفكر الثورة ، رايت من واجبي ان اتقدم لمجلس القسم الموقر في اول اجتماع له خلال العام الدراسي 1973 ـ 1974 بالمقترحات الاتية )) . وقد نشرت مقترحاته في مجلة الاجيال التي كانت نقابة المعلمين تصدرها (العدد (20) تشرين الاول 1973   ص ص 15 ـ 16 ,52 )

  اما المقترحات التي قدمها فتتلخص بما يلي :

1 . وضع برامج للبحوث والمقالات العلمية يعين فيها اسماء الباحثين وعناوين بحوثهم حسب رغباتهم واختصاصاتهم وتكون الزامية والا فيعفى من التدريس من يعجز عن تقديم بحث خلال عامين .

  2 . يخطط القسم برامج للندوات والمحاضرات العامة وبحث كافة اعضائه على الاسهام فيها .

3 . السعي باتجاه تعميق الصراع الفكري والذي سيكشف الاتجاهات الخاطئة من جهة وينمي القابليات الناشئة من جهة اخرى .

4 . يفرغ عدد من اعضاء القسم للاشراف على اعداد البحوث والمقالات والندوات والمحاضرات .

5 . يفرغ عدد من اعضاء الهيئة التدريسية من المشهود لهم بالتاليف الجيد ، لوضع مؤلفات لتاريخ العراق منذ اقدم عصوره حتى الازمنة الحديثة على شكل لجان تتوفر فيها عناصر تقدمية وكذلك بالنسبة للكتب التدريسية في مختلف المواضيع والمراحل .

5 . الزام الباحثين بادراك ابعاد المعضلات المصيرية والاهتمام بشؤون الجماهير وتفهم مصالحها الرئيسية وربط تحليلاتهم لاحداث الماضي بحاجات المجتمع الانية وطموحاته وامتلاك النظرة الشمولية الانسانية نحو مجمل التراث الانساني .

6 . توسيع التنسيق والتعاون بين الاقسام التاريخية والمجامع العلمية ومراكز الدراسات التاريخية والسعي على تطعيم المجامع والمراكز بعناصر كفوءة من ذوي الافكار العلمية التقدمية والمؤمنة بالاشتراكية والمشهود لها بالمثــابرة والجدية العلمية ..

7 . مراقبة التدريس بجدية مستمرة والاهتمام بتطوير اساليب التدريس وضرورة التمييز بين التدريسات وبين البحث العلمي من ناحية القابليات والاستعداد والجهـد .

   وقد انتقد الدكتور العزيز عدد من زملائه وقال بانهم ينتمون الى النهج المحافظ وقال ان : ((احد اساتذة قسم التاريخ الذي ينتمي اليه يمتنع من ذكر كلمة الجماهير في بحوثه واثناء القائه المحاضرات ويرفض قبولها في اجابات طلبته لانه ينكر أي دور للجماهير في احداث التاريخ وانما هي من صنع الشخصيات الفذة )) .

      ازاء هذه التوجهات واحتدام الصراع السياسي في العراق وانحساره فيما بعد وخاصته في اواخر السبعينات من القرن الماضي فان رؤية الدكتور حسين قاسم العزيز للتاريخ واجهت الكثير من العنت والمعارضة ، ومما زاد في ذلك انه بدأ يعاني من مرض عضال اعاقه عن الاستمرار في تاكيد افكاره ونشر تحليلاته ولم يمض وقت طويل على ذلك حتى علمنا بوفاته في اليوم التاسع عشر من نيسان سنة 1995 . وبالرغم من غيابه ، الان ان ما كتبه ونشره لا يزال يؤثر في ذاكرة المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة ، منهجا خاصا يدل على حيوية هذه المدرسة وقدرتها على الاستفادة من كل التوجهات العالمية في التاريخ والفكر والفلسفة .    
 

المؤرخ الدكتور خضر جاسم الدوري  1938 ـ 1995

    بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

  التقيت المؤرخ الأستاذ الدكتور خضر جاسم محمد الدوري رحمه الله ، منذ أن التحقت بقسم التاريخ بكلية الآداب جامعة الموصل ، أواسط السبعينات من القرن الماضي ، وتوثقت علاقتي به بعد أن عملت بعده رئيسا لقسم التاريخ بكلية التربية ، جامعة الموصل ، وكان قد عين عميدا للكلية ، واشتغلت معه سنوات طويلة وعندما ذهب إلى بغداد ، ليعمل مديرا عاما لجهاز التفتيش ، كنت أزوره باستمرار وقد وجدته ، بحق ، أستاذا فاضلا ومؤرخا متميزا ، وإنسانا نبيلا .. لا يخاف في الحق لومة لائم . كان بعيدا عن النعرات العشائرية والمذهبية وقد ظل حتى وفاته يعد العراق كله عشيرته وأهله وظل يرفض الإفصاح عن انتماءه القبلي أو المذهبي .. كان ذو تفكير علمي تقدمي ، وقد أحب الموصل وتزوج امرأة موصلية وحينما رقي إلى مرتبة الأستاذية سنة 1991 أرسلت له رسالة تهنئة باعتباري رئيسا لقسم التاريخ الذي كان ينتسب إليه حتى نقله إلى بغداد وفي الوقت نفسه كنت رئيسا لجمعية المؤرخين والاثاريين فرع نينوى وقد أجاب على التهنئة برسالة رقيقة يسعدني إيراد نصها لأهمية محتواها وقيمتها العلمية والإنسانية التي تدل على الوفاء والتواضع .

     الأخ الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف المحترم

رئيس جمعية المؤرخين والاثاريين / نينوى

تحية مباركة :

جزيل الشكر على رسالة التهنئة الرقيقة ، وكل الحب لمن أمضيت معهم حلو الأيام .. لمن عمقت بفضلهم تجربتي في البحث والتأصيل والإدارة .. رفاق القلم .. يحدثنا التاريخ بان(( من أمضى في الموصل حولا وتفقد عقله وجد فيه فضلا )) فكم هو فضل الموصل على من أمضى فيها أكثر من عشرين عاما .. وما يزال .. لكم جميعا دوام التقدم والتميز مع موفور المحبة .. وتفضلوا بقبول الود والاحترام .

  ولد الأستاذ الدكتور خضر جاسم محمد الدوري في محلة الدوريين بمدينة بغداد العاصمة سنة 1938 وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها . ثم دخل قسم التاريخ بكلية الآداب / جامعة بغداد وحصل على شهادة البكالوريوس . وفي سنة 1968 نال شهادة الماجستير من جامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة الأمريكية وكان عنوان رسالته : ((الوضع السياسي والإداري للعراق في العصر السلجوقي )) . 

  وبعد سنتين استمر في الدراسة وحصل على شهادة الدكتوراه من الجامعة ذاتها وذلك عن أطروحته الموسومة : ((الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للعراق في العصر السلجوقي ))

  وقد عاد الى الوطن والتحق بكلية الآداب ـ جامعة الموصل وشغل منصب رئيس قسم التاريخ فيها بين 29 تشرين الأول 1972 و7 آذار 1973 . وبقي في هذا المنصب حتى افتتاح كلية التربية سنة 1976 فعين رئيسا لقسم العلوم الاجتماعية فيها ..(26 ايلول1978 وحتى 17 تشرين الثاني 1980) وصار مساعدا لرئيس الجامعة وبعدها عميدا لكلية الاداب (26 كانون الاول 1981 حتى 4 تشرين الثاني 1982) ومن ثم عميدا لكلية التربية / جامعة الموصل (6 تشرين الثاني 1982 حتى 16 مايس 1989) وفي سنة 1989 تسنم منصب رئيس جهاز التفتيش في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وظل مستمرا فيه حتى وفاته سنة 1995 .

    أسهم في كتابة موسوعات عديدة منها موسوعة العراق في التاريخ ، حيث كتب فصلا بعنوان ((التسلط الأجنبي  في العراق إبان عصور الخلافة العباسية)) ، وصدرت الموسوعة سنة 1983 ..كما كتب فصلا في موسوعة (الصراع العراقي ـ الفارسي) الذي صدر سنة 1983 كذلك بعنوان (الأبعاد الثقافية والاقتصادية للصراع العراقي ـ الفارسي)) . وقد اشرف على العديد من رسائل الماجستير والدكتوراه ، وكان عضوا في جمعيات مهنية وعلمية  منها جمعية المؤرخين والاثاريين ، واتحاد المؤرخين العرب ونقابة المعلمين ..كما تسلم مسؤولية رئاسة تحرير مجلة التربية والعلم التي كانت تصدرها كلية التربية بجامعة الموصل وذلك بعد عودتها إلى الصدور ثانية سنة 1988 وقد كنت حينها سكرتيرا ( أمينا عاما) للتحرير . وقد صدر العدد الأول من هذه المجلة ، وكان الدوري عضوا في هيئة التحرير في شباط 1979 ولكنها توقفت بعد سنتين من  اندلاع الحرب العراقية ـ الإيرانية سنة 1980 وقمنا ، أنا والدكتور الدوري بالسعي لإعادة إصدارها سنة 1988 بالرغم من الظروف الصعبة التي كنا نمر فيها آنذاك .

   للمرحوم الدوري بحوث عديدة منشورة منها :

1 . ((نظرة في حياة الطبقة الفلاحية في العراق الوسيط)) . وقد نشر في العدد (2) من مجلة آداب الرافدين /  كلية الآداب / جامعة الموصل 1971

2 . ((ابن الجوزي : دراسة في التراجم )) ، ونشر في مجلة آداب الرافدين كذلك ، العدد (4) 1972

3 . نظرات حول ملاحظات الدكتور جورج مقدسي عن الحلة وبني مزيد )) ، ونشر في مجلة آداب الرافدين ، العدد 151 ، 1974

4 . ((بغداد منذ تأسيسها وحتى الغزو المغولي : دراسة في التغييرات السلطانية )) ونشر في مجلة التربية والعلم التي تصدرها كلية التربية ـ جامعة الموصل ، العدد (1) 1979

5 . ((النشاط السياسي والاجتماعي للأطباء في العراق خلال العصر العباسي 132 ـ 656هـ/749/1258 )) بالاشتراك مع الدكتور مؤيد عيدان كاطع ، ونشر في مجلة التربية والعلم ، العدد (5) ،1987

6 . ((منهج البحث التاريخي عند الثعالبي)) بالاشتراك مع السيد ثامر حامد صوفي خضر ونشر في مجلة آداب الرافدين ، 1987

7 . ((تجارب الأمم : دراسة لمنهج مسكويه في تدوين التاريخ )) بالاشتراك مع الدكتور عبد الستار حمدون احمد ونشر في مجلة التربية والعلم ، العدد (1) ، شباط 1979

8 . ((بيت الحكمة في بغداد وأثره في الحياة العلمية والثقافية العربية )) مع الدكتور غانم عبد الله خلف ، ونشر في العدد (7) ، آذار 1989 من مجلة التربية والعلم .

  كتب عنه الدكتور علي نشمي حميدي مقالا مقتضبا في مجلة المؤرخ العربي التي يصدرها اتحاد المؤرخين العرب ، العدد 56 ، 1998 فقال عنه ((كان المرحوم الدوري دمث الأخلاق ، طيب المعشر ، جديا في عمله ، حريصا على أداء واجباته كما يجب ، أحبه كل من تعرف عليه ، وبفقدانه اثر حادث مؤسف( محاولة سرقة سيارته ثم قتله أمام داره ببغداد ) فقدنا رجلا كبيرا وعزيزا ترك فراغا كبيرا في حقل اختصاصه وعمله .. رحم الله الدكتور خضر الدوري ، فقد عاش هاديء الطباع ، طيب القلب ، عزيز الجانب ..)  وأود هنا التأكيد على كل ما قاله الدكتور حميدي ، فلقد عملت معه سنوات ووجدته كذلك .. كان حريصا على أداء عمله وكثيرا ما  كان يبقى في الكلية إلى ساعة متأخرة من الليل وهو يعمل ويقرأ ويكتب ومع ان العمل الإداري قد اثر عليه ، وكان يعترف بذلك ، حيث إن إنتاجه العلمي لم يكن بالكثرة المتوقعة ، إلا أن ما كتبه ونشره يعد ذات قيمة علمية واكاديمية رصينة .. ومما كان يؤكد عليه ضرورة اعداد طلبة الدراسات العليا الذين يشرف عليهم إعدادا أكاديميا وعلميا صحيحا .. فكان يجلس معهم ساعات وساعات وهو يناقش ما كتبوه دون أن يكل ويمل ..

   وبشأن مدرسته التاريخية أو رؤيته التاريخية ، فقد كان ، يركز على العوامل الاقتصادية ويرى أنها ذات تأثير مهم في سير حركة التاريخ .. ومن هنا جاء اهتمامه بأوضاع العراق الاقتصادية .. كما ركز في مرحلة من مراحل حياته العلمية ، سواء من خلال بحوثه أو من خلال الموضوعات التي يختارها لطلابه ، على الجوانب الاجتماعية والقيم الأخلاقية ومن ذلك كتب في النشاطات الاجتماعية والسياسية للأطباء والمنهج الأخلاقي لابن مسكويه .. ومما اهتم به كذلك تأصيل المنهجية التاريخية العربية وذلك بالعودة الى أعمال بعض المؤرخين من أمثال ابن الجوزي والثعالبي .. كما ركز على دراسة التغييرات السكانية في المدن الإسلامية وكان يرى أنها تشكل خطوة مهمة من اجل تقييم علمي موضوعي للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وبشكل خاص لفهم الدور الذي يقوم به المواطنون منتجين ومستهلكين .

  وقد اهتم بالمؤسسات العلمية وبصورة خاصة الدور الذي قام به بيت الحكمة ببغداد في الحياة العلمية والثقافية العربية وأكد سعي العرب والمسلمين لنشر المعارف والعلوم في كل بقعة وطأتها أقدامهم .. كما سعوا في الوقت نفسه إلى تحصيل ما عند تلك الشعوب والأمم من علوم تنسجم مع مباديء الدين الجديد .

    ولا أستطيع وأنا انهي هذا  المقال عن الدكتور الدوري تجاوز حقيقة مهمة عنه وهو انه على الرغم من تعدد المناصب العلمية والإدارية التي تسنمها فقد كان عفيفا نظيف الكف ..قانعا .. لم يسع إلى المال والجاه وكان حريصا على البقاء بعيدا عن وسائل الإعلام .. وعندما يثق بأحد فانه يعطيه كل ثقته ويتعاون معه دون قيد أو شرط .. وقد وجدته في عمله الإداري شجاعا جريئا يتحمل المسؤولية لكنه لا يتساهل مع الكسالى والخائبين فكان يحثهم على العمل ويدعوهم صراحة إلى الإخلاص والجدية .. وتلك صفات أصبحت ، للااسف ، نادرة في زمننا .. ومن هنا فالدوري عندما يذكر ، فان الجميع حتى وان كانوا يختلفون معه في الرؤية يقرون بجديته وإخلاصه وصدقه وأمانته وشجاعته وتلك هي صفات المؤرخ الحق.

المؤرخ خيرالدين العمري 1890 ـ 1952

    خير الدين حسن العمري ، ينتمي الى الاسرة العمرية المعروفة في تاريخ الموصل الحديث بارتباطاتها بكل الاحداث السياسية والاجتماعية والثقافية التي شهدتها الموصل منذ بدء السيطرة العثمانية في النصف الاول من القرن السادس عشر الميلادي ، فكان من هذه الاسرة ولاة وقضاة وادباء ومحدثين وفقهاء وسياسيين وعسكريين خدموا العراق والامة العربية . ولد في الموصل في 10 تشرين الثاني سنة 1890 ، واكمل دراسته الابتدائية والاعدادية فيها وسافر سنة 1907 الى استانبول للدراسة فتخرج مدرسا .

    مارس العمري العمل السياسي من خلال انتمائه الى ( جمعية الحرية والائتلاف فرع الموصل ) . وكانت هذه الجمعية تعارض الحزب الحاكم حزب الاتحاد والترقي الذي هيمن على الدولة العثمانية منذ سنة 1908 وحتى انتهاء الحرب العالمية الأولى (1918) . أصدر العمري جريدة باسم ( النجاح) وبرز عددها الاول في 12 تشرين الثاني 1910 . وكانت ذات اتجاه عروبي . وحينما اندلعت الثورة العربية الكبرى في الحجاز سنة 1916 التحق بها العمري وبعد تأسيس الحكومة العربية بدمشق سنة 1918 ، عمل مع الملك فيصل بن الحسين ، لذلك اختاره فيصل عندما اصبح ملكا على العراق سنة 1921 ، ( أمينا له ) فظل يعمل في البلاط الملكي فترة من الزمن .

      انتخب سنة 1926 نائبا عن الموصل وذلك في اول دورة للمجلس النيابي (البرلمان) . انتمى الى حزب التقدم بزعامة عبد المحسن السعدون . وكان على صلة وثيقة به ، حتى انه أصبح ( أمينا لسر الحزب ) . وفي تشرين الثاني سنة 1932 عين رئيسا لبلدية الموصل واستمر في منصبه حتى سنة 1949 . وتعد فترة توليه البلدية ، من الفترات المتميزة في تاريخ مدينة الموصل ، وذلك لما قام به من انجازات استهدفت تحديث المدينة وتطويرها ومن ذلك فتح الشوارع الجديدة ، وتخطيط محلة الدواسة ، وإنشاء أبنية وأملاك جديدة منها ( بهو البلدية) و(المتحف ) وبناية ( البنك الشرقي) في باب الطوب ودار الصنائع وتأسيس حديقة الشهداء وتوسيع مشروع إسالة المياه وجعل مشروع الكهرباء حكوميا بعد ان كان أهليا .

      كان العمري اديبا وصحفيا ومؤرخا وسياسيا واداريا ، وبعد الاحتلال البريطاني للموصل سنة 1918 ، أسهم في النشاط السياسي القومي العربي المعادي للانكليز ، فكان عضوا في الهيئة الادارية للنادي العلمي الذي تاسس       سنة 1919 ليكون واجهة للعمل القومي العربي ، لكن البعض من الانتهازيين تسللوا الى النادي وأبعدوه عن مهماته ثم أغلق من قبل السلطة المحتلة . كما كان العمري عضوا في جمعية العهد العراقي السرية فرع الموصل .

     اتجه منذ شبابه نحو دراسة التاريخ ، وكان من آرائه المعروفة أن التاريخ واللغة وسيلتان مهمتان في تقوية الشعور القومي ، لذلك اهتم باللغة العربية وكتب مقالات عديدة في أهمية التاريخ وعلق آمالا كبارا على التعليم ، وكان يردد بان البلاد والأمة لا يمكن ان ترتقي إلا ((بارتقاء المعارف ، ولا ترتقي المعارف إلا بنظام المكاتب ( المدارس) ولا تنتظم المكاتب الا بهمة المعلمين وزيادة إخلاصهم وشفقتهم على أبناء عباد الله )) .

     انطلق العمري في دعوته نحو التجديد والاصلاح من ثقته المطلقة بعظم خصائص قومه العرب وتاريخهم المجيد . ومع انه كان ينصح بالانفتاح على ( الحضارة الغربية) كما كانت تسمى في زمنه ، الا انه قرن ذلك بالسعي للحفاظ على الاصالة والتقاليد والقيم العربية الاسلامية . كتب يقول في جريدة النجاح : ((علينا ان لانقوم بتقليد الاجنبي في موديلاته ومشيته وشواربه وربطته ، بل علينا ان نقلد عملهم ومهاراتهم الصناعية وعلومهم وفنونهم ودراساتهم )) .

     ترك العمري مؤلفات عديدة ، لعل من أبرزها كتاب (العراق : مقدمات ونتائج ) ويقع في أربعة أجزاء ولم يزل مكتوبا على الآلة الكاتبة مع العلم ان العديد من طلبة التاريخ في الدراسات العليا قد استفادوا منه فهو متاح لهم ، اذ تحتفظ به أسرته ويتحدث العمري في هذا الكتاب عن تاريخ العراق السياسي الحديث بين سنتي 1921 ـ 1958 ) .

      وللعمري سيرة ذاتية تطرق من خلالها الى جوانب عديدة من تاريخ العراق وهي بعنوان : ( من المهد الى اللحد) . وله كتاب بعنوان : ( أولاد عاصم بن عمر بن الخطاب ) ولم يزل مخطوطا وفيه يدرس تاريخ الأسرة العمرية . وقد نشر ولده حسن العمري كتاب والده ( من كل واد حجر ) سنة 1972 وتناول فيه مواضيع سياسية وأدبية . وللعمري كتابان مخطوطان آخران أولهما بعنوان : (( الصحف والصحفيون )) والثاني (رسائلي الى سالم نامق 1919 ـ 1932 ) الى جانب كتاب محرر بالتركية بعنوان (ألواح حرب ) .

          للعمري مقالات عديدة نشرها في صحف ومجلات عراقية وعربية وقد تميزت كتاباته بالجرأة والصراحة فهو يؤمن : (( بان على الإنسان ان يقول الحق ولا يتردد فيه  حتى لو كلف ذلك حياته )) . كما آمن بان الوطن هو الأغلى والأسمى وان ((الموت في سبيل الوطن خير من الحياة والذل والعار ألف مرة ، وان حب الوطن غال وهو احد أركان الإيمان )) . ويعد العمري على هذا الاساس رجل فكر متميز ، فهو يرى ان ((القيود التي تفرض على الأشخاص تولد حساسية في فكرهم وتحول دون ان يقوم الفكر في التجديد او التنمية ، فيعتبر ذلك كمن يطلب الماء من الحجر ))  ويربط العمري في كتاباته بين الفكر والحرية ويرى ان على الصحفي تقع مسؤولية أخلاقية كبيرة وخاصة في مجال استنهاض الهمم ونقد الممارسات الخاطئة والدعوة الى التجديد والنهضة . وقد دعا الى الاهتمام بالاقتصاد والتركيز على الزراعة وادخال الاساليب الفنية الحديثة اليها كما ربط تأخر وانحطاط الشعوب العثمانية وعدم قدرتها على مواكبة الحضارة الحديثة بالبطالة والبطء في النهوض لاغتنام ثروة الصناعة وقد دعا الى تأسيس المعامل والمصانع وخاطب ابناء قومه قائلا : ((علموا اولادكم السياسة والامور القانونية ... سيحوا في الارض لترون خلق الله ... قوموا بتأسيس الشركات وإحياء التجارة لتسعد أمتكم ويحيا وطنكم .. حافظوا على لغتكم فحياة الأمم بحياة لغتها )) .

   توفي في 25 اب  1951 ودفن في جامع العمرية وفي مدينة الموصل شارع مهم في الجانب الأيسر يحمل اسمه .    

 المؤرخ خيري العمري1926 ـ 2003

        بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

حظي العراق بعد الحرب العالمية الأولى ، وتشكيل الدولة العراقية الحديثة سنة 1921 ، بنخبة طيّبة من المثقفين الذين اهتموا بالتأريخ ، واتخذوا منه وسيلةً من وسائل التوعية الوطنية والقومية . وكان من أبـرز نتائج هـذا التوجه صدور كتابات تاريخية متنوعة تطرقت إلى موضوعات دقيقة ومهمة لم نشهدها في المؤلفات التاريخية السابقة،  وكان لتنامي الحركة الوطنية،ووجود تنظيمات سياسية وثقافية وصدور صحف ومجلات اهتمت بالتأريخ وشجعت على نشر الدراسات التاريخية ،أثـر كبير في ظهور مجموعة من المؤرخين من غيـر المختصين بالتأريخ ، وقد أخـذت هذه المجموعة على عاتقها إبراز ما تجاهله المؤرخون الغربيون ، ولا سيما الإنكليـز الذين درسوا تاريخ العراق الحديث والمعاصر من منطلقات ومفاهيم استعمارية كان من أبرز أهدافها غمـط نضال العراقي! ين وإغفـال حيويتهـم وقدرتهـم على البنـاء ومواجهة التحديات  .

       لقد تبنى الروّاد من هذه المجموعة ، نوعاً من المنهج الوطني الذي يرمي إلى أبراز الدور الحضاري للعراق عبر العصور،وتأكيد مبدأ الوحدة والتآلف الإجتماعي،والتعريف بتاريخ العراق وتراثه وربط الأحداث بالشخصيات،ومحاولة الوصول إلى دلالات ومعانٍ تفيد في بناء المجتمع وتسهم في شحذ الهمم وتنمية الثقافة ونشر الوعي الوطني .
    حقاً أنّ المؤرخين الذ! ين مثّلوا مثل هذا الإتجاه ، من غير العاملين في الجامعات ، أو المتخصصين بالتاريخ ، بيـد أنهم قدّموا دراسات مهمـة أَثْرَتْ البحث التاريخي ، إذ لم يلتزموا بالمنهج التاريخي العلمي الذي سار عليه فيما بعد المؤرخون الجامعيون من المتخصصين بالتاريخ ، والمعتمد على مسح المصادر الأساسية واستخدامها ومحاولة تحليل المادة العلمية وتفسيرها ، فقد اقتصرت كتاباتهم على الجوانب التسجيلية للعملية التاريخية ، وافتقـدت السياق الفكري الموحد . لكن هذا لا يعني أن ما كتبه ممثلوا هذا الإتجاه يخلو من رؤية متميزة ،كما أن الحقائق التي أوردها هؤلاء الرواد تشكّل ،بحق ، مجموعة قيّمـة من المعطيات المتعلقة بجوانب واسعة من الموضوعات التاريخية التي دارت حول تاريخ العراق ونضاله الوطني والقومي .
     إنَّ خيري محمـد أمين العمري ( 1926 ـ 2003 ) صاحب المؤلفات العديدة في تاريخ العراق المعاصر ، واحد من هؤلاء المؤرخين ، فمن هو ؟ وما أهم مؤلفاته ؟ وما أثره في الكتابة التاريخية المعاصرة ؟ .

     ينتمي خيري العمري إلى الأسرة العمرية المعروفة في الموصل ، وقد قَدِمَتْ من المدينة المنـورة في القرن السادس عشـر، واستقرت في الموصل ، وعرفت بإهتمامها بالثقافة والدين والآداب ، وبرز منها مؤرخون وشعراء وسياسيون عديدون  . وخيري العمري هو ابن محمد أمين العمري ( 1889ـ 1946 ) الذي عرف بمؤلفاته التاريخية والعسكرية وبدوره المهم في تشكيل الجيش العراقي ، حتى أنه شغل قبل وفاتـه في 17 حزيران 1946 ، منصب رئيس أركان الجيش  .

   ولد خيري العمري في محلة علي أفندي قرب جامع علي أفندي ببغداد سنة 1926 ، وقد قضى طفولته في الكرادة الشرقية ،حيث كان والده آمراً للكلية العسكرية ، ثم انتقلت أسرته سنة 1933 إلى دار ابتنتهُ في شارع الزهاوي ، وهناك دخل المدرسة المأمونية وكـان من معلميها الذين تأثـر بهم رؤوف الخطيب ( اللغـة العربية ) وسعدي خليل ( الرياضة ) وعطا صبري ( الرسم ) .

     وفي 29 تشرين الأول 1936 وقع انقلاب بكر صدقي ، وأُبْعِدَ ياسين الهاشمي عن رئاسة الوزراء ، وكان والـده قبل الإنقلاب معاوناً لرئيـس أركان الجيش ، وعلى أثر الإنقلاب نقل إلى الموصل حيث أصبح آمر حاميتها . وقد بقي خيري مع والدته وأخوته ببغداد إلى أن حلت العطلة الصيفية ، فذهبوا إلى الموصل ، وبعد الحركة المضادة التي قادها والده ضد حكومة حكمت سليمان التي جاء بها انقـلاب بكر صدقي ، عاد خيري العمري مع أسرتـه إلى بغداد وقضى المرحلة المتوسطـة في المدرسة الغربيـة ، أما الأعدادية فقد أتمها في المدرسة المركزية . وقد دخـل كلية الحقوق وتخرج منها سنة 1950  .

       وبعد تخرجه عمل لفترة قصيرة في المحاماة ثم عيّن في مديرية التسوية العامة ، وبعدها انتقل إلى المحاكم ، حيث عمل في المحكمة الشرعية الجعفرية ، ثم أصبح محققاً عدلياً في حاكمية تحقيق الرصافة ، ثم نائب مـدعٍ سنة 1952 ، وأنتدب فترة للتدوين القانوني ، عاد بعدها إلى الإدعاء العام ، وعيّن مدونا قانونياً سنة 1964 ، وقام بتدريس مادة ( أصول المحاكمات الجزائية ) في كلية الشرطة ، وبقي في التدوين القانوني حتى سنة1970 حين عاد إلى الإدعاء العام وبقي فيه حتى عيّن حاكماً في محكمة البداءة سنة 1973 ، وبعد أيام انتدب للتدوين القانوني محتفظاً بصفة الحاكمية ، ثمَّ نقل إلى محكمة بداءة بغداد وفيها تعـرض لحالة نزف في الدماغ ، وقد سافر إلى القاهرة مرتين للعلاج وكان يعاني من فقدان القدرة على النطق بسبب النزف إلى أن وافته المنية  .
    
كان للجـو السياسي الذي عـاش فيه ، ولكون والده من العسكريين والمؤرخين المعروفين ، أثر كبير في توجهه نحو التأليف التاريخي وولعـه بتدوين أحداث العراق السياسية ومتابعة سير شخصياته . وقد أشار خيري العمـري إلى ذلك قائلاً : كنت شديد التعلق بوالدي وتجمعني معه هـواية قراءة التاريخ وكتابتـه "  . وقد اتجه إلى قراءة الأدب والتاريخ منذ دراسته المتوسطة ،وأظهر تفوقاً على زملائه في اللغة العربية التي كان يدّرسها أحمد حامد الشربتي ،كما أعجب بمدرسه أحمد عبد الباقي الذي يدّرسه التاريخ في المتوسطة الغربية وحين كـان طالباً في كليـة الحقوق ، قام بتدريس اللغة العربية في كلية بغداد وبدأ بنشر المقالات ، وكان أول ! ما نشر له نقده ديوان " خفقة الطين " ، لصديقه الشاعر بلند الحيدري ، في جريدة الرأي العام ( 30 تموز1947 ) ، كما نشر في جرائد الأخبار والبلاد والشعب والجزيرة الموصلية ، وفي بعض الصحف والمجلات العربية مثل جريدة الحياة ومجلة الأديب ، وكان يتردد على المقهى السويسري ويلتقي بزملائه ؛ ومنهم جبرا إبراهيم جبرا ، وبلند الحيدري ، وأكرم الوتري ، وعدنان رؤوف ، كما كان يذهب إلى المقاهي الشعبية التي يجلس فيها الشاعر الزهاوي . وفي سنة 1949 عمل محرراً في جريدة صـدى الأهالي ، لباب:
" مطبوعات جديدة " . وقد استمر في الكتابة في معظم الصحف التي أصدرها الحزب الوطني الديمقراطي ومنها : الأهالي وصوت الأهالي  .

           لقد اهتم خيري العمري بتقديم نمط من الدراسة التاريخية يعد جديداً في العراق ، ويقوم هذا النمط على ربط دراسة الشخصيات بالأحداث التي لها أهمية في تاريخ العراق الحديث ، وهو حين يدرس هذه الشخصيات ،يحاول أن يكون موضوعياً ومحايداً جهد إمكانه ، فيذكر ما لها وما عليها دون أن يظهر عليه أي تحيـز. ويعد العمري من أبرز المؤرخين الذين اعتمدوا طريقة " المقابلات الشخصية " مع الذين لهم صلة بما يكتبه ، وكان يعتمد تقديم أسئلة مكتوبـة ، ويطلب من تلـك الشخصية الإجابة عنها ، وكثيراً ما كان يستخدم المذكرات الشخصية غير المنشورة لمن يكتب عنهـم . ومنهج العمري في دراسة بعض الأحداث يستهدف " التوصل إلى حقيقة الع! وامل المؤثرة بها والأسباب التي أدّت إليها ، والنتائج التي أسفرت عنها " ، ومنهجه هذا يعتمد إلى حدّ كبير على ثقافته القانونية التي تقوم على الأدلة والبراهين قبل إصدار الأحكام ، وكتاباته تشبه إلى حـد كبير كتابات المستشار طـارق البشري عن تـاريخ الحركة السياسية المعاصرة في مصر .

        ويبدو أن ثمة حافزين رئيسيين كان لهما أثرهما في طريقة كتابته للتاريخ العراقي الحديث المعاصر،أولهما : أنه ألقى في تموز سنة1950محاضرة موضوعها " الأحزاب السياسية في تاريخ العراق الحديث " وقـد نشرت في جريـدة صدى الأهالي . ويذكر العمري أن المرحوم الأستاذ كامل الجادرجي رئيـس الحزب الوطني الديمقراطي علّق على المحاضرة بعد سماعها قائلاً : " إنّ الإطلاع على تاريخ الأحزاب العراقية ذو فائدة للجيل الحاضر ، وأن المحاضرة قيّمة بالنظر لجهد المحاضر ". وكان الجادرجي يرى : " أن من الضروري توسيع المحاضرة من ناحية التيارات السياسية الخفية التي كان لها دورها في تأليف الأحزاب " . وأضاف : " أنه لا يم! كن للجيل الحاضر أن يرد تلك الحقائق إلاّ بالإتصال مباشرة بالأشخاص الذين أطلعوا على الوقائع السابقة ، وكانوا من المساهمين فيها لكي يبدو ملاحظاتهم بصفتهم شهوداً أحياء لإستكمال تلك الأبحاث القيّمة المفيدة ".وعلى أثر هذا التوجيه بدأ العمري بزيارة السياسيين المخضرمين والمعاصرين للأحداث ، وصار يدوّن ما يسمعه منهم  .

     أما الحافز الثاني الـذي وجهه لكتابة التاريخ والسير ، فصلته بالصحفي والسياسي روفائيل بطي . ويذكـر العمري أن بطي شجّعه على تقديـم أحاديث من إذاعة بغداد وكانت تدور حول شخصيات عراقية ، وقد تطورت الفكـرة عنده بحيث أصبحت نواة لكتاب بهذا الأسم صدر الجزء الأول منه سنة 1955 ، واحتـوى الكتاب على ترجمة قلمية لإحدى عشرة شخصية عراقية برزت في أدوار مختلفة من تاريخ العراق الحديث.  ويشير العمري إلى أن الجادرجي كان أول السياسيين الذين واظب على حضور مجلسه، وقد أملى الجادرجي على العمري مذكراته التي نشرت فيما بعد بعنوان " أوراق كامل الجادرجي " . كما أملى عليه مصطفى العمري مذكراته التي تدور حول تاريخ العراق المعاصر من سنة 1921 حتى 1958 وما تزال غير مطبوعة لحد الآن . ويذكر العمري أن صلاته كانت قوية بكل من حكمت سليمان  وطه الهاشمي  ومحمود صبحي الدفتري وجميل أمين وفائق السامرائي وتوفيق السويدي وصادق البصام وعلي محمود الشيخ علي وفخري الجميـل وقاسم حسن وساطع الحصري ومزاحم الباجه جي ونائل سمحيري ونصـرة الفارسي وحسين جميـل ، ويحتفظ العمري بالكثير من المعلومات والوثائق حول دور هـؤلاء السياسيين ومواقفهـم إزاء ما شهده العـراق فـي تاريخه المعاصر .

       وفي السنوات الأخيرة أضـاف العمري إلى اهتماماتـه بتاريخ العـراق الحديث المعاصر ، هواية جديـدة هي جمع الوثائق وقصاصات الجرائـد والصور والشرائح
( السلايدات ) لشخصيات معروفة تعد من التراث البغدادي ، كما أصبح هو شخصياً مرجعاً حيّاً يلجأ إليه الباحثون وطلبة الدراسات العليا في أي موضوع يتعلق بتاريخ العراق المعاصر أو إحدى شخصياته  .

         أصدر خيري العمري الجزء الأول من كتابه الأول " شخصيات عراقية " سنة 1955 وهو في حدود الثامنة والعشرين من عمره ، فاستقبل استقبالاً جميلاً وكتبت عنه أكثر من ثلاثين مقالـة ، واتفق معظم الذين كتبوا عنـه أنه كان فتحاً جديداً في المكتبة التاريخية العراقية  .

       وفي سنة 1966 أصدر كتابه " حكايات سياسية من تاريخ العراق الحديث " وقد تناول فيه بعض الأحـداث البارزة التي وقعت في العـراق الحديث وشغلت الرأي العام وأثارت اهتماماته ردحاً من الزمن . ومن أبرز هذه الحكايات : ناظم باشا وسارة وحزب الإتحاد والترقي ، ومعركة السفور  والحجاب في العراق ، وكتاب وأزمة ، ومأساة عبد المحسن السعدون ، ويلقى هذا الكتاب أضواء على مشاكل من تاريخ العراق الحديث والمعاصر،فكل حادث يتطرق إليه الكتاب ، ويعرض جوانبه يعكس دلالة وبرز مغزى ، فعلى سبيل المثال أن اهتمامه بحادثة العلاقة بين ناظـم باشا والي بغداد سنة 1910والفتاة الأرمنية سارة ، يعكس الصراع الحزبي الذي كان دائراً بين حزب الإتحاد والترقي الحاكم آنذاك ، وحزب الحرية والإئتلاف المعارض . كمـا أن دراسته حول العرش العراقي تبرز طبيعة ال! تيارات السياسية والفكرية التي ظهـرت في العراق في أعقاب الحـرب العالمية الأولى وتنازعات الرأي العـام العراقي وسلطات الإحتلال البريطاني  .

       كما أصدر سنة 1978 كتابه الشهير " يونس السبعاوي سيرة سياسي عصامي " ، وفيه عرض لحياة وجهاد محمد يونس السبعاوي الكاتب والوزير العراقي الذي أسهم إسهاماً فاعلاً في ثورة مايس 1941 وتأجيج التوجهات القومية العربية في العراق ودفع  حياته ثمناً لهـذا حيث أعـدم من قبل السلطة الملكيـة ، وفي سنة 1979 نشر كتابه
" الخلاف بين البلاط الملكي ونوري السعيد "،وهو بالأصل مجموعة محاضرات ألقاها في قسم التاريخ بكليـة الآداب ، جامعـة البصرة في كانون الأول 1977 ،  ويعد هذا الموضوع بكراً في تاريخ العراق المعاصر . وقد كشف العمري في هذا الكتا! ب النقاب عن خلفية كثير من الأحداث السياسية التي كانت صورها الظاهرة للعيان تختلف عن خلفياتها أو صورها الحقيقية التي كانت تختفي وراء الستار.وقد اعتمد في دراسته هذه على بعض الوثائـق البريطانية والعراقية وبعـض مذكرات السياسيين العراقيين سواء المطبوع منها أو المخطوط ، مما أتيح له الوقوف عليها ، وكذلـك على أحاديث بعض الرجال الذين كانت لهم أدوار في الأحداث ذات الصلة بموضوع الدراسة  وعلى رسائل كتبها نوري السعيد خلال سنتي 1936 و 1937 في أعقاب انقلاب بكر صدقي سنة 1936 حيـن لجأ إلى القاهرة ووجه معظمهـا إلى سيدة بغدادية كان لها صالونها الذي يتردد عليه بعض السياسيين والأدباء العراقيين آنذاك  .

       ولخيري العمري مقالات عديدة نشرها في الصحف والمجلات العراقية والعربية منها على سبيل المثال مقالته "عندما جاء موند إلى بغداد " التي نشرها في مجلة الأقلام ( البغداديـة ) ( السنة 2 ، الجـزء 6، شباط 1966 )  ومقالته " ذكريـات عن كامل الجادرجي " ( نشرت في مجلة الهـلال القاهرية ، السنة 76 ، العدد 4 ، أول ابريل ـ نيسان 1968 ) ومقالتـه عن " كامـل الجادرجي في الثلاثينـات " ، ونشرت في مجلة دراسات عربية التي تصدر ببيروت ( السنة 6 ، العـدد 4 ، شباط 1950 ) ، ومقالته عن " جريدة الأهالي من 1932 إلى 1937 " والمنشورة في مجلة الأقلام ( السنة 6 ، الجزء 1 ، تشرين الأول 1969 ) . وجميـع مقالاته تكشف جوانـب خفية من تاريخ العراق المعاصر ، لذلـك فإن الباحثين يجـدون فيها مادةً خا! م لِما يكتبونه من دراسات ورسائل جامعية تخص العراق . 

       انتقـد العمري أولئك المؤرخين الذين ركّـزوا في كتاباتهم على جمع : المناهج الوزارية " و " مراسيم تأليف الوزارات " وأغلب الظن أنه كان يقصـد كتابات المؤرخ عبد الرزاق الحسني مؤلف الكتابات الكثيـرة في تاريخ العراق السياسي وأبرزها كتابه
" تاريخ الوزارات العراقية " وقال إن مثل هذه الدراسات جاءت أقرب إلى " التقويم " المعتمد على الحوليات ، منها إلى التاريخ الذي يستهدف التحليل للوصول إلى الحقيقة ، ومن هنا فإن العمري يـرى أن مهمة المؤرخ " لا تقف عنـد حد الجمع والتدوين ، بل تتجاوزه إلى محاولة استنطاق تلك الوثائـق بعد تحقيقها والتثبـت من سلامة نصوصها بحيث يلعب المؤرخ دور القاضي ، فيأتي بالشهود والرواة ويستجوبهم ويدقق في أقوالهم التي هي بمثابة افادتهم ، وبعد ذلك يقابل تلك الروايات ويعرضها على القاريء بأسلوب سلس واضح  .

       وفي منهجه لكتابة السير وحياة الشخصيات البارزة ، ابتعد العمري عن الأسلوب الذي ينتهجه بعـض كتّاب السيـر من قصر العنايـة على بيـان ميلاد البطل وسنـة وفاته والوظائف التي شغلها والمراكز التي تولاهـا ، وأسرته ونسبه وأصله ، والتركيز على الجوانب اللامعة والإيجابية ، وتحاشي الخوض في الجوانب الداكنة السلبية والتهرب من القضايا الخاصة ، مما يجعل تلك السيرة جافة ، لا تنبض بروح الحياة ولا تصور صاحبها إنساناً له ( ضعفه ) و ( قوته ) و ( نزواته ) و ( أهواؤه ) ، بل تصوره ملاكاً يسمو عن البشر وأخطائهم ، ويرتفـع عن الآدميين وأهوائهـم . " وإنما حـاول أن يقترب مما يسمى بـ ( الأسلوب الواقعي ) في كتابة السيرة ، وهو الأسلوب الذي يقوم على " أساس كشف الحقائق المتعلقة بحياة ( البطـل ) سواء تلك التي تتعلق بحياته الخاصة ، أو حياته العامة ، خلافاً لأسلوب ازجاء الثناء الذي يت! حاشى  فيه بعض كتّاب السير من التطرق إلى الحيـاة الخاصة للعظماء ،وكشف النقاب عنها ، ورفع الأستار عن خفاياها "  .

   ويرفض العمري مثل تلك النظرة مقرراً أنها لم تعد مقبولة ، لأنه أصبح من الصعب رسم خطوط فاصلة بين ما هو خـاص وما هو عـام ، ويضيف : " إنه إذا كانت تلك الخطوط تبدو واضحة المعالم قبل عصر التحليل النفسي ، فإنها لم تعد كذلك في ظل هذا العصر ، إذ أصبح كل شيء عن حياة البطل يتصل بأعماله من قريب أو بعيد ، يمكن الإستعانة به لفهم مواقفه ولمعرفة تصرفاته وتقويم أدواره  .
        وإذا أردنا أن نجد معياراً رئيساً لتقويمنا أعمال خيري العمري الخاصة بالسير والتراجم ، فسوف لا نجد إلاّ معياراً واحداً وهو مـدى اقترابه ، وهو يؤرخ سير بعض الشخصيات العراقية ، من الهـدف التربوي والتثقيفي الـذي ننشده عندما نقدم ما أنجزه العمري في هذا المجال إلى القرّاء .
      والحـق أن العمري نجـح نجاحاً جيداً وهذا ليس بغريب عليه ، وهـو الذي قدّم  " شخصيات عراقية " و " حكايات سياسية " و" يونس السبعاوي " و" كامل الجادرجي " و " وياسين الهاشمي " وغيرهم . وتكشف كتاباته عن أن العمري ، فضلاً عن كونه مؤرخاً دؤوباً على العمل بصمت ، يتمتع بأمرين مهمين ، أولهما : ثقافة تاريخية وقانونية واسعة يرفدها جهد علمي جاد ومتميز . وثانيهما : معرفة دقيقة بفن السير والتراجم . ومن هنـا يعد العمري من أوائـل الذين أولعـوا بتاريخ العراق المعاصر ، وفطنوا إلى أهمية تدوينه ، ووجّهوا عنايتهم إلى معالجة موضوعاته بدقة وأمانة .
      توفي خيري العمري ، رحمه الله ، في اليوم الثلاثين من كانون الأول سنة 2003 وترك بيننا انتاجاً غزيراً يذكرنا به .

***************************************

المؤرخ الدكتور خليل ابراهيم السامرائي 1944 ـ 1988

   بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث- جامعة الموصل


استاذ جامعي وباحث وتربوي ومؤرخ من الطراز الاول ، اخترمه الموت وهو لما يزل في عز عطائه .. كان زميلا لي عندما كنت رئيسا لقسم التاريخ في كلية التربية ـ جامعة الموصل (1980 ـ1995) وقد عرفته عن كثب ، انسانا فاضلا ومؤرخا منصفا ، يحب الخير للناس ويسعى من اجل تقديم الخدمة لكل من يرغب فيها .. لم يسمع احد منه كلمة سيئة .. كان عفيف اللسان ، نظيف الكف ، صادقا شجاعا ، شأنه في ذلك شأن المؤرخ الموضوعي الذي لا يبغي غير الحقيقة ..

    كان من اوئل الذين تخصصوا بالتاريخ الاندلسي وقد احب تخصصه وعمل من اجل تعميق المعرفة به ..

    ولد في مدينة سامراء بمحافظة صلاح الدين ( تكريت) سنة 1944 .. واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والاعدادية فيها .. دخل قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة بغداد وحصل على شهادة البكالوريوس بتقدير جيد جدا سنة 1965 وبعد تخرجه عمل مدرسا في بعض المدارس الثانوية وقد التحق بعد سنوات من عمله التربوي بالدراسات العليا ـ جامعة بغداد وحصل على شهادة الماجستير في التاريخ الاندلسي وكان موضوع رسالته ( الثغر الاعلى الاندلسي) .. ثم نال الدكتوراه سنة 1979 في جامعة القاهرة / كلية الاداب بمرتبة الشرف الاولى وكانت اطروحته بعنوان : (( علاقات المرابطين بالممالك النصرانية وبالدول الاسلامية )) .

     وبعد تخرجه عاد الى العراق ليعين مدرسا في جامعة صلاح الدين ، وكانت آنذاك في السليمانية ثم انتقلت الى اربيل . وقد عرف هناك بين زملائه وطلبته استاذا متميزا متمكنا من تخصصه فاحبه الجميع ، وبعد سنوات قرر الانتقال الى جامعة الموصل فاصبح استاذا مساعدا في قسم التاريخ/ كلية التربية وقد كانت فترة عمله في هذا القسم متميزة بعطائه العلمي الثر .

    كتب عنه صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في الجزء الثاني من موسوعته ، موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين وقال بانه كان عضوا في اتحاد المؤرخين العرب ، كما انتخب ممثلا عن سامراء  في المجلس الوطني (البرلمان) العراقي بدورته الثانية .. كما كان عضوا في نقابة المعلمين وعضوا في جمعية المؤرخين والآثاريين / فرع نينوى وعضوا في رابطة العلماء / صلاح الدين . 

    نشر العديد من البحوث والدراسات في المجلات العراقية والعربية ومن بحوثه :

1 . (الدعوة الى توحيد الاندلس في ايام الطوائف ) ، مجلة زانكو ( العلم) ، جامعة

        صلاح الدين ، السليمانية 1977 .

2 . ( النظرة الى العمل في المجتمع الاسلامي ) ، مجلة زانكو 1978 .

3 . ( الجزائر الشرقية(البليار) في ايام الطوائف ) مجلة التربية والعلم ، كلية

       التربية جامعة الموصل 1980 .

4 . ( امامة الدفاع الثانية عن خوارج المغرب العربي ) ، مجلة التربية والعلم ،

        العدد   (4) ، 1981 .

5 . ( جهاد المسلمين وراء جبال البرتات في المصادر العربية ) ، مجلة دراسات

        في التاريخ والاثار ، تصدرها جمعية المؤرخين ، والآثاريين العراقيين ،

       العدد (2) 1980 .

6 . ( طارق بن زياد بين الخطبة واحراق السفن ) ، مجلة آ فاق جامعية ، جامعة

       صلاح الدين ( السليمانية) 1978 .

7 . ( اثر العراق الحضاري على الاندلس ) ، مجلة المؤرخ العربي العدد (28) ،

        1981 .

8 . ( علاقات المرابطين مع امارات المغرب الاقصى ) ، مجلة زانكو ، المجلد (6)

        ، العدد (2) ، 1980

9 . ( امارة كريت الاسلامية ) ، مجلة الجامعة ، جامعة الموصل ، ايلول ، 1978 .

10 . (البعثة العسكرية الاسلامية في الاندلس ) ، مجلة مكتبة زانكو ، العدد (2)

        جامعة السليمانية لسنة 1977 .

         ألف العديد من الكتب ونشر منها :

1 . الثغر الاعلى الاندلسي 95ـ 316هـ ( بغداد ، 1976)

2 . علاقات المرابطين بالممالك الاسبانية بالاندلس وبالدول الاسلامية ، ( بغداد ،

      1985) .

3 . دراسات في تاريخ الفكر العربي ، ( الموصل ، 1983)

          كما اشترك مع عدد من الاساتذة في تأليف كتب اخرى منها على سبيل المثال :

1 . تاريخ العرب وحضارتهم في الاندلس ، وقد الفه بالاشتراك مع الاستاذين

     الدكتورين عبد الواحد ذنون طه وناطق صالح مطلوب  ، وطبع في دار ابن

      الاثير للطباعة والنشر ـ جامعة الموصل ،1986

2 . المظاهر الحضرية للمدينة المنورة في عهد النبوة ، ألفه بالاشتراك مع السيد

        ثائرحامد ، وطبع سنة 1984 .

      كما شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية داخل العراق وخارجه .

   كان للدكتور خليل ابراهيم السامرائي آراء معروفة في قضايا التاريخ العربي والاسلامي ومن ذلك تأكيده المستمر على ان الحضارة العربية والاسلامية حضارة اصيلة ((ترجع عوامل انباتها الى عصر ما قبل الاسلام ، ثم نماها الاسلام بسرعة كبيرة ، وبلغت ذروة ازدهارها في عصور الاسلام المتعاقبة سواء اكان ذلك في المشرق الاسلامي ام بمغربه )) .

      وقد كان ، رحمه الله ، من المدافعين عن الفكر العربي والاسلامي الذي كثيرا ما تعرض لمطاعن المستشرقين وحتى بعض المؤرخين من العرب . كما انصرف في عدد من دراساته لتوضيح اثر الفكر العربي والاسلامي في الفكر الانساني وقال ((ان الفكر العربي والاسلامي كان ، في العصور الوسطى ، النور الهادي لاوربا ، فلقد اخرجها من ظلمات التخلف الى عصر النهضة المعروفة )) . واضاف ان اصالة الفكر العربي والاسلامي وقوته ينبغي ان يستلهم من قبل الجيل الجديد ، وفي ذلك حماية لافكار الامة وتعميق الشعور بهويتها وفي دراساته الاندلسية ، كثيرا ما تطرق الى اهمية وحدة المسلمين في مواجهة التحديات ورفض حالات التفكك والخلافات السياسية والمذهبية .

      تعرض رحمه الله للمرض الشديد بعد ان اصيب بالتهاب الكبد الفايروسي الذي لم يمهله طويلا ، فتوفي في اليوم السادس من شهر حزيران سنة 1988 وقد شيعه زملائه في جامعة الموصل بما يليق به وبمكانته العلمية والاجتماعية حتى مثواه الاخير في سامراء .    

الدكتور داؤد ألجلبي ( 1879 ـ 1960 )

 

            ينتمي داؤد الجلبي إلى أسرة امتهنت الطب في الموصل منذ فترة مبكرة من تاريخها الحديث . ولد في 16 كانون الأول ضن 1879 ودخل كتاتيب الموصل ثم التحق بمدرسة الآباء الدومنيكان، ثم في المدرسة الإعدادية الملكية ( المدنية ) بالموصل وبعدها سافر إلى استانبول سنة 1899 ليدخل المدرسة الطبية العسكرية ويتخرج منها طبيباً عسكرياً سنة 1909 وقد عاد بعدها إلى الموصل ليعمل في إحدى الوحدات العسكرية الطبية.

 

       اهتم داؤد الجلبي بالتاريخ منذ وقت مبكر في حياته العلامة ، وقد قاده إلى ذلك اتجاهه القومي العربي وحقده على السياسة العثمانية التي يعزو إليها  تأخر العرب . وقد التقى الجلبي بنخبة من زملائه العسكريين الموصليين في منطقة الشعيبة سنة 1915 ، وإبان المعارك التي دارت بين البريطانيين الغزاة والجيش العثماني . وكان في مقدمة هؤلاء مولود مخلص ، وقد كان الاثنان مندفعين نحو التيار القومي العربي ويسعيان من أجل الاستقلال عن الدولة العثمانية . وقد وقع داؤد الجلبي في أسر البريطانيين ولم يطلق سراحه حتى سنة 1916 ، وخلال هذه السنة حاول الالتحاق بالثورة العربية في الحجاز ، إلاّ أنه لم يوفق فعاد إلى الموصل بعد وقوعها تحت الاحتلال البريطاني سنة 1918، ليعمل مع مثقفيها القوميين في تأسيس النادي العلمي سنة 1919 وقد انتخب الجلبي رئيساً للنادي الذي أسس ليكون مركزاً من مراكز النشاط القومي المعادي للبريطانيين  .

      وبعد اجراء الانتخابات لأول مجلس نيابي انتخب داؤد الجلبي نائباً عن الموصل في المجلس التأسيسي العراقي الذي اجتمع سنة 1925 ليقرر الدستور . وبعد ذلك عاد إلى طبابة الجيش وعيّن مديراً بالأمور الطبية في الجيش العراقي في 17 تموز سنة 1930 ، وفي 1933 أحيل على التقاعد . وتقديراً لخدماته عيّن عضواً في مجلس الأعيان ( الشيوخ ) سنة 1937 لدورة واحدة أمدها أربع سنوات . وخلال هذه الفترة ظلَّ مداوماً على البحث والكتابة فضلاً عن ممارسته لمهنته في عيادته الخاصة الواقعة في شارع نينوى قرب السرجخانة حتى وفاته يوم الأحد 29 أيار-مايو  1960  .

 

      يعـد داؤد الجلبي من أبـرز ممثلي التيار القومي العربي في الموصل والذي بدأ بالظهور منذ الانقلاب الدستوري العثماني سنة 1908 ، وقد أسهم ألجلبي في الجمعيات القومية التي برزت في الموصل ، وخاصةً جمعية العهد وكان من أعضائها النشيطبن .وبعد تشكيل الدولة العراقية ، وجد ألجلبي ان بلده بحاجة إلى نهضة شاملة ، وأن هذه النهضة لا يمكن أن تتحقق إلاّ بالعلم والقوة . ، لذلك أصبح من دعاة الإصلاح والتجديد وقد تجلى ذلك من خلال المحاضرات التي كان يلقيها في بعض مدارس الموصل ، وكان التاريخ فيها محوراً أساسياً ، لأنه كان يعتقد بأن التاريخ وسيلة مهمة من وسائل النهضة وقد انكب على دراسة مصادر التاريخ ،وأولع بمعرفة أسباب نمو الحضارات وعوامل تدهورها  .

 

       ومن أجل احياء التراث العربي ، واستخلاص مخزونه الثقافي ووضعه بين أيدي القراء قدّم الجلبي دعوة لجمع الكتب الموقوفة في المدارس الدينية والمساجد والجوامع الموصلية وتسجيلها ، لتكون أساساً لدار كتب عامة منظمة ومنسقة على نمط دور الكتب في البلاد المتقدمة . كما اهتم بجمع المخطوطات ودعا إلى الاعتناء بها ، وكان أول من عرف بمخطوطات الموصل ووثقها في كتابه القيم " مخطوطات الموصل "   .

 

    وكان لإجادة داؤد الجلبي لبعض اللغات الأجنبية كالفرنسية والألمانية أثر كبير في زيادة تأثيره الثقافي في حياة مدينته : الموصل . وقد دعا إلى رفد مكتبة الموصل المركزية العامة ، بما أنجزه الفكر الإنساني من كتب تتعلق بتراث العرب وحضارتهم وباللغات الأوربية المختلفة حتى أنه اقتنى مكتبة كبيرة احتوت على مئات الكتب،وكانت فيما بعد نواة لمكتبة خاصة به ، وهي مكتبة داؤد الجلبي التي ألحقت فيما بعد مكتبة الأوقاف في الموصل .

 

المؤرخ سعيد الديوه جي )1912 ـ 2000)

        في يوم الجمعة 21 من كانون الثاني سنة 2000 م مات شيخ مؤرخي الموصل .. وحزنت الموصل كلها وتوافد الآلاف للتعزية .. وهم يستذكرون سعيد الديوه جي ، يوم كان مفتشاً في ( المعارف ) ويوم عمل في الآثار ، ويوم تسلم مديرية ( المتحف الحضاري ) ، ويوم أسهم في بناء جامع حي الثورة ، ويوم أرخ للموصل ولعلمائها ولصنائعها ولألعابها ولنسائها وجسورها ومدرائها .. لهذا أسف الناس كثيراً ، وعدّوا وفاة سعيد الديوه جي خسارة كبيرة لمدرسة الموصل التاريخية .. فكتاباته وبحوثه ومقالاته وتحقيقاته تقف شاهداً على عظمة هذه المدينة المعطاء .. لقد بقي حتى آخر لحظة من حياته يكتب ويقرأ .. يتصل بالمؤرخين ويراسل المستشرقين .. يدّون ويحقق ويدقق ويضع كل ما لديه من خبرات أمام من يريد الاستزادة من التراث ومن التاريخ ، لذلك فهو مصدر مهم لا غنى عنه لمن يبحث عن تاريخ الموصل وما فيها من علم وفن وآداب وصناعة وأثر تاريخي ومنشآت حضارية معمارية ومؤسسات ثقافية .

      الديوه جي من المؤرخين الذين عدّوا التاريخ كمجرى الحياة حيث لا توجد فواصل بين عصر وآخر .. لاتوجد فواصل بين التاريخ السياسي والتاريخ الفكري والتاريخ الاقتصادي .. أنه شيخنا جميعاً .. شيخ المؤرخين الموصليين . . فقد سبق وأن اخترناه رئيساً فخرياً لجمعية المؤرخين والآثاريين فرع نينوى والتي كان لي فضر ترأسها لسنوات طويلة .. كما أنه أسس وأسهم في جمعيات عديدة خدمت التاريخ والتراث ومنها على سبيل المثال جمعية التراث العربي .. أسس المتحف الحضاري وعمل أول مدير له .. وكانت له اسهاماته في دفع الآثاريين والمنقبين لكشف أسرار حضارة العراق التليدة. كتب عنه حميد المطبعي في موسوعة أعـلام العراق في القرن العشرين وكتبتُ عنه  في موسوعة الموصل الحضارية في مبحث ( التاريخ والمؤرخون الموصليون المعاصرون ) .. كما قمت بتكليف أحد طلبة السنة النهائية في قسم التاريخ بكلية التربية وهو ( رضوان عطية وردي ) سنة 1991 ليكتب عنه رسالة التخرج وكانت بعنوان
( سعيد الديوه جي وأثره في تطوير الكتابة التاريخية الحديثة في الموصل ) وزودني رحمه الله بسيرته مطبوعة على الآلة الكاتبة بعنوان ( سعيد الديوه جي يتحدث عن حياته ومؤلفاته ونشاطاته وجهوده العلمية ) مؤلفة من ( 15 ) صفحة وكتبت عنه مؤخراً رسالة ماجستير قدّمت إلى قسم التاريخ بكلية اللآداب ، جامعة الموصل .. استفاد منه كل الذين كتبوا عن تاريخ الموصل .. زاره مستشرقون ومؤرخون عراقيون وعرب وأجانب . وأجمع كل من أطلع على كتاباته وتحقيقاته بأنه خير من ألّف عن الموصل .

      ولد سعيد الديوه جي في الموصل سنة 1912 وتلقى دراسته فيها ، ثم سافر إلى بغداد والتحق بدار المعلمين العالية سنة 1930 ، وبعد تخرجه اشتغل مدرساً ثم عيّن مفتشاً ( مشرفاً تربوياً ) . وفي سنة 1951 نقل إلى مديرية الآثار العامة ، وقد كلف بالتحضير لفتح المتحف الحضاري في الموصل ، وتم فتح المتحف سنة 1952 ، وتولى إدارة المتحف حتى 1968 عندما أحال نفسه على التقاعد ليتفرغ للبحث والتأليف .

      اهتم الديوه جي بالتاريخ منذ صغره .. وقد عاش في جو علمي ، فوالده الشيخ أحمد الديوه جي ( 1872 ـ 1944 ) وعمه الشيخ عثمان الديوه جي ( 1871 ـ 1941 ) كانا معروفين باهتماماتهما الفقهية واللغوية والرياضية ، وكذلك استفاد الديوه جي من دراسته ببغداد ، فمن الأساتذة الذين أثّروا فيه أحمد حسن الزيات وساطع الحصري ودرويش المقدادي وسليم النعيمي وطه الهاشمي ، هؤلاء الرواد كانوا يدرسون في دار المعلمين العالية .

     توجه الديوه جي نحو البحث والتأليف بعد فترة قصيرة من تخرجه ، وتعد مقالاته التي كتبها في ( مجلة المجلة ) الموصلية بعد صدورها سنة 1938 عن الموصل من أقدم ما كَتَبَ . أما كتابه ( الفتوة في الإسلام ) ، فيعد من بواكير انتاجه ، وقد نشره سنة 1940 وأصدر في سنة 1952 كتاباً عن الأمير خالد بن يزيد الأموي المعروف باهتمامه بعلوم الحكمة والترجمة ، وفي سنة 1955 نشر كتابه ( بيت الحكمة ) وخلال السنة ذاتها أصدر كتابين أولهما : ( الخدمات الاجتماعية لطلاب العلم في الإسلام ) ، وثانيهما : ( عقائل قريـش ) .. وبين سنة 1958 و 1982 أصدر كتباً عدة أبرزها : ( الموصل في العهد الأتابكي ) و ( جوامع الموصل ) و ( مدارس الموصل ) ، و
( تاريخ الموصل ) الذي نشر الجزء الأول منه سنة 1982 ، وفيه يتناول تاريخ وحضارة الموصل منذ نشأتها حتى سنة 600 هـ ، وبعد وفاته قام ولده الأستاذ الدكتور أبي ( رئيس جامعة الموصل الحالي ) بطبع الجزء الثاني الذي يتعرض للفترة من 601 هـ وحتى 1139 هـ  ، وقد طبعه المجمع العلمي العراقي .

       وفضلاً عن الكتب التي ألفها الديوه جي عن جوامع الموصل ومدارسها وصنائعها ومساجدها وتراثها وتقاليد الزواج فيها فإنه كتب سلسلة طويلة من البحوث والمقالات عن خطط الموصل،وسور الموصل ، وجسور الموصل في مختلف العصور، وقلعة الموصل ، والزخارف الرخامية في الموصل ، وأهتم بتأليف دراسة موثقة عن
( اليزيدية ) ،قال عنها المؤرخ الاجتماعي الفرنسي الراحل جاك بيرك أنها خير ما ألّف في هذا الميدان .

     كما انصرف الديوه جي إلى تحقيق كتب تتناول تاريخ الموصل ، ولعل من أبرزها تحقيقه ونشره كتاب " منية الأدباء في تاريخ الموصل الحدباء " لياسين العمري ، وكتاب " منهل الأولياء ومشرب الأصفياء من سادات الموصل الحدباء " لمحمد أمين العمري ، وكتاب " ترجمة الأولياء في الموصل الحدباء " لأحمد بن الخياط الموصلي ، وكتاب " مجموع الكتابات المحررة في أبنية الموصل " لنيقولا سيوفي .

    كان الديوه جي باهتماماته بتاريخ الموصل يحرص باستمرار على التأكيد بأنه يسير على منهج المؤرخين الموصليين الذين عنوا بتاريخ مدينتهم وألّفوا فيها كتباً متعددة ومنهم أبو زكريا الأزدي صاحب ( تاريخ الموصل ) ، وعز الدين بن الأثير صاحب كتابي ( الكامل في التاريخ ) و ( الباهر في تاريخ الدولة الأتابكية ) ، وقد حاول أن يجعل التاريخ علماً شعبياً يتوجه إلى جمهور الناس وباسلوب سلس وواضح ، ومن هنا اكتسبت كتاباته سمعة طيبة بين القرّاء . 

      وصف حميد المطبعي في كتابه " سعيد الديوه جي " الذي أصدره ضمن سلسلة موسوعة المفكرين والأدباء العراقيين ، الجزء التاسع ، سنة 1988 كتابات الديوه جي التاريخية ، وقال انها ، ذات أسلوب غير معقد فعباراته سهلة لا تزويق فيها المعلومة أكثر من مضمونها الفني واللغوي ، وجمله تنقاد إلى مضامين الأخبار بتلقائية ، وشيئاً فشيئاً تتحـول إلى أسلوب الرواية أو كـأن كلامه صار هو ذاتـه رواية مـن روايات التاريخ ، أما سر اهتمامه بتاريخ مدينة الموصل فيرجع إلى حبّه لها واعتزازه بدورها ، فهي كما يقول " قلعة العروبة والإسلام " وكان للموصل فضل جمع وتوحيد العرب والمسلمين تحت راية واحدة إبان الغزو الصليبي لفلسطين ، وقد صمدت أمام غزو الفرس مرات عديدة آخرها سنة 1743 م حينما حاصرها نادر شاه .. كما استعصت على العثمانيين وحكمت نفسها بنفسها طيلة قرن من الزمان ، حينما تولى الجليليون حكمها بين 1726 ـ 1834 ، ومن هنا فإن كتابات الديوه جي تعد مصدراً مهماً لمن يبحث في تاريخ الموصل وتراثها .

      كان الديوه جي شخصية اجتماعية كذلك ، إضافة إلى كونه شخصية علمية .. ومن الأعمال التي كان يعتز بها اسهامه في فتح ( كلية المحاسبة وادارة الأعمال ) في الموصل سنة 1968 والتي أشرفت عليها جمعية الاقتصاديين العراقيين ، وفي الأول من أيلول 1970 صدر قـرار نشر بجريـدة الوقائع العراقية يقضي بتغيير اسمها إلى
( كلية الادارة والاقتصاد) والحاقها بالجامعة المستنصرية ثم بجامعة الموصل بعد زمن.

      كما سعى مع جماعة من أهل حي الثورة بإنشاء جامع كبير ، وقد تولى شخصياً رئاسة لجنة جمع التبرعات ، وفي سنة 1968 أسهم في تأسيس جمعية التراث العربي وانتخب نائباً للرئيس فيها . وفي سنة 1978 اختارته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي مع ثمانية علماء لدراسة إنشاء بيت الحكمة ببغداد ، وقد اقترح أن ينشأ البيت في بناية القصر العباسي على نهر دجلة ، ولا يمكن أن ننسى فضله في فتح المتحف الحضاري وادارته قبل ذلك لمديرية الأبحاث الاسلامية الفنية في مديرية الآثار العامة ، وإسهامه في إصدار مجلة ( سومر ) العتيدة وإكماله قاعات المتحف التي ضمّت آثار النمرود والحضر ، وذلك في 27 من نيسان سنة 1952 ، ويتحدث المرحوم الديوه جي  عن ذلك في بعض أوراقه التي احتفظ بها قائلاً : " في سنة 1951 نُقِلْتُ إلى مديرية الآثار العامة بعنوان مدير الأبحاث الإسلامية الفنية على أن أقوم بتهيئة متحف في الموصل ، تسلمت بناية المتحف وهي خاوية من كل أثر ، وسعيت بمؤازرة متصرف اللـواء سعيد قزاز ورئاسة بلدية الموصل وأكملت القاعة الأولى وعرضت بها آثاراً من النمرود والحضر، وافتتح المتحف في27 من نيسان سنة 1952، وحضر الافتتاح طائفة من العلماء الذين حضروا المهرجان الألفي الذي أقيم في بغداد لابن سينا ، وكان من الأيام المشهودة في الموصل يزينه بهجة الربيع ، وطيب النسيم ، وجمال الحقول ، وبقيت في إدارة المتحف بعنوان اخصائي أثري إلى سنة 1968 عندما طلبت احالتي على التقاعد " .

      ثم يقول بعد ذلك أنه طوّر مكتبة المتحف وضمَّ إليها جزءاً من مكتبة انستاس الكرملي ، وفي سنة 1965 انتخب عضواً في المجمع العلمي العراقي وزار عدداً من البلدان العربية ، وحضر مؤتمرات علمية كثيرة في تونس وإيطاليا وتركيا وبريطانيا وسوريا وليبيا ومصر ، وفي سنة 1969 قصد زيارة بيت الله الحرام وأدى فريضة الحج ومكث هناك 32 يوماً زار المكتبات وأطّلع على ما فيها من مخطوطات .. وله معارف من المستشرقين منهم ( كرسول ) العالم الآثاري ، وجاك بيرك (العالم الاجتماعي) .. كما أنّ له صلات مع معظم الباحثين والمؤرخين العرب والعراقيين كناجي معروف ومصطفى جواد وفهمي المدرس وداؤد الجلبي، رحمهم الله جميعاً .

 

        المؤرخ سيار كوكب علي الجميل

    تعود علاقتي بالأستاذ الدكتور سيار كوكب علي الجميل إلى أواسط السبعينات من القرن الماضي ،فعندما عينت (مدرساً مساعداً) في قسم التاريخ بكلية الآداب_جامعة الموصل في أيلول-سبتمبر سنة 1975، كان هو قد تخرج في تلك السنة من القسم ذاته، وقد نشأت بيني وبينه صداقة متينة، خاصة وأنني من أبناء مدينته، ونكاد نكون من محلة واحدة ودورنا قريبة من بعضها، فانا وهو من محلة رأس الكور، المحلة العريقة في الموصل، والتي تضم أول جامع بناه العرب المسلمون بعد فتحهم الموصل سنة 16هـ. كما أنني وجدت فيه مشروعا لأستاذ ومؤرخ قدير بحيث قدمته ،وهو لما يزل معيداً في القسم، لإلقاء محاضرة عن المؤرخ  البريطاني الشهير( أرنو لد  توينبي )ونشأة الحضارات، على ما أتذكر،  في مقر نقابة المعلمين بمدينة الموصل .

    والآن وبعد مضي قرابة (34) سنة،وصلتني منه رسالة رقيقة حيث يعيش في تورنتو بكندا شكرني فيها على كتابتي لمقال عن جده (علي أفندي الجميل)، أتعرض فيه لمقالاته عن الاقتصاد والتجارة، ووجدته وهو يستعيد ذكرياته معي ونحن في الموصل يؤكد على العمل من اجل المحافظة على هويتها.. وشخصيتها الحضارية التي تفردت بها.. خاصة وأنني بدأت اقرأ له مقالات قيمة بهذا الخصوص وأخرها حتى كتابة هذه السطور مقالته الموسومة:" العراق: شجرة أم ورقة التوت؟!" وفيها يدلل وبالوقائع والشواهد التاريخية، أن العراق غير قابل للقسمة وان العراق في كل تاريخه كان موحداَ وقوياً ومستعصياً على الأعداء، وقادراً على مواجهة التحديات والمحن والنكبات بروحية طائر العنقاء الأسطوري وبقدراته المتسامية.وفي مايلي نص رسالة الأخ الأستاذ الدكتور سيار الجميل إلي والمؤرخة في 31 أيار –مايس –مايو 2009 :

 

عزيزي الأخ الفاضل الأستاذ الدكتور إبراهيم خليل العلاف المحترم  

تحية صادقة وبعد

لقد قرأت قبل قليل ، وبعد عودتي من سفرة ،إلى اسطنبول، مقالتكم الكريمة بحق جدنا الأستاذ علي الجميل رحمه الله ، في  قراءة رائعة لكتاب الأخ سرمد .

 لقد أثلجت صدري عزيزي بما كتبت ، وقد أنصفت الرجل الذي غبن حقه طويلا ،ومنذ ثمانين سنة .وقد أرسلت مقالكم الكريم  إلى السيد محرر موقعي على الويب لنشره على أيقونة تراث آل  الجميل.

 لقد جعلتني سيدي أستعيد ذكرى زمالتنا وصداقتنا قبل سنوات. كما أننا بحاجة ماسة اليوم إلى أن نضع أيدينا بأيدي بعضنا من اجل مدينتنا الموصل الحدباء أم الربيعين التي يتهدد مصيرها ومصير أولادنا وأحفادنا في هذا الزمن الردى.

 إنني أشكركم عزيزي من صميم القلب على موقفكم الكريم، وليس ذلك بغريب عنكم، وأتمنى أن يتسنى لي الوقت، وان أكون بصحة جيدة ،كي أحرر وأحقق رفقة الأخ سرمد، جزاه الله خير الجزاء ،بقية تراث علي الجميل الغني، وكتبه، وشعره، ومراسلاته ،وتواريخه قبل أن نرحل إلى دار البقاء .

إنني أزجي لكم كل مودتي وسلامي إلى كل من يذكرني بذكر طيب وسأبقى وفيا لكم وللموصل الحدباء .دمتم أهلا للخير ،وأمد الله في عطائكم الخصب ،وحرسكم، وحفظ لكم أولادكم وأهلنا جميعا انه نعم المولى ونعم النصير

أخوكم

سيار الجميل

تورنتو / كندا  

 

          أقول ليس من السهولة الوقوف عند سيرة ونتاج الأستاذ الدكتور سيار كوكب علي الجميل ،فذلك يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، لكن سنحاول في هذا الحيز أن ننظر إليه مؤرخا فقط ،وقبل أن نلج دروب نظرته التاريخية، وأسلوبه ومدرسته، لابد أن نستعرض جانبا من حياته، فهو من مواليد مدينة الموصل سنة 1952، وينتمي إلى أسرة علمية معروفة، فجدة علي أفندي الجميل من رجال التنوير في الموصل، ووالده كوكب ،قاض معروف وأعمامه وأخواله وإخوانه نبغ فيهم من قدم للعراق خدمات جلى في مجالات العلم والصحافة والتجارة والمحاماة والرياضة والفكر.

    درس في مدارس الموصل، وأكمل دراسته الجامعية في قسم التاريخ بكلية الآداب_ جامعة الموصل، ثم نال الدكتوراه في (جامعة سانت اندروز) الاسكتلندية سنة 1983، وعمل في جامعة الموصل، واشرف على عدد من طلاب الماجستير والدكتوراه وغادر العراق ليدرس في جامعات عربية وأجنبية وقبل بلوغه أل (40) عاما نال جائزة شومان للعلماء الشباب سنة 1991. كما حاز جوائز وتكريمات من داخل العراق وخارجه. وقد شارك في تحرير عدد من الموسوعات ودوائر المعارف، ومن ذلك :(موسوعة الموصل الحضارية) و(الانسكلوبيديا التركية) و(دائرة المعارف الإسلامية). ثم أنه ألقى  محاضرات في  موضوعات  عديدة في الجامعات والمؤسسات العلمية المختلفة، ومعظمها تدور حول التاريخ العربي الحديث، ومنهج البحث التاريخي وفلسفة التاريخ ، وتاريخ الشرق الأوسط الحديث والمعاصر، والفكر العربي الحديث ، والثقافة العربية والعراقية المعاصرة .من  كتبه المنشورة :

 



:
1- العثمانيون وتكوين العرب الحديث : من اجل بحث رؤيوي معاصر ، ط 1(بيروت : مؤسسة الأبحاث العربية، 1989).

2- حصار الموصل : الصراع الإقليمي واندحار نادر شاه ، ط1 ( الموصل : مؤسسة بيت الموصل ،1990.

3- تكوين العرب الحديث 1516 - 1916. ط1 ( جامعة الموصل : مؤسسة دار الكتب للطباعة والنشر، 1991).

4 – تكوين العرب الحديث ، الطبعة العربية ( عّمان : دار الشروق للطباعة والنشر ، 1997) .

5- الدليل التاريخي لحصار الموصل 1743م (بغداد ، 1993).

6- التحولات العربية : إشكاليات الوعي وتحليل التناقضات وخطاب المستقبل ، ط1 ( بيروت / عمان : الأهلية للنشر والتوزيع، 1997).

7- النسر الأحمر : صلاح الدين الأيوبي : التجربة والتكوين ، ط1 ( بيروت / عمان : الأهلية للنشر والتوزيع ، 1997).

8- بقايا وجذور : التكوين العربي الحديث ، ط 1( بيروت / عمّان : الأهلية للنشر والتوزيع ،1997) 0

9- العولمة الجديدة والمجال الحيوي للشرق الأوسط: مفاهيم عصر قادم ، طبعتان (بيروت : مركز الدراسات الإستراتيجية والبحوث والتوثيق، 1997، 2000 ) .

10- العرب والأتراك : الانبعاث والتحديث : من العثمنة إلى العلمنة ، ط 1 ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 1997).

11ـ المجايلة التاريخية : فلسفة التكوين التاريخي ( نظرية رؤيوية في المعرفة العربية الإسلامية) ، ط 1 ، ( عّمان/بيروت : الأهلية للنشر والتوزيع ، 1999 ) .

12ـ زعماء وأفندية : الباشاوات العثمانيون والنهضويون العرب : البنية التاريخية للعراق الحديث ( الموصل نموذجا ) ، ط 1 ( عّمان / بيروت : الأهلية للنشر والتوزيع ، 1999 ).

13 ـ الرؤية المختلفة : نقد منهج محمد عابد الجابري : أجوبة التاريخ عن أسئلة التاريخ ، ط1 ( عّمان / بيروت : الأهلية للنشر والتوزيع ، 1999) 0

14 ـ العولمة والمستقبل : إستراتيجية تفكير !!! العرب والمسلمون في القرن الحادي والعشرين : ط 1 ( عّمان / بيروت : الأهلية للنشر والتوزيع ، 2000 ) .

15ـ تفكيك هيكل : مكاشفات نقدية في إشكاليات محمد حسنين هيكل ، ط 1 ( عمّان / بيروت : الأهلية للنشر والتوزيع ، لندن : منشورات الزمان ، 2000 ) .

16 ـ انتلجينسيا العراق : نخب المثقفين في القرن العشرين ( نشرت فصوله مسلسلة في لندن ( كتب ومذكرات ) خلال شهري أيلول- سبتمبر وتشرين الأول- أكتوبر من عام 2000).

17 ـ المجال الحيوي للخليج العربي : دراسة جيوستراتيجية ، ط 1 ( أبو ظبي : مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية ، 2003 ).


          وله كتابان منشوران باللغة الانكليزية هما :
1.. الدليل التاريخي : المنهج وفلسفة التاريخ ( لندن ، فويلز 1995 ) .
2.. تاريخ الإمبراطورية العثمانية ( قيد النشر ) .

           كما شارك في تأليف كتب أخرى منها : :
1. عبد الجبار عبد  مصطفى وآخرون  ، جمهوريات آسيا الوسطى وقفقاسيا :الجذور التاريخية والعلاقات الإقليمية  ( جامعة الموصل : مركز الدراسات التركية(الإقليمية حاليا ) ، 1992) .
2. سمير أمين وآخرون ، العولمة من منظور الجنوب ، ( بالانكليزية والفرنسية ) ، باريس 1995.
3. الطاهر لبيب ( تحرير) ، الثقافة والمثقف في الوطن العربي ، ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1996) .
4. نخبة من المؤلفين ، الأمة العربية ( كتاب منهجي ) ( بغداد : وزارة التعليم العالي والبحث العلمي ، 1994) .
5. عبد الجليل التميمي ( تحرير) ، تحية وتقدير للمؤرخ خليل ساحلي اوغلو ، ( تونس/ زغوان : مركز سيرمدي ، 1995) .
6. خير الدين حسيب ( تحرير) ، العلاقات العربية – الإيرانية – بالانكليزية- ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية 1998).
7. عبد العزيز الدوري وآخرون ، العلاقات العربية الإيرانية ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997) .
8. اورهان كور غلو وآخرون ، العلاقات العربية – التركية : حوار مستقبلي ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1995) .
9. هند أبو الشعر ( تحرير) ، دراسات في مصادر تاريخ العرب الحديث ( جامعة آل البيت ، الأردن ، 1998) .
10. فاروق عمر فوزي وهند أبو الشعر ( تحرير) ، الكتاب التذكاري للبروفيسور سيد مقبول أحمد ( جامعة آل البيت ، الاردن ، 1999) .
11. بكر ألمجالي وقاسم الدروع ( محرران ) ، الملك المؤسس عبد الله بن الحسين مفكرا وأديبا ، عمّان ، الأردن ، 1999.
12.بومدين أبو زيد وآخرون ، قضايا التنوير والنهضة في الفكر العربي المعاصر ، ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2000) .
13. محمد الأطرش وآخرون ، العرب وتحديات النظام العالمي ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 2000).
14. إبراهيم غرايبه ( تحرير) ، جمال الدين الأفغاني : عطاؤه الفكري ومنهجه الإصلاحي، ( عمّان : المركز العالمي للفكر الإسلامي، 1999) .
15. عز الدين إسماعيل ، التكامل الثقافي في عصر العولمة ( القاهرة : معهد البحوث والدراسات العربية / جامعة الدول العربية ، 2002 ) .



ومن بحوثه المنشور: 

1- دراسة في السيطرة العثمانية على الموصل وإقليم الجزيرة سنة 1516م وبدايات الصراع العثماني - الإيراني في عهد سليم الأول " مجلة بين النهرين، العددان 30/31، 1980.
2- "تحليل كتاب نشر المثاني لمحمد القادري تحقيق نورمان سيكار"، المجلة التاريخية المغربية، العددان 35/36،   كانون الاول - ديسمبر 1984.
3- "الحصار العثماني الثاني لـ فيينا عاصمة الهابسبورك النمساوية سنة 1683"، المجلة العربية للعلوم الإنسانية، جامعة الكويت، العدد 16، خريف1984.
4- "طبيعة الحياة الاجتماعية في المشرق والمغرب العربيين خلال الفترات العثمانية"، مجلة المستقبل العربي، العدد 92، تشرين الاول / اكتوبر1986.
5- "دولة السلطنة العثمانية وإشكالية الخلافة : رؤية ايبستمولوجية لمواقف تاريخية متعددة"، مجلة دراسات عربية، العدد 4، السنة 23، شباط / فبراير 1987.
6- "مساهمة نقدية عن : التوسع الإسلامي وتكوين المجتمع العربي عند روبرت منتران" كتاب : تحية وتقدير للأستاذ روبرت منتران، (خاص) مركز سيرمدى، تونس 1988.
7- " البحر المتوسط : الشرعية التاريخية العربية مساهمة معرفية في تصحيح بعض المفاهيم"، مجلة دراسات عربية، العدد 9، السنة 24، تموز/ يوليو 1988.
8- "نقد ايبستمولوجية الخطاب العربي المعاصر"، مجلة المستقبل العربي، العدد 105، تشرين الثاني / نوفمبر 1987.
9- "الحياة الاقتصادية والاجتماعية لولاية الموصل في العهد ألجليلي 1726 - 1834"، ملف : أعمال مؤتمر (الحياة الاجتماعية في الولايات العربية أثناء العهد العثماني)، جمع وتقديم : الأستاذ الدكتور  عبد الجليل التميمي، الجزءان الأول والثاني، زغوان / تونس، 1988.

10-"مقدمة في الأهمية الإستراتيجية والتاريخية لحصار الموصل سنة 1156 هجرية -1743 ميلادية مع ملاحظات مضافة ""في إبراهيم خليل العلاف وآخرون ،حصار الموصل وانتصار العراقيين على نادر شاه 1743 ،طبع في دار الشؤون الثقافية العامة ،بغداد 1993 .

11- "رحلة جوستن بيركنس عبر شمال العراق الأرض الكلاسيكية عام 1849"، مجلة المورد (عدد خاص : أدب الرحلات إلى العراق)، العدد (4)، المجلد (18)، بغداد، شتاء 1989.
12- "الخطاب التاريخي العربي خلال فترة ما بين الحربين العظميين : محاولة ابستيمولوجية في إثارة بعض الإشكاليات"، مجلة المستقبل العربي، العدد (123)، السنة (12)، أيار / مايس 1989.
13- "حصار نادر شاه للموصل عام 1743م ورؤية حالة نضالية من التصدي في خضم الصراع العثماني - الإيراني"، المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية، العددان 1-2، تونس، جانفي / يناير 1990.
14- " مؤتمر الولايات العربية والإمبراطورية العثمانية : الحياة الإدارية .. الملل والأقليات ... التنظيمات وبروز القوميات"، مجلة المستقبل العربي، العدد (138)، السنة (13)، آب / أغسطس 1990.
15- "اتاتورك : الكاريزما والتكوين : من العثمنة نحو العلمنة"، المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية، العدد (3-4)، تونس، كانون الأول- ديسمبر 1991.
16- "الأمة العربية" القاموس العربي لعلم الاجتماع، تحرير : د.الطاهر لبيب، ط1، (تونس : الدار العربية للنشر)، ( قيد النشر ) .
17- "الشعوبية"، القاموس العربي لعلم الاجتماع، تحرير : د. الطاهر لبيب، ط1، (تونس : الدار العربية للنشر) ( قيد النشر ) .
18- "الإصلاحية"، القاموس العربي لعلم الاجتماع، تحرير : د. الطاهر لبيب، ط1، (تونس : الدار العربية للنشر ) ، ( قيد النشر ) .
19- "التحديث"، القاموس العربي لعلم الاجتماع، تحرير : د. الطاهر لبيب، ط1، (تونس : الدار العربية للنشر)، ( قيد النشر ) .


:

20 ـ "طبيعة الحياة الثقافية والعلمية في الموصل خلال الفترات العثمانية"،
موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الرابع، 1992.

21 ـ "الموصل خلال الحكم ألجليلي 1726-1834"،
موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الرابع ، 1992.

22 ـ "الموصل من نهاية العهد ألجليلي حتى حكم الإدارة المباشرة 1834 - 1869"، موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الرابع، 1992.

33 ـ "رواد الحركة العربية القومية في الموصل"،
موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الرابع، 1992 .

24 ـ" النظام الإداري في الموصل"،
موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الخامس، 1992.

25ـ "تكوين الحكم الوطني وإسهام الموصليين في تأسيس الدولة العراقية الحديثة"،
موسوعة الموصل الحضارية ،المجلد الخامس، 1992.

26 ـ "طبيعة الحياة الثقافية المعاصرة في الموصل"،
موسوعة الموصل الحضارية، المجلد الخامس، 1992.

28 ـ "انتلجينسيا العراق" فصل في كتاب الثقافة والمثقف في الوطن العربي
(تأليف نخبة في الباحثين) تحرير : الطاهر لبيب ، ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية، 1993).

29 ـ " أشراف مكة في العهد العثماني ". بحث مقبول للنشر بعد التحكيم منذ عام 1994 في الكتاب المرجع لتاريخ الأمة العربية، الذي ستصدره المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، بإشراف الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري .

30 ـ " العثمانيون وتوسعاتهم في البلاد العربية "  بحث مقبول للنشر بعد التحكيم منذ عام 1994 في الكتاب المرجع لتاريخ الأمة العربية، الذي ستصدره المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، بإشراف الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري .

31 ـ " الخليج العربي" (بالانجليزية والفرنسية) ، فصل في كتاب ( العولمة : من منظور الجنوب) بالاشتراك مع نخبة من العلماء، تحرير : د. سمير أمين ، 1996 ) .

32 ـ مقالة "
IRAK" (Chap. 17) بالإنكليزية والفرنسية، بحث محكم من قبل ستة خبراء في : الموسوعة الدولية لتاريخ التطورات العلمية والثقافية البشرية (باريس : اليونسكو 1999) :
The History of the Scientific and Cultural Development of Mankind, New edition
(
Paris : Unesco, 1999).

33 ـ "الكتابة التاريخية العربية الحديثة : (إشكالية المنهج والفلسفة والتفسير ) ، مجلة كلية المعلمين، العدد (6) ، السنة (2) تشرين الثاني/ نوفمبر 1996 .


:

34 ـ "العلمنة بين العرب والأتراك" ، بحث نشر في كتاب تحية وتقدير للمؤرخ خليل ساحلي اوغلو . مركز سيرميدي تونس 1997.

35ـ "
Arab Historiography on the Ottoman Empire
بحث في كتاب:
The Ottoman Empire in Historiographic Discussion, Liden & Brill, 1996 .

36 ـ " تباينات مجتمع القدس في المركز والمحيط إبان العهد العثماني : الديمغرافيا التاريخية لمدينة القدس وجوارها إبان القرن السادس عشر" ، بحث نشر في دورية الندوة التي تصدرها جمعية الشؤون الدولية / الأردن ، المجلد (9) ، العدد (1) ، أيار/ مايس 1998. وأعيد نشره في مجلة الاجتهاد التي تصدرها دار الاجتهاد للأبحاث والترجمة والنشر ، العدد (44) ، السنة (11) ، خريف العام 1999 .

37ـ " العراق والتكوين الإقليمي للخليج العربي خلال العهد العثماني : التوازن ـ السيادة ـ الشرعية " ، بحث منشور في المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية ، العدد 17 /18 ، سبتمبر / أيلول 1998 .

38- “
Iraqi – Iranian Boundary and Territorial Disputes", in, Khair el-din Haseeb (ed.), Arab – Iranian Relations ( Beirut: Centre for Arab Unity Studies & London: British Academic Press, 1998).


39ـ" التفكير المزدوج للسيد جمال الدين الأفغاني : دراسة نقدية في نصوص وثائقية " ، بحث منشور في الكتاب التذكاري للبروفيسور سيد مقبول أحمد ، تحرير : جامعة آل البيت ، الاردن ، 1999 .

40ـ " الصورة الأخرى : قراءة تحليلية وحفريات معرفية في الصيرورة التاريخية للأفغاني " ، في : إبراهيم غرايبه ( تحرير) ، جمال الدين الأفغاني : عطاؤه الفكري ومنهجه الإصلاحي ، ط 1 ( عمّان : المعهد العالمي للفكر الإسلامي & الرباط : المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ، 1999) .

41. " دراسة في تطوير الأسئلة الامتحانية وتقويم الأداء في العلوم الإنسانية والاجتماعية ( قسم التاريخ نموذجا ) ، أنجزت بناء على طلب كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة الإمارات العربية المتحدة بتاريخ 25/11/2000.


42- "نقد تاريخا نية التفكير العربي المعاصر : تفكيك مفاهيم"، المستقبل العربي العدد (16)، السنة (15)، حزيران / يونيو 1992. أعيد نشرها في الفكر العربي المعاصر ، صيف 1998 .

43 " التكوينات التاريخية لجمهوريات آسيا الوسطى " ، المستقبل العربي ، العدد (181)، السنة (16)، اذار / مارس 1994.

44- " المجال الحيوي للشرق الأوسط إزاء النظام الدولي القادم : من مثلث الأزمات إلى مربع الأزمات " مجلة المستقبل العربي، العدد (184)، السنة (7)، حزيران / يونيو1994.

45- الخيارات الفكرية والسياسية لدى العرب والأتراك " ، المستقبل العربي، العدد ( 185)، السنة (17)، تموز / يوليو 1994.

46- " التكوينات التاريخية لجمهوريات قوقاسيا وما وراءها " ، المستقبل العربي، العدد (193)، السنة (17)، آذار / يونيو1995.

47- " العولمة : اختراق الغرب للقوميات الأسيوية : تحديات مستقبلية" نشر في المستقبل العربي ، العدد (217) ، السنة (19) ، آذار / مارس 1997..

48- " من أجل تفكير رؤيوي عربي جديد " ، دورية الندوة ، المجلد (6) ، العدد (1) ، كانون الثاني / يناير 1995
0

49- " دعوة لتأسيس علوم مستقبلية عربية" ، المجلة العربية للثقافة، العدد (18)، السنة (14)، مارس / اذار 1995. (الالكسو / تونس)0

50- " إشكاليات تحرير البحث العلمي في الاجتماعيات : الخوصصة في تطوير : البراجيات والمؤسسات والكفاءات استعداداً عربياً نحو فاتحة القرن القادم" ، بحث نشر ضمن أعمال المؤتمر العالمي الأول حول : دور المؤسسات البحثية في العلوم الإنسانية والاجتماعية في البلاد العربية وتركيا ( تونس : مركز سيرمدي ، 1995).

51- " العلاقات العراقية - الأمريكية : نشأتها وتطورها 1942-1958 " مجلة الندوة التي تصدرها جمعية الشؤون الدولية، عمان - الأردن. العدد (1)، المجلة (7)، شباط / فبراير1996.
52- " ملاحظات في التكوينات الجيوتاريخية لعالم قوقاسيا."، نشر في المستقبل العربي ، العدد (210) ، السنة (19) ، آب/ أغسطس ، 1996..

52 .”
IraqIranian Relations ” in T. Link ( ed. ) , The New Middle East, ( Hamburg: M.E.S.C., 1998).


53 - "المتوسطية : فكرها وأبعادها : من بيان برشلونة - اورميد إلى مؤتمر النخبة في مدريد" ، مجلة البيان ، العدد (1) ، السنة (1) ربيع 1997 التي تصدرها جامعة ال البيت / الاردن.

54ـ " متغيرات الثقافة السياسية العربية المعاصرة " ؛ نشرت تباعا بشكل حلقات متسلسلة في جريدة السفيــــر البيروتية، 1994ـ 1995 .

55ـ " الثقافة الإسلامية والاختراق الثقافي في ظل العولمة " ، مجلة الكلمـــة ، العدد (18) ، السنة (5) ، شتاء 1998 .

56ـ " تأملات نقدية في الفناء الأعظم: هل ستنهار حضارة الغرب قريبا ؟" ، مجلة البيان ، المجلد(1)، العدد (3)، ربيع 1418 هـ / 1998م .

57ـ " نقد منهج محمد عابد الجابري عن المشروع النهضوي العربي " ، نشرت بست حلقات في جريدة الزمان / لندن ، شهر ايلول / سبتمبر 1998 .

58ـ " مؤثرات الأضداد : البنية التاريخية للمشروع الصهيوني 1897ـ 1997( التحدي / الاستجابة/ المستقبل) " ، مجلة البيان ، المجلد (2) ،العدد (1)، شتاء 1419هـ/ 1999م .

59ـ " القومي والسياسي في تفكير زعيمين عربيين " ، نشرت في كتاب : الملك المؤسس عبد الله بن الحسين : مفكرا وأديبا ، إعداد وتحرير : بكر ألمجالي وقاسم الدروع ( اربد : مطبعة الروزنا ، 1999 ) .

60ـ " الرواية التاريخية
The Historical Novel : الفن الروائي التاريخي العربي: مدخلات حوار في ورقة مركزية " ، مجلة البيان ، جامعة آل البيت ، الاردن ، المجلد (2)، العدد (2)، ربيع 1420هـ/1999م .

61ـ " السيد جمال الدين الأفغاني : حفريات في وثائق جديدة " ، نشرت في مجلة الزمان الجديد، لندن ، العدد الثالث ، منتصف يناير / كانون الثاني 2000 .

62ـ"نقد الكبار " ، مجلة الهلال ، دار الهلال ، القاهرة ، العدد 7 ، السنة الثامنة بعد المائة ، يوليو 2000 .


62. “
Double Thinking of Sayied Jamal al-Din Al-Afghani: Politics and Realign “, in Papers in Memory of Late Dr. Sayyed Magbul Ahmad 1919- 1998 A.D., ed. By F. Fawzi and H. Abu al-Sha’ar ( Amman : University of Al al-Bayt University, 1999).

63. " صناعة التاريخ : اتحاد السواحل والدواخل وتكوين الإمارات " ، مجلة ليوا ، مركز الوثائق والبحوث ، ابو ظبي ، العدد الأول ، يناير-كانون الثاني  2004 .

64. " كيف نعيد للتاريخ دوره في التربية " ، مجلة ليوا التي يصدرها مركز الوثائق والبحوث ، ابو ظبي ، العدد الرابع ، ابريل 2004 .




        وكثيرا ما يحضر الأستاذ الدكتور سيار كوكب الجميل الندوات والمؤتمرات العلمية التي تعقد في أماكن متفرقة من العالم ويقدم بحوثا ودراسات وأوراق عمل منها على سبيل المثال :

 

1- “The second ottoman siege of Vienna 1683 : Historical notes
بحث بالإنكليزية ألقى في ندوة مركز الدراسات التاريخية التابع للمكتبة الوطنية في فينا بالنمسا برعاية الأستاذ اوتومازال بمناسبة مرور 300 سنة على الحصار العثماني الثاني لفينا عام 1683، وعقدت الندوة للفترة 14-17 تموز / يوليو 1983.

2-
A Critical Notes of Academic Arab Life""
بحث مقارن بالإنكليزية ألقى في ندوة مركز اوراسك للدراسات الاجتماعية في معهد العلوم الاجتماعية في جامعة وهران بالجزائر للفترة 20-21 آذار / مارس 1985، ونشر ضمن أعمال الندوة 1986.

3- " الحياة الاجتماعية والاقتصادية في الموصل إبان العهد ألجليلي 1726-1834"
بحث ألقى في المؤتمر العالمي الثاني للدراسات العثمانية الذي انعقد في مركز سيرمدى بتونس، الحمامات، 1986 ( نشر في ملف أعمال المؤتمر ، تونس : مركز سيرمدي ، 1988 ) .
. “
The Social life in Mosul during the Jalili era 1726-1834”, in Le ll’ symposium International d’ Etudes ottomanes, Tunis, CEROMDI, 1986.


Invitation to Establish a canter for Futurology in the Arab World”, The 8th Seminar of Science and Education, The University of Mosul, 10-11 May 1989.


6- "مؤثرات التحديث في المجتمع التركي المعاصر"،
بحث ألقى في المؤتمر العلمي الأول للدراسات التركية الذي نظمه مركز الدراسات التركية (الإقليمية ) بجامعة الموصل للفترة 30-31/5 -1/6/1989(نشر في مجلة دراسات تركية) العدد (3) 1991، وأعيد نشره في المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية، سيرمدى / تونس العدد (7-8) 1994.

7- "النزوع والتكوين والالتزام"،
بحث القي في الندوة العلمية الخاصة التي أقامها قسم اللغة العربية بكلية الآداب في جامعة الموصل للفترة 21-23/10/1989. (ملف أعمال الندوة مطبوع على الرونيو بدون نشر).

8- "انتلجينسيا العراق : التكوين .. الاستنارة .. السلطة"،
بحث قُدّم في الملتقى الأكاديمي الذي نظمه مركز الدراسات والأبحاث الاقتصادية والاجتماعية في الجامعة التونسية (الملتقى تحت عنوان : النخبة والسلطة في العالم العربي) للفترة 4-9/12/1989. نشر البحث في مجلة المستقبل العربي، العدد (139)، السنة (13)، ايلول / سبتمبر 1990.

9- " نظام الإدارة العثمانية اللامركزية في الولايات العربية خلال القرن الثامن عشر : دراسة مقارنة للأنماط الإقليمية في تاريخ الوطن العربي الحديث"،
بحث القي في المؤتمر العالمي الرابع للدراسات العثمانية الذي نظمه مركز الدراسات والبحوث العثمانية والموريسكية والتوثيق والمعلومات بتونس بالاشتراك مع اللجنة العربية للدراسات العثمانية (اكوس) في زغوان / تونس للفترة 20-26/1/1990. نشر في المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية، سيرمدى تونس العدد (5-6) 1993.

10- "طبيعة العلاقات الثقافية بين مصر والعراق والآفاق المستقبلية"،
بحث القي في ندوة العلاقات العراقية - المصرية " ، القاهرة للفترة 14-16/2/1990. (نشر البحث ضمن ملف أعمال الندوة، الجزء الأول، بغداد، 1990 .


11. “
The Modernization of Ottoman Economy during the 19th Century”, The Second Conference of Turkish studies, Centre of Turkish studies, Turkish Studies, vol. no. (3), 1992).


12- " تحديث الاقتصاديات العثمانية : دراسة في فهم طبيعة المشاكل الاقتصادية التركية خلال القرن التاسع عشر"، بحث قدم في المؤتمر العلمي الثاني للدراسات التركية / مركز الدراسات التركية(الإقليمية حاليا ) بجامعة الموصل للفترة 20-22/12/1991.

13- " المدينة العربية في العصر العثماني : دراسة في الديمغرافية التاريخية للمدينة العربية : الموصل نموذجاً"، القي في المؤتمر العالمي الخامس للدراسات العثمانية مركز سيرمدى بتونس للفترة 25-29 فبراير 1992. ونشر ضمن أعمال المؤتمر، تونس 1994.

14- " الجغرافية التاريخية لعالمي آسيا الوسطى وقفقاسيا"
بحث يتالف من قسمين، القى القسم الاول المتخصص عن اسيا الوسطى في ندوة مركز الدراسات التركية(الاقليمية حاليا ) بجامعة الموصل (تركيا وجمهوريات اسيا الوسطى : الجذور التاريخية والعلاقات الإقليمية) يوم 13/4/1992. والقي القسم الثاني المتخصص عن قفقاسيا في ندوة مركز الدراسات التركية (الإقليمية حاليا ) (جمهوريات قفقاسيا وتركيا : الجذور التاريخية والعلاقات الإقليمية) يوم 30/5/1992. نشر في فصلين من كتاب( جمهوريات آسيا الوسطى وقفقاسيا ) أصدره مركز الدراسات التركية (الإقليمية حاليا )جامعة الموصل، 1993.

15- "العرب : المستقبل والآخر"،
بحث القي في المؤتمر الدولي حول صورة الآخر الذي نظمته الجمعية العربية لعلم الاجتماع، الحمامات / تونس للفترة 29-31 مارس 1993. ونشر ضمن أعمال الندوة، ومقبول للنشر في مجلة (الوحدة) التي يصدرها المجلس القومي للثقافة / الرباط، المغرب.


16- "مشروع دعوة لبناء علوم مستقبلية في الوطن العربي"،
بحث القي في ندوة : (مستقبل التعليم الجامعي والبحث العلمي في الوطن العربي) التي انعقدت بكلية الآداب والتربية بزليتن / جامعة ناصر بليبيا للفترة 26-28 نيسان / ابريل 1993. ( نشر ضمن أعمال الندوة ).

17ـ " دور المثقفين الفلسطينيين في التكوين النهضوي العربي المعاصر " ،
محاضرة ألقيت في منتدى مؤسسة عبد الحميد شومان / عّمان – الأردن يوم 17 تموز / يوليو 1994 ( نشر في ملحق جريدة الرأي الأردنية يوم 18 تموز / يوليو 1994)0

18- " الخيارات الفكرية والسياسية لدى العرب والأتراك"
القي في ندوة : العرب والأتراك : حوار مستقبلي " التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت للفترة 15-18 نوفمبر / تشرين الثاني 1993 وقد نشر البحث في ملف أعمال الندوة، 1995(كتاب العلاقات العربية التركية: حوار مستقبلي).

19- "العرب المعاصرون والإمبراطورية العثمانية" : التهويم / الايدولوجيا / المعرفة (رؤية نقدية في الإشكاليات النقدية والتاريخية والسياسية العربية المعاصرة)
بحث القي في المؤتمر السادس للدراسات العثمانية الذي انعقد في مركز سيرمدي بتونس 1994، ونشر ضمن أعمال المؤتمر. وفي المجلة التاريخية العربية للدراسات العثمانية ، العدد 13-14 ، أكتوبر ، 1996.


20. “
The Modernization of Ottoman Economy during the 19th Century”, The Second Conference of Turkish studies, Center of Turkish studies, The University of Mosul, 20-22 Dec. 1991. (Published in Turkish Studies, vol. no. (3), 1992).


21- " إشكاليات تحرير البحث العلمي العربي في الاجتماعيات : الخصخصة في تطوير : البرامجيات والمؤسسات والكفاءات استعدادا عربيا نحو فاتحة القرن القادم " ، القي في المؤتمر العالمي الأول حول دور مؤسسات البحث العلمي في العلوم الإنسانية والاجتماعية في البلاد العربية وتركيا ، الذي نظمه كل من مؤسسة متبعم بتونس ومؤسسة كونراد اديناور بالمانيا بتاريخ 27-29 آذار / مارس 1995. ونشر ضمن اعمال المؤتمر بتحرير : عبد الجليل التميمي ، زغوان / تونس نوفمبر 1995.

22- " الخلافات الحدودية والإقليمية العراقية - الإيرانية " ،
بحث القي في ندوة العلاقات العربية - الإيرانية التي عقدها مركز الدراسات الوحدة العربية في جامعة قطر، تشرين الأول / اكتوبر1995. ونشر في كتاب العلاقات العربية - الإيرانية : الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل ، في : عبد العزيز الدوري واخرون ( بيروت / مركز دراسات الوحدة العربية، 1996)..

23- " العولمة الجديدة "
The New Globology" : إرادة الاستقطاب الأحادي ونظرية تعدد الأقطاب " ، ( بالإنجليزية) : ورقة بحثية ومداخلة تاريخية قدمت في الندوة الدولية (الخليج : المتغيرات والتحديات الدولية) التي عقدها مركز الدراسات السياسية في طهران / إيران، في الفترة 13-17 كانون الأول / ديسمبر 1995. نشرت ضمن أعمال الندوة بالانكليزية ، 1997.

24- " العرب والاستشراق : دعوة نقدية للحوار من اجل الخروج عن طورالاستذة والتلمذة "
بحث القي في المؤتمر العالمي الثاني للبحث العلمي في مؤسسة فترسي للبحث العلمي والمعلومات، تونس في مايس / أيار 1996. ونشر ضمن أعمال المؤتمر في كتاب ( المنهجية الغربية في العلوم الإنسانية والاجتماعية عن البلاد العربية وتركيا ( منشورات فترسي -اديناور ، 1996).

25- " اثر تغلغل الرساميل الاوروبية في انهيار الاقتصاديات العثمانية ". بحث القي في ندوة قسم التاريخ بجامعة اليرموك ، بتاريخ 11 اذار / مارس 1996.( نـشر ضمن كتاب العرب والاتراك: الانبعاث والتحديث: من العثمنة الى العلمنة ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1997).

26- " ماذا بعد ان وصل اربكان الى السلطة ؟ تحليل لتفكيره ازاء تركيا والمستقبل : الرفاهيون الاسلاميون والعلمانيون السياسيون ازاء المتغيرات التركية الجديدة". بحث القي في ندوة تركيا والمستقبل التي عقدها معهد بيت الحكمة بجامعة ال البيت في الاردن يوم 25/ 9 /1996 ، ونشر في دورية " الندوة" التي تصدرها جمعية الشؤون الدولية ، عمان ، المجلد (8) ، العدد (1) ، شباط ، 1997.

27- " الثورة العربية الكبرى 1916 وبدايات التكوين العربي المعاصر " ،
بحث القي في ندوة الثورة العربية الكبرى في ذكراها الثمانين ، التي عقدتها وزارة الثقافة الاردنية ومركز الاردن الجديد للدراسات في المركز الثقافي الملكي / عمان - الاردن للفترة 22-23 حزيران / يونيو 1996.

28- " القوانين العثمانية والخصوصيات العربية .."
بحث القي في المؤتمر العالمي السابع للدراسات العثمانية (المجتمع والدولة في العلم العثماني) الذي انعقد في مؤسسة فترسي بتونس للفترة 18-22 اكتوبر / تشرين الأول 1996.
29- " مصادر التاريخ المحلي لمدينة الموصل إبان العهد العثماني "
بحث القي في الندوة التأسيسية لمصادر تاريخ العرب الحديث الذي عقدته جامعة ال البيت في الأردن للفترة 1-4 ايار مارس ،1997. ونـشر في ملف أبحاث الندوة : كتاب دراسات في مصادر تاريخ العرب الحديث ، تحرير نخبة من الاساتذة ( جامعة آل البيت ، 1997) .

30. “
Historical Estimation of Jerusalem Society during the Ottoman era” , Seminar of Jerusalem 5000, University of Al al-Bayt, Jordan 25. Nov. 1997.


31- " في مفهوم العولمة "
ورقة بحثية تعقيبية ألقيت في ندوة العرب والعولمة التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت للفترة 18-20/12/1997.( نشر في كتاب العرب والعولمة لمجموعة من المؤلفين ، تحرير : أسامة أمين الخولي ) ، ( بيروت : مركز دراسات الوحدة العربية ، 1998 ) .

32- " الملك فيصل الأول والنخبة المثقفة : جامعة ال البيت في العراق 1921 ـ 1930: تأسيسها وتطورها وتداعياتها "
بحث ألقى في الندوة التأسيسية لـ ( بناء الدولة العربية الحديثة )التي عقدت في جامعة ال البيت للفترة 26ـ 27 نيسان / ابريل 1998، الاردن. ونشر ضمن أعمال الندوة ، جامعة آل البيت ، 1999 .

33 -" ثقافتنا : تكوينات الماضي وعولمة المستقبل " ،
محاضرة فكرية ألقيت في المعهد العالمي للفكر الإسلامي / عّمان – الأردن يوم 2/7/ 1998 ( نشرت في ملحق الزمان اللندنية ـ ألف ياء ـ ) 8/12/1998 .

34ـ " بناء الدولة العربية الحديثة (2) : مفهوم الدولة العربية : رؤية تحليلية في مشروع فيصل الاول : دولة الولايات العربية المتحدة " ،
بحث القي في الحلقة البحثية التي عقدتها جامعة آل البيت بالاردن يوم 7/10/1998 0 ونشر في كتاب تأسيس الدولة العربية الحديثة : تجربة فيصل الاول في سورية والعراق ، جامعة آل البيت ، 1999 .

35ـ " الجاندرليون : الصدور العظام العثمانيون " ، بحث القي في ندوة قسم التاريخ بجامعة آل البيت بتاريخ 21/10/1998 .

36.”
The Chanderis: Ottoman Grand Vizirs”, in Academic seminar given in Historical Society of the Ottoman Empire , Istanbul, Turkey 29/10/1998.



37ـ " ورقة مركزية في الرواية التاريخية والفن الروائي العربي "
ألقيت في الحلقة البحثية التي نظمتها جامعة آل البيت 20 / 12 / 1998 ( نشرت ضمن ملف خاص في مجلة البيان التي تصدرها جامعة آل البيت ، المجلد (2) ، العدد (2) ربيع 1999. ).

39ـ " الصورة الأخرى : حياة السيد جمال الدين الأفغاني من خلال وثائق جديدة " ،
ورقة بحثية ألقيت في ندوة السيد جمال الدين الأفغاني التي نظمها المعهد العالمي للفكر الإسلامي بالاشتراك مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم في الجامعة الأردنية 19 نوفمبر 1998 .

40.”
New Reading in Ottoman sources: The Childhood of Jamal al-Din al-Afghani in Iraq”, in Seminor : The Ottoman Empire: Biginings and Ends, University of Al al-Bayt, Jordan and Middle Eastern Studies, University of Manchester, England, 18-19/10/1999.

41ـ مداخلة شفوية في الملتقى العلمي الثالث لمؤسسة عبد الحميد شومان الذي عقد في الجامعة الهاشمية / الاردن يوم السبت 27/11/1999.

42ـ محاضرة " مستقبل الكتاب العربي : مقاربة في اشكاليات الواقع " في ندوة " الكتاب العربي بين الماضي والحاضر والمستقبل " التي نظمتها كلية الاداب والعلوم بالتعاون مع المكتبة الهاشمية بجامعة آل البيت يوم 6 /12/1999.

43- “
Security implications of the transition in national economies and political structures” in IISS Middle East Workshop (27-28 March 2000), Center for Strategic Studies, University of Jordan, Amman, Jordan and the International Institute for Strategic Studies (London).
44- " مدخل لفهم ظاهرة العولمة ومغزى تحدياتها السياسية والاقتصادية والثقافية ازاء العرب في الثلاثين سنة الاولى من القرن الحادي والعشرين " ، ألقيت في ندوة معهد بيت الحكمة بجامعة آل البيت / الأردن بعنوان : العرب وتحديات العولمة في مطلع الألفية الجديدة ، يوم الثلاثاء 9/5/2000 .
45ـ " مدخل في تحقيب أزمان النهضة العربية ومقاربة نقدية في جذور التنوير التاريخية " ، ألقيت في الندوة الفكرية لرابطة الكتاب الأردنيين ( هل استنفذت قضايا النهضة والتنوير العربية نفسها ؟ ) ، عمّان / الاردن للفترة 24ـ30 حزيران/ يونيو 2000 .

46ـ " نظرية المجايلة التاريخية : تحقيب جديد للتكوين العربي الإسلامي " ، محاضرة في اللجنة الثقافية لقسم التاريخ والآثار بجامعة الإمارات العربية المتحدة مساء يوم الثلاثاء 7/11/2000.

47ـ " عربيتنا عند فاتحة القرن الحادي والعشرين : من أجل استراتيجية تفكير لغوي عربي مبدع " ، ندوة التفكير الإبداعي واستراتيجيات تعليم اللغة في القرن الواحد والعشرين : الواقع والآفاق التي نظمتها وحدة المتطلبات الجامعية بجامعة الإمارات العربية المتحدة بالعين يوم 18/11/2000. ( نشرت في مجلة الرافد ، العدد 46 ، يونيو 2001 ).

48ـ " الديمغرافية التاريخية لمدينة القدس : من أجل فهم عميق لعروبتها ازاء مشروع التهويد " ، محاضرة وثائقية ألقيت في اللجنة الثقافية والعلمية بملتقى أسرة الجامعة ، جامعة الإمارات العربية المتحدة مساء يوم الاثنين الموافق 18/12/2000.

49ـ " الإمارات العربية المتحدة : التجربة الحضارية والتحولات التاريخية المعاصرة والانطلاق نحو المستقبل : رؤية معرفية في أساليب التفكير والتغيير والتطوير " ، بحث ألقي في المؤتمر العلمي الذي عقده مركز زايد للتراث والتاريخ في أبو ظبي للفترة 20-22 / 2/2001 .

50ـ " من أجل تفكير منهجي جديد في العلوم الانسانية والاجتماعية " مع ورقة بحثية ملحقة به عن التعليم الحر " ، ألقي في المؤتمر العلمي لكلية العلوم الانسانية والاجتماعية بجامعة الامارات العربية المتحدة يومي 4-5 /4/2001.

51ـ " النخب المغاربية في القرن العشرين : المفاهيم والادوار والمستقبل : اشكاليات معرفية في ثلاثة أجيال من المثقفين ورؤية مستقبلية لمستقبل القرن الحادي والعشرين " ، بحث القي في المؤتمر العلمي عن النخبة المغربية والذي عقدته مؤسسة التميمي للبحث والعلمي والمعلومات بتونس للفترة 1-3 ابريل 2001. ( نشر ضمن أعمال الندوة ).

52ـ " جيوستراتيجية الخليج العربي في القرن الحادي والعشرين " ، محاضرة ألقيت بالانكليزية في منتدى دراسات المستقبل يوم 30/7/2001.

53.
The Leadership of Sheikh Zayed 1971-2001”, Paper given in the 4th Conference of Zayed Centre for Heritage and History, Abu Dhabi, U.A.E., 18-20/ 3/2002.

54- " السيد جمال الدين الأفغاني : حفريات في وثائق " ألقي  في قسم التاريخ بجامعة الإمارات العربية المتحدة مساء يوم 12/2/2002.

55- " المشروع الحضاري العربي أداة للتكامل الثقافي " ، بحث القي في ندوة التكامل الثقافي العربي التي عقدها معهد البحوث والدراسات العربية لمنظمة الاليكسو في جامعة الدول العربية في 2002 وصدرت في كتاب حرره : د. عزالدين إسماعيل ، 2002 .

56- " العولمة : الموضوعي والذاتي في المشهد العربي الراهن " ، محاضرة القيت في الملتقى الفكري لمعرض الشارقة الدولي للكتاب في الشارقة 8 ديسمبر 2003 .

57- " مفهوم العولمة : المعنى والتأويلات " ، محاضرة ألقيت في كلية زايد في الإمارات العربية المتحدة يوم 3 مارس 2003 .

58- " المجال الحيوي والتطبيق من خلال الخرائط الفضائية " ، محاضرة القيت في كلية زايد في الإمارات العربية المتحدة يوم 3 ابريل 2004 .

59- " دراسة في الواقع السياسي العراقي جذوره ومستقبله " ، محاضرة القيت في منتدى المثقفين العراقيين مساء يوم 13 ابريل 2005 .

60- " بنية المجتمع العراقي : دراسة في تفكيك التناقضات " ، محاضرة ألقيت في غاليري الكوفة ، لندن 20 سبتمبر 2005 .

61. " الولادة القيصرية للعام 2006 : توقعات مستقبلية " ، محاضرة القيت في منتدى دراسات المستقبل في بوردو بفرنسا ، 22 ديسمبر 2005.

62- " بنية الثقافة العراقية : دراسة في الأجيال الراحلة " ، محاضرة ألقيت في مجلس العمل العراقي بابو ظبي ، 8 فبراير 2006 .



وللدكتور الجميل مشاركات على صعيد الندوات والحوارات الإذاعية والتلفزيونية منها مشاركته في :
برنامج حدود لمستقبل وفضائية أي آر تي والأردنية والمستقبل اللبنانية وال بي بي سي والجزيرة والتونسية والمغربية والجزائرية والسي ان ان والشارقة وابو ظبي والعربية والحرة عراق .. وإذاعة الكويت وإذاعة لندن وإذاعة مونت كارلو وإذاعة ابو ظبي وغيرها .


  كما حررّ صحيفة الأصداء المدرسية وكتب سلسلة مقالات في الصحف التالية منذ العام 1967 : الهدف الموصلية والجمهورية البغدادية والشرق الأوسط اللندنية والجمهورية الجزائرية والسفير اللبنانية والحياة اللندنية والرأي الأردنية والسياسة الكويتية والانترناشنال الكوريار الدولية . ..
كتب المقال الأسبوعي لكل من الصحف التالية :
1. المقال الأسبوعي ( تحت باب مزامنات ) في الزمان اللندنية 1998- 2004.
2. المقال الأسبوعي لجريدة النهار البيروتية 1998 – حتى اليوم .
3. المقال الأسبوعي لمجلة الأسرة العصرية 2002- 2005 .
4. المقال الأسبوعي لجريدة البيان الإماراتية 2003 – حتى اليوم .
5. المقال الأسبوعي لجريدة إيلاف الالكترونية 2004- حتى اليوم .
6. المقال الأسبوعي لجريدة الصباح البغدادية 2005- حتى اليوم .

 

 

 

    تتلخص رؤية الاستاذ الدكتور سيار الجميل للتاريخ ، في انه يعد التأريخ مصدر الهام لاندفاع الشعوب نحو إثبات الذات وإحراز التقدم، فلكل مجتمع تاريخه الذي يعتز  به سواء يحمل ايجابياته أو سلبياته، وليس هناك أي امة من أمم الأرض  تطمح للوصول إلى غاياتها وأهدافها المرسومة في التقدم والتطور وان لم تضع التاريخ ركيزة أساسية في صنع أجيالها المتعاقبة، وسواء كان ذلك التاريخ تاريخها بالذات أم تاريخ العالم كله، فللتاريخ دوره في تكوين أي جيل قوي.

          ويقول أن على الدولة والمجتمع أن يعملاً على استعارة دور التاريخ في التربية الوطنية كي يقف النشئ الجديد بشكل خاص والجيل الجديد بشكل عام على تجارب الأبناء  والأجداد في مراحل شتى من الأزمان، ومن الطبيعي أن يولد ذلك الشعور حاول من التواصل. ويحذر الدكتور الجميل من ما يسميه: (( مسؤولية انحرافات التاريخ في تدين الحاضر)) ويقول: إننا نجد اليوم حالات من استدعاء التاريخ ليكون أداة رهيبة في تفسيخ المجتمع، والرقص على جراحات الماضي، أو ليكون شاهد زور على الواقع المضني ، وفي هذه الحالة يتحول التاريخ إلى أداة ضارة بدل أن يكون خزين ذاكرة مشتركة ، ولا ينسى الدكتور الجميل من أن يقف عند ((ثورة المعلومات التي نشهدها اليوم، وكيف أنها تسحب أجيالنا إليها سحبا سحريا لتجعلهم جزءا من ثقافة عولمية متنوعة ومختلفة.. لن يجابهها الإنسان، وليس باستطاعة أداء دوره أن لم تكن لديه ثقافة أصلية، ومعرفة متمكنة ، وحيادية مجردة.. بتواريخه وعاداته وتقاليده وموروثاته،وكل تجاربه التي تمكنه من مجابهة المستقبل وتحدياته على امتداد القرن الجديد.. والقرن الحادي والعشرين...)) .

          ويفصل الدكتور الجميل في شرح المديات التي تسهم في توظيف التاريخ لربط المجتمع بمآثر ماضيه، ويبرز ضرورة معرفة استخدام المعلومات التاريخية الأقرب إلى الحقائق كجزء من المعرفة الأساسية من اجل تكوين رؤية مستقبلية لما ستؤول إليه الأوضاع..

          ويذهب الدكتور الجميل إلى أن ثمة اثنين فقط من الناس يشعران بأهمية توظيف التاريخ والإفادة منه وهما: التاريخ ،والمؤرخ، فصانع التاريخ لايستطيع المضي في عمله ووظيفته باتخاذ القرارات المصيرية مالم يقرأ التاريخ ويعرف ماكتبه المؤرخون في سجلاتهم.

          ويرفض الدكتور الجميل عملية تقديس  التاريخ ويعيب على مؤسساتنا الثقافية والإعلامية تمسكها بالمفاهيم الخاطئة عن الماضي وعن الزمن، وعن التاريخ ، بالذات، والتراث، ويصل إلى نتيجة وهي أن العرب ، للآسف لم يزالوا بعيدين في زماننا هذا عن (فهم التاريخ) بل عن (الاعتزاز بالذاكرة التاريخية) لذلك فهم يعيدون صنع المآسي لعدم استيعابهم الدروس من التأريخ .. وهذا مما يلقى على ،المؤرخين والمثقفين عموماً ،مسؤولية التذكير، باستمرار، بأهمية التأريخ في رسم خطوط الحاضر ،ومسارات المستقبل لابناءهم وأحفادهم.

     يقينا أن كتابات الأستاذ الدكتور سيار الجميل، تحتل مكانة متقدمة في المكتبة التاريخية العربية المعاصرة، لأنها تعد إضافة نوعية،ليس على صعيد التوثيق وحسب، وإنما على صعيد التفسير ،والتحليل، واستخلاص النتائج والدروس المفيدة، التي تعين على فهم الماضي، والتعامل مع الحاضر، واستشراف المستقبل ،وتلك هي المهمة الحقيقية للمؤرخ في وقتنا الراهن . 

المؤرخ شاكر صابر الضابط  1913 ـ1990

          منذ أن كنت طالبا في الدراسات التاريخية العليا في مطلع السبعينات من القرن الماضي ، تعرفت على الأستاذ شاكر صابر الضابط (1913 ـ1990) رحمه الله ، وكان مرة برفقة المؤرخ الكبير الأستاذ عبد الرزاق الحسني أثناء حضورهما المؤتمر الدولي للتاريخ الذي انعقد ببغداد سنة 1972 فاغتنمت وبعض زملائي وهم الأستاذ الدكتور عماد عبد الصاحب الجواهري ( رئيس جامعة القادسية حاليا ) والأستاذ الدكتور علي شاكر المولى ( الأستاذ في كلية القانون بجامعة كركوك حاليا) الفرصة والتقطنا صورة مع الأستاذين الحسني والضابط لازلت احتفظ بها وقد نشرتها مرة في جريدة الحدباء الموصلية عندما كنت اكتب عمودا بعنوان (التأريخ في صورة) .

     المهم أنني عندما تعرفت على الأستاذ شاكر صابر الضابط ، كنت اعلم بأنه من ضباط الجيش العراقي القدماء المولعين بالتاريخ والمهتمين به وكانت له في حينه بعض الكتب أتذكر أنني قرأتها في حينه ومنها كتابيه الشهيرين ( موجز تاريخ التركمان في العراق) و ( العلاقات الدولية ومعاهدات الحدود بين العراق وإيران ).

         ولد المؤرخ شاكر صابر الضابط سنة 1913 في مدينة كركوك وبحكم عمل والده الوظيفي ، فقد قضى شطرا من حياته في قضاء كفري وبعد أن اكمل الدراسة الابتدائية ، عاد إلى كركوك لمتابعة تحصيله العلمي في المدرسة المتوسطة والثانوية . ويبدو انه كان منذ صغره يميل إلى الحياة العسكرية متأثرا بابيه لذلك التحق بالكلية العسكرية وتخرج فيها برتبة ملازم ثان سنة 1938 وقد وصل إلى رتبة عقيد عندما أحيل على التقاعد سنة 1959 . وفي الجيش تنقل بين وحدات عسكرية كثيرة ، لكن صنفه كان (المخابرة) حتى انه شغل قبل تقاعده منصب آمر كتيبة مخابرة اللاسلكي .

     ينقل الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين في مقالته الموسومة ( شاكر صابر الضابط 1913 ـ1990 ) المنشورة في مجلة المؤرخ العربي ، العدد 56 ، 1998 انه كان يفتخر باستمرار بخدمته في الجيش العراقي الباسل وكان يقول ((أنا جزء من هذا الجيش الجبار ، واذكره في كل ضربات قلبي ، كما اذكره كلما فكرت في نفسي ، حيث أن اسمي مقترن بوسام الضابط الذي حصلت عليه نتيجة خدماتي الصادقة في صفوفه ثلاثين سنة )) . ومما يؤكد صدقه في محبة الجيش العراقي واعتزازه بهذا الجيش انه تطوع إلى جانب زملائه المتقاعدين ، عندما قامت الحرب العراقية الإيرانية ليحارب ذيادا عن حياض وطنه وشرفه وكرامته ، وليعزز إخلاصه وثبات موقفه الوطني النبيل .

    ذكر الأستاذ وحيد الدين بهاء الدين بان ولادة شاكر صابر الضابط كانت في مدينة كركوك سنة 1913. أما الأستاذ حميد المطبعي في ( موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين) ، الجزء الأول 1995 فيقول انه من مواليد مدينة العمارة سنة 1915 وأنا ارجح القول الأول بحكم الصلة الوثيقة التي كانت قائمة بين الضابط ووحيد الدين بهاء الدين .. كان شاكر صابر الضابط كاتبا وباحثا ومؤرخا ومترجما ومن هنا فقد نال عضوية الاتحاد العام للأدباء والكتاب واتحاد المؤرخين العرب وجمعية المترجمين في العراق . كما عمل في جمعية الصداقة العراقية ـ التركية وكان عضوا مؤسسا  ونشيطا ، شارك في مؤتمرات ثقافية عقدت خارج العراق ، وخاصة في بعض جمهوريات الاتحاد السوفيتي السابق ، وأذربيجان في مقدمتها ، وكانت له صلات مع أساتذة ومؤرخين ولغويين ومستشرقين كثيرين ، منهم على سبيل المثال فضلا عن الأستاذ عبد الرزاق الحسني ، الأستاذ المؤرخ عباس العزاوي والملا محمد الكركوكلي والدكتور حسين أمين والبروفيسور احمد اتش والأستاذ زكي وليدي طوغان .. وكان مما يجمعه مع هؤلاء اهتماماته التاريخية واللغوية وخاصة في مجال اللغة التركية التي كتب فيها بعض مؤلفاته ودراساته .. كما ترجم عنها كتبا مهمة ..

      تنقسم مؤلفات الضابط إلى قسمين ، أولها باللغة العربية وثانيها باللغة التركمانية .. ومن ابرز مؤلفاته باللغة العربية فضلا عما ذكرناه أعلاه كتابه

 ( تاريخ الصداقة بين العراق وتركيا ) (بغداد ،1955) وكتابه ( موجز تاريخ الصحافة في كركوك ) وكتابه ( تاريخ المنازعات والحروب بين العراق وإيران) وكتابه الكيل والميزان والمقياس في المدن العراقية في القرن التاسع عشر ) ، 1964 وكتاب الرموز والإشارات والعلامات في المطبوعات العربية ) 1968 .

      أما كتبه باللغة التركمانية فكثيرة منها كتابه ( كركوده / حيات/ اجتماعية) بغداد 1964 وكتابه ( عراق / تركمانلري /آغزنده/آتالرسوزي) 1961 وكتابه (بيات / عشيرتي /حقنده /تاريخي /اراشديرما)1965 وكتابه (عباسي اوردو سنده /تورك /قومانانلري)1965 .

     وقد ترجم للعلامة التركي شمس الدين كونالتاس كتاب ( التاريخ والمؤرخون في الإسلام) .. الذي راجعه الدكتور مصطفى جواد ونشر في حلقتين في مجلة الإخاء ( البغدادية) ( العددان 193 ـ194 بغداد 1988) والتي كانت تصدر عن نادي الإخاء التركماني ( تركمان قارد اشلق) .

    عمل الضابط كذلك في الصحافة ، حتى انه حصل على امتياز في 13 آذار 1963 لإصدار جريدة يومية سياسية باللغتين العربية والتركمانية بعنوان ( الغد) إلا أنها لم تستمر طويلا .. وفي الثالث من تموز 1963 حصل على امتياز إصدار مجلة شهرية باسم ( التراث الشعبي ) وقد صدرت لمدة سنة ثم احتجبت لاسباب مالية ومنذ الأول من آذار 1966 اصدر (63) عددا من جريدة ( العراق) ، والتي اهتمت بالتراث وكانت  تصدر باللغتين العربية والتركمانية وكان يعاونه في تحريرها اثنان من الأساتذة والباحثين الكبار هما الدكتور مصطفى جواد والأستاذ سالم الالوسي .

      حصل على وسام المؤرخ العربي يوم 2 تشرين الأول 1987 من اتحاد المؤرخين العرب تقديرا لكتاباته التاريخية الثرة ولاهتماماته البالغة في نشر الوعي بقيمة التاريخ والتراث .. ومما يؤكد ذلك إقدامه قبل وفاته بقليل إلى جعل مكتبته المؤلفة من قرابة تسعة آلاف مجلد وقفا عاما للباحثين والمؤرخين وطلبة الدراسات العليا . توفي رحمه الله صبيحة اليوم الحادي والثلاثين من كانون الثاني سنة 1990. 

     كان منهجه في كتابة التاريخ يقترب كثيرا من منهج المؤرخ عباس العزاوي ، فهو ، كما معروف ، ليس من المؤرخين الأكاديميين بل من المؤرخين الهواة ، وقد شكلت مؤلفاته وكتاباته التي اتسمت بالدقة والعلمية والوضوح والموضوعية مادة خام لكثير من المؤرخين الأكاديميين وطلبة الدراسات العليا الذين استفادوا منها استفادة كبيرة .

المؤرخة الدكتورة رمزية الاطراقجي (1928 ـ  ؟ )

     من المؤرخات الرائدات في العراق ، مؤرخة دؤوبة ومخلصة وتتمتع باحترام ومحبة الكثير من زملائها وطلبتها وقد عرفتها منذ أن كنت طالبا في جامعة بغداد بداية الستينات من القرن الماضي ، فهي موصلية وانا موصلي وكثيرا ما كنت اسعد عندما تتحدث عن الموصل فهي قد غادرت مدينتها منذ سنوات طويلة واستقرت بعد زواجها في بغداد وإكمالها لدراستها وتعيينها في قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد .

     الدكتورة رمزية محمد عبد الرحمن الاطرقجي ، ولدت في مدينة الموصل سنة 1928 ، واكملت دراستها الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ثم دخلت دار المعلمين العالية وحصلت على شهادة الليسانس في التاريخ ثم سافرت الى مصر ودخلت كلية الاداب ـ جامعة عين شمس ونالت شهادة الماجستير في التاريخ الاسلامي 1967 بدرجة جيد جدا عن رسالتها الموسومة : ((بناء بغداد في عهد أبي جعفر المنصور )) وبإشراف الاستاذ الدكتور حسن حبشي رحمه الله . وفي السنة الدراسية 1970 ـ 1971 حصلت على الدكتوراه من قسم التاريخ بكلية البنات ـ جامعة عين شمس وكانت اطروحتها بعنوان : ((الحياة الاجتماعية في مدينة بغداد منذ نشأتها حتى نهاية العصر العباسي الاول )) وباشراف الاستاذ الدكتور علي حسني الخربوطي رحمه الله .

       كتب عنها صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في الجزء الثاني من موسوعة (اعلام العراق في القرن العشرين) والذي طبع في دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1996 وقال عملت لفترة من الزمن وقبل إكمالها لدراستها العليا مدرسة .. في مدارس البنات الثانوية ثم اختيرت لتكون مفتشة تربويـة (مشرفة تربوية) اختصاصية . وبعد حصولها على الماجستير نقلت خدماتها من وزارة التربية الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فعينت مدرسة في قسم التاريخ بكلية الاداب / جامعة بغداد ومن ثم نسبت للعمل في مركز احياء التراث العلمي العربي لبضع سنوات ثم عادت للعمل في قسم التاريخ بكلية الاداب ، جامعة بغداد ،  وهي عضوة في جمعية المؤرخين والآثاريين العراقيين وعضوة في اتحاد المؤرخين العرب ..

      ليس من السهولة رصد ما كتبته ونشرته المؤرخة الدكتورة رمزية الاطرقجي ، لكن لابد من الإشارة الى أننا وضعنا أيدينا على بعض من إنتاجها العلمي .. ومن ذلك :

 1 .    نشرت رسالتها للماجستير في كتاب حمل عنوان الرسالة نفسها وهو ((بناء بغداد في عهد أبي جعفر المنصور ))  وقد ساعدت وزارة التربية على نشره وطبع في مطبعة النعمان بالنجف الاشرف سنة 1975 ويقع في 215 صفحة من القطع الكبير .

2 .    نشرت اطروحتها للدكتوراه في كتاب حمل عنوان الاطروحة نفسها وهو ((الحيـاة الاجتماعية في مدينة بغداد منذ نشأتها حتى نهاية العصر العبـاسي الاول ))   وطبع بمطبعة الجامعة ببغداد سنة 1982 ويقع في 385 صفحة من القطع الكبير .

3 .    حققت كتاب ابن الجزار القيرواني الموسوم ((الفروق بين الاشتباهات في العلل )) ونشرته جامعة بغداد سنة 1989 .

4 .    الفت كتاب بعنوان ((علماء تكريت عند ابن الغوطي )) ونشر ببغداد سنة 1919 .

5 .    نشر لها كتاب بعنوان ((ابن الساعي البغدادي مؤرخ من العراق)) ونشر ببغداد سنة 1991

6 .   لها بحث بعنوان ((بيت الحكمة البغدادي واثره في الحركة العلمية ، ونشر في مجلة المؤرخ العربي التي يصدرها اتحاد المؤرخين العرب (العدد 14 ، 1980)

7 .   كما ان لها بحث بعنوان ((شهيرات نساء العراق الاموي)) نشر في مجلة المؤرخ العربي (العدد 15 ، 1980)

8 .    ونشرت لها مجلة المؤرخ العربي ، في العدد (39) السنة (15) ، 1989 دراسة مهمة بعنوان ((نشاط العرب البحري في البحر المتوسط)) .

      وفي البحث الاخير ، أثبتت ان العرب ، على عكس ما يقال ، كانوا على دراية واسعة بأمور البحر ولم يكونوا (شعب صحراء) وحسب وقالت ان هناك معلومات وحقائق ووثائق تؤكد نشاط العرب البحري ، وان هذا النشاط كان قديما ، وما اخبار الفينقيين وملاحتهم ببعيدة عن الاذهان ، فقد بنوا مستعمرات تجارية وموانيء بحرية على امتداد السواحل الشمالية . كما ان الملاحة البحرية في اليمن وسواحل الخليج العربي والبحر العربي والمحيط الهندي كانت بيدهم ، وانهم سيطروا على التجارة في تلك المناطق زمنا طويلا وذلك لمعرفتهم بشؤون البحر واتجاهات الريح التي كانت الاساس في حركة الملاحة وتوجيهها .. واضافت ان اخبار الملاحة البحرية العربية تملأ العشرات من المصادر فحينما كان البحر وسواحله كانت الملاحة العربية تجوب آفاق تلك البحار سواء في حدودها الاقليمية العربية ، او خارج هذه الحدود . وقد اوردت الدكتورة الاطرقجي ، الشيء الكثير من المعلومات حول تلك النشاطات والمعارك البحرية والتي كان من نتائجها فتح قبرص وجزيرتي رودس وارواد فضلا عن محاولاتهم المتكررة لفتح القسطنطينية .

     لقد تعددت اهتمامات المؤرخة الدكتورة رمزية الاطرقجي ولكنها في كل الاحوال ركزت على ابراز اسهامات الحضارة العربية والاسلامية في الحضارة الانسانية فحين اهتمت بالتاريخ لبغداد في بواكير انشاءها فلأنها كانت تعتقد ان بغداد ((شغلت في غابرها وحاضرها جزءا من اهتمام الباحثين والدارسين عربا وغير عرب ، فبحثوا في نشأتها ودرسوا اسباب عظمتها ورقيها ونسج خيال البعض منهم القصص والاساطير من جوانب حضارة هذه المدينة العظيمة حتى اختلطت كثير من الحقائق بالكثير من المبالغات واصبح من العسير على طلاب الحقيقة التاريخية التمييز بين الواقع والخيال )) . واضافت بان ((امتداد عظمة بغداد قد استمر طيلة القرون التي تلت بناءها ، مرورا بعهد ازدهارها وتعريجا على فترات الهجمات الشعوبية التي تميزت هي الاخرى باهميته التاريخية ، لما حوت في بواعثها وغاياتها من اهداف )) لم يكن القصد منها سوى التقليل من قيمة المنجز الحضاري آنذاك .  ومما اكدته الدكتورة الاطرقجي ان اختيارها لموضوع بناء بغداد جاء بسبب ادراكها اهمية الكشف عن ان بناء هذه الحاضرة كان مقدمة لنتائج بالغة الاثر والخطر في حياة الامة العربية والاسلامية في تلك الحقبة التاريخية وما تلاها حتى الان ، وكان من الطبيعي ان تتحرى الدكتورة الاطرقجي عن العوامل التي سبقت فكرة بناء العاصمة وانسجام ذلك مع متطلبات التقدم في مجال العلاقات الاجتماعية والثقافية والسياسية وضمن نطاق الدولة ذاتها او في علاقاتها مع شعوب ودول اجنبية اخرى .. وتقف عند حقيقة مهمة وهي ان اختيارها لموضوعها لم يكن تحيزا اقليميا ، بل لقناعتها ان تاريخ بناء بغداد يعد بداية حقيقية للتاريخ العربي والاسلامي المتصاعد ونقطة انطلاق لنهضة علمية وفكرية كان لها اثرها الانساني الفاعل .

       واستكمالا لموضوع الاهتمام بالتاريخ لبغداد ، حرصت الدكتورة الاطرقجي على دراسة الحياة الاجتماعية في هذه المدينة منذ نشأتها حتى نهاية العصر العباسي الاول والممتمد من سنة 132هـ حتى سنة 232هـ(749 ـ845م) ـ . ويعد العصر العباسي من ابرز عصور تاريخ الدولة العربية الاسلامية ((فقد شهد اوج مجدها وقمة حضارتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية)) .

        تؤكد الدكتورة الاطرقجي بان الحضارة كلا لايتجزأ ، ووحدة شاملة ، وان الحياة الاجتماعية هي احدى جوانب هذه الحضارة ، تمتزج بالجوانب الاخرى ، وتتفاعل معها وتتأثر بها وتؤثر فيها ، لذا اهتمت بدراسة العوامل المؤثرة في هذه الحياة وابرزت مسألة مهمة وهي ان ((استتباب الامن ، واستقرار الاوضاع السياسية يؤدي الى توفر ظروف قيام الاصلاح الاجتماعي والعناية بحياة المجتمع وتحقيق الرفاهية الاجتماعية ، كما ان الصراع السياسي غالبا ما يؤدي الى صراع اجتماعي يفتت وحدة المجتمع ، ويبعثر جهود ابناءه )) واذا كانت للحياة السياسية والاقتصادية اثرها في الحياة الاجتماعية ، فللحياة الدينية والفكرية اثرها الواضح ايضا )) .

      ولم تنس الدكتورة رمزية الاطرقجي ان تؤكد ((بان الصراع بين العرب والفرس ترك معالما واضحة في حياة المجتمع البغدادي )) ولغرض فهم المجتمع البغدادي والمجتمع العراقي عامة ، فهما تاريخيا صحيحا ، فان معرفة تركيبة السكان وفئاتهم لابد وان تعطي صورة واضحة عن ذلك ومن هنا درست الدكتورة الاطرقجي سكان بغداد ووضعت معايير دينية وقومية وطبقية كأسس مهمة للدراسة وتوصلت الى نتيجة مفادها ان المجتمع العراقي مجتمع تعددي ، وان التسامح الديني والقومي لم يكن ابرز ما يميزه فحسب بل كان من العوامل المهمة في ازدهاره وارتقاءه فليس ثمة فوارق بين الناس ، وليس ثمة ما يحول ((دون توفر فرص العمل المربح والارتقاء والتغير الاجتماعي )) وتلك عوامل شجعت ، كما تقول الدكتورة الاطرقجي على الصفحة (229) من كتابها الحياة الاجتماعية في مدينة بغداد منذ نشأتها حتى نهاية العصر العباسي الاول ، ((بدورها على هجرة العناصر الكفوءة النشيطة ، بمن فيهم الصناع المهرة  من مختلف الاجناس والاعراق اشتغلوا في بناء المدينة المدورة بل ان بغداد حوت احياء كاملة سميت باسم هذه الاجناس )) .  وقد دفعت هذه الحقيقة الاستاذ الدكتور فيصل السامر ، المؤرخ العراقي المعروف ، في مقال له نشر في مجلة المؤرخ العربي ، العدد

 (17) ، لسنة 1981 بعنوان  : ((نهضة التجارة العربية في العصور الوسطى الاسلامية )) لان يقرر بان بغداد تصلح انموذجا للنهضة الحضرية في العالـم الاسلامـي الوسيط .

    لقد اهتمت الدكتورة الاطرقجي بالمرأة وافردت لها مباحثا عديدة ، وتحدثت عن مشكلة الحجاب والاختلاط ودور المرأة في الحياة الاجتماعية والسياسية والفكرية والفنية ووقفت عند شهيرات النساء في العصر العباسي الاول وقالت ان المرأة تمتعت في مجتمع بغداد بمركز ممتاز ، فاشتغلت بعض النسوة بالسياسة وبعضهن بالتجارة ، واتجهت اخريات الى العلم والادب .

      تعد الدكتورة رمزية الاطرقجي من المؤرخات اللواتي اهتممن بالتاريخ الاجتماعي مع انه يعد من اصعب الموضوعات التاريخية ، خاصة وان المصادر المتداولة لاتخصص كتبا لدراسة الجوانب الاجتماعية بل تركز اهتمامها على الاحداث السياسية وخاصة تواريخ الخلفاء ، ولذا فان موقع الدكتورة الاطرقجي في المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة يعد ، بنظرنا ، متميزا كما ان كتاباتها وبحوثها ودراساتها المنشورة في بطون الكتب بين طيات الصحف والمجلات ستظل مصدرا مهما من مصادر التاريخ الاجتماعي العربي الاسلامي .  

 المؤرخ الدكتور زكي صالح ( 1908 ـ 1986 )

     من مؤسسي المدرسة التاريخية العراقية الحديثة ، التي عرفت برصانتها ، ودقتها ،  وجديتها ، وحياديتها ، وموضوعيتها . تشرفت بالتلمذة على يديه حينما كنت طالباً في قسم التاريخ بكلية التربيـة، وقد اقتصر في تدريسي وثلاثة من زملائي في قسم الشرف للسنتين الأخيرتين 1965 ـ 1966 و 1966 ـ 1967 . وكانت محاضراته في السنة الأولى تدور حول ما كان يسميه هو ( أصول التاريخ ) ، أما السنة الثانية فكانت عن القضية الفلسطينية والصراع العربي الاسرائيلي . خلال سنوات بقائي في كلية التربية لم أرَ استاذاً يشبههه في علمه ، وأخلاقه ، وسعة نظرته إلى التأريخ ، والحياة ، والانسان والكون .. ، كانت المواد الدراسية في قسم التاريخ ، وخلال السنوات الأربع آنذاك تركز على التاريخ ( بالألف اللينة ) ، لكن أستاذنا الدكتور زكي صالح علمّنا في قسم الشرف أن المهم هو ليس التاريخ ( بالألف اللينة ) بل التأريخ ( بالهمز ) .. فذاك الماضي البشري وهذا دراسة وتحليل الماضي ..

      ولد الأستاذ الدكتور زكي صالح ببغداد سنة 1908 ، وأكمل دراسته الثانوية فيها سنة 1927، واختير بعد أن كان تسلسله ( الطالب الثاني ) على مدارس العراق الثانوية كافة في الفرع الأدبي ، ليكون ضمن البعثة العلمية التي أُرسلت إلى بيروت بلبنان للدراسة في الجامعة الأمريكية هناك . وفي سنة 1930 ، حصل على البكالوريوس في التأريخ ، وقد عاد إلى العراق ليعمل مدرساً في بعض المدارس الثانوية في بغداد والبصرة والنجف . ولم يبق طويلاً إذ أرسلته وزارة المعارف ( التربية ) في بعثة علمية إلى جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية فحصل على الماجستير سنة 1939 ، ثم الدكتوراه سنة 1941 عن رسالته الموسومة " منشأ النفوذ البريطاني في بلاد ما بين النهرين " وبإشراف المؤرخ الكبير الأستاذ ( كارلتون هيز ) صاحب المؤلفات الشهيرة في التاريخ الأوربي الحديث. وقد عاد الدكتور زكي صالح إلى بغداد،  ليعمل في التدريس ثم في التفتيش (الاشراف) التربوي الاختصاصي في وزارة المعارف ( التربية ) وبعدها صار مدرساً ثم استاذا مساعداً واستاذاً في دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد)ورئيساً لقسم العلوم الاجتماعية ورئيساً لدائرة التاريخ في جامعة بغداد ، وقد ظلّ كذلك حتى سنة 1968 حينما ارتأى احالة نفسه إلى التقاعد والتفرغ للبحث والتأليف .

      عمل استاذاً زائراً في جامعة كولومبيا ( مدينة نيويورك ) للسنتين 1953 و 1954،ثم استاذاً زائراً في جامعتي اكسفورد وكمبردج خلال السنتين1961 ـ 1962 ، وقد مثّل العراق في منظمة اليونسكو، وانتخب ممثلاً لدول الشرق ونائباً لرئيس الدورة . كما مثّل العراق في مؤتمر السلم العالمي الذي انعقد في دلهي سنة 1950 وعمل استاذاً محاضراً في معهد الدراسات الاسلامية في مصر ، واستاذاً محاضراً في جامعة براغ
( جيكوسلوفاكيا السابقة ) .

              من مؤلفاتـه :

1 ـ  فلسطين والتقرير الانكليزي والأميركي لعام 1946 ، نقد وتعريب ، وطبعه في
       القاهرة ، 1947 .

2 ـ  موجز تاريخ العراق ، 1949 .

3 ـ  مقدمة في دراسة العراق المعاصر ، 1953 .     

4 ـ  بريطانيا والعراق حتى عام 1914 وهو دراسة في التاريخ الدولي والتوسع
       الاستعماري
، 1968 .

5 ـ  رحلته إلى الهند ، 1950 .

      هذا فضلاً عن عدد كبير من البحوث نشرها في مجلات عراقية وعربية وأجنبية .   

       تصدى الدكتور زكي صالح للدفاع عن آراء المؤرخ البريطاني ( آرنولد توينبي / توفي 1978 ) عندما هاجمه ( تريفور روبير ) وهو أستاذ ( يهودي ) في جامعة اكسفورد خاصةً بعد أن أكد على حقوق العرب في فلسطين ، وقد ألّف الدكتور زكي صالح كتاباً في هذا المضمار وذلك بعنوان : " هجوم تريفور روبير على توينبي : أسلوب من الفوضى الفكرية "chaos  intellectual طبع في مطبعة المعارف ببغداد سنة 1958 .

    كتب تلميذه الأخ الأستاذ الدكتور الصديق المؤرخ صالح محمد العابد مقالة عنه في مجلة المؤرخ العربي ، ( العدد 56 ، 1998 ) جاء فيها " أن الدكتور زكي صالح قد غرس في ذهنه وهو يجتاز خطواته الأولى في دراسة التاريخ وتفسيره ، حب الحقيقة والإبتعاد عن التحيز ورفض الأحكام المسبقة الجاهزة التي تلغي الفكر وتبعد الاجتهاد وتحيل الإنسان إلى صدى يردد ما يسمع أو يعيد ما تلقاه دون تأمل أو رأي أو موقف "، وأضاف أن الدكتور زكي صالح كان يتمتع بشخصية قوية ، وثقة عارمة في النفس ، وقال : " لقد تعلمت منه أن الكلمة مسؤولية ، لذا يجب أن لا ندوّن نصاً،أو نُصدر حكماً إلاّ بعد مخاض وتمحيص وتوجس .. وأن  البحث لا يكتمل إلاّ بعد قناعة كاملة بحقائقه وتوافر مقوماته كلها ، فإذا ما عدت إليه بعد وقتٍ ، طال أو قصُر ، فإنه لن يُوّلدَ احساساً بأن تغييراً ما يجب أن يتم أو أن ضعفاً يُزال أو ثغرة تسد " وطبقاً لذلك ، كـان الدكتور زكي صالح يؤكد بأن ( البحـث ) لا يكتمل إلاّ بعد أن يمر بأربع مسودات Drafts في الأقل ، كل واحدة منها تفصح عن موقف المتأمل المدقق حتى تعانق شكلها النهائي .

      كان الدكتور زكي صالح يضع نصب عينيه جمع الحقائق المتصلة بالموضوع ، ويمنح كل جزء منها أهمية كاملة ، مراعياً الأمانة المطلقة ، مبتعداً عن ميوله الخاصة ، وفوق هذا وذات ،حرص أستاذنا الدكتور زكي صالح على التأكيد لنا بأن أسلوب عرض المادة مهم وينبغي أن يحظى بالاعتبار ، وإذا ما أردنا أن نقف عند عباراته في الكتب التي ألفها نجد أنه كان يعنى بالأسلوب تعبيراً وتكثيفاً وتماسكاً ، ومن الصعوبة جداً حذف ليس سطر مما كتب بل قل كلمة واحدة ، ويكاد مصطلح ( الجامع المانع ) ينطبق على كتابات زكي صالح ..

      كان أستاذنا بارعاً في انتقاء الكلمات والمفردات والمصطلحات ،وكما قال الدكتور العابد أن ( الدقة ) عند الدكتور زكي صالح ترادف عنده ( الوضوح ) .. لقد عني حتى بدقة عنوان ما يكتب على ان " لا يخرج البحث ، حتى في مفردة من مفرداته عن ذلك العنوان ، فالكل عنده مسبوك متماسك يؤطره فكر نظيف وحرص على تسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية " كـان بارعاً في اقتباسـاته التي تضفي على ما يكتـب الكثير من الحيوية ، ولا زلت أتذكر بأنه كان معجباً بكتاب المؤرخ البريطاني المعروف جفرز والموسوم : " فلسطين : الحقيقة " والذي تُرجم إلى العربية قبل سنوات ، وقد سمعت منه أن هذا الرجل كان موضوعياً ومنصفاً في دراسته للصراع العربي ـ الإسرائيلي ، لهذا واجه الكثير من العنت والإهمال .

     وينطوي كتابه " مقدمة في دراسة العراق المعاصر " الذي طبعته مطبعة الرابطة ببغداد سنة 1953 والذي ألفه بعد أن قدمت له مؤسسة روكفلر منحة سخية ، على الكثير من الآراء القيمة والمبادئ العلمية التي تجعل من مادة ( التاريخ ) أداة للبناء و " تحسين أحوال البشرية " ووسيلة للتفاهم الدولي . وقد أكد في التمهيد على أن " التقدم الجدي في دراسة العراق المعاصر يستوجب البحوث الأصيلة التي لم تتوفر لدينا بعد
( 1953 ) والمعاهد العالية هي المراكـز الملائمة بين ظهرانينا للبحـوث الأصيلـة فـي مراحل الاختصاص التي يجب انشاؤها " .

       ومن حسن الحظ أنه قدّم في نهاية كتابه وصفاً للبحوث الأصيلة Original لاعتبار أن الأصالة شرط أساسي لنيل الشهادات العالية في مختلف الجامعات " ودليلاً على رفعة الانتاج العلمي خارج هذه المعاهد " . والانتاج الأصيل في رأيه هو " الانتاج المبتكر ، الذي يمتاز بالصواب أو الاقناع ، أو أن يكون أقرب ما هنالك إلى الصواب أو إلى الاقناع والذي يذلل عقبات كبيرة في سبيل الفهم والاستيعاب ، أو في سبيل البحث والاستقصاء ، ثم أن استناد الأصالة قد يكون إلى خبرة عملية ، أو دراسة استقصائية ، أو فكرة مبتكرة ، أو عرض مبتكر ، أو تنسيق خطير ، أو إلى مجموعة من هذه الصفات " .

      والدكتور زكي صالح هو من الأساتذة الرواد ليس في العـراق وحسب ، بل وفي العالم العربي كله ، الذين دعوا إلى إنشاء دور للوثائق والسجلات الرسمية Archives، كما أنه كان من أوائل الذين رحبوا بإنشاء معهد الدراسات العربية العالية الذي اقترحه رئيس وفد مصر في جامعة الدول العربية وتأسيسها بعد ذلك سنة 1953 ، وكان رحمه الله ، يرى بأن هدف التاريخ ليس علمياً وحسب ، بل ووطني وتربوي كذلك .. والكتاب التاريخي الجيد ، بنظره ، هو ذلك الكتاب الذي " يقصد من دراسة إثارة التفكير " . 

    انتقد الأستاذ الدكتور زكي صالح السياسة البريطانية في العراق ، وقال بأنها انطوت على خطر جسيم " فتأييد سلطان الشيوخ ، والاحتفاظ بالكيان العشائري ، وما يتبعه من الاحتفاظ بنظام دعاوي العشائر ، ان ذلك كله يقف حجر عثرة في سبيل توحيد القضاء وتوحيد الولاء للوطن بدلاً من القبيلة ، ويحول دون تطبيق النظم الديموقراطية ، كما أنه ويعنى صراحةً على عكس التطور المعلوم في مضمار المدينة " .

    وعندما نشبت ثورة 1920 الكبرى وأرخ لها بعض القادة والمسؤولين البريطانيين ، قال الدكتور زكي صالح بأن هؤلاء عملوا على الانتقاص من الهدف الوطني في الثورة وذلك عند تصويرهم الثورة بأنها حركة عصيان واسعة النطاق ، قضي عليها وانتهى أمرها بعد أن استفحلت ردحاً من الزمن ، وأضاف " والنظرة هذه ليست ضيقة فحسب ، بل انها تدل على جهل أو تجاهل في تفهم قضايا التاريخ " .

    وقد استغل الدكتور زكي صالح هذه الواقعة ليؤكد بأن للأسلوب التاريخي في البحث  Historical Method قواعد محكمة ، وتعاليم مفصلة ، نمت بمرور الزمن على أيدي جمهرة من المؤرخين المحدثين ، حتى أنها أصبحت علماً قائماً بذاته ،مدوناً في تصانيف قيمة ، وإلى جانب ذلك توجد علوم أخرى ذات علاقة وثيقة باعـداد المؤرخين ، نذكر منها ما يعرف بتأريخ التأريخ   History  of  History الذي نلاحظ فيه نمو الكتابات التاريخية وتطورها عند مختلف الأمم وفي شتى المواضيع .

      ويذهب الدكتور زكي صالح في تفسير التاريخ  مذهب المؤرخين الذين يحفظون التوازن بين أثر العوامل الجغرافية والاقتصادية والدينية والعوامل الأخرى في مجرى التاريخ " ، ويقول : أن للنوابـغ من الناس أثرهم البليـغ في شؤون الانسان وللمصالح الاقتصادية أيضاً فعلها البليغ ، وهنالك غير هؤلاء من الذين يشيرون إلى انهماك المرء في أمر معاشه ، ممن لهم آراء في الموضوع لا تخلو من الصواب ، مثل الاعتداد بالعوامل النفسية ، باعتبار العواطف والغرائز وما إليها من القوى الكامنة في الانسان إنما هي ذات أثر فعال في حياة الأفراد والجماعات .

      ويختم كلامه بالقول : " إذا ما كان الاتزان ضرورياً في تقدير العوامل المؤثرة في حياة البشر ، فإن لبعض العوامل أرجحية على البعض الآخر في عصر من العصور أو في قطر من الأقطار " .

      في الثاني عشر من شباط / فبراير سنة 1986 توقف قلب استاذنا الفاضل الدكتور زكي صالح ، وأسلم الروح إلى بارئها بعد أن ترك بيننا من كتب وبحوث وذكريات ما يجعلنا ليس فقط نذكره ، بل وندعو طلابنا وأولادنا وأحفادنا إلى الاقتداء به عالماً وباحثاً ومؤرخاً وانساناً .

المؤرخ الدكتور صالح أحمد العلي 1918 ـ 2004

       أجاب أحد النقـّاد على سؤال يتعلق بأبرز ما أنجزه العرب في القرن العشرين ، فقال : " ما قدمه مؤرخان عراقيان هما عبد العزيز الدوري وصالح أحمد العلي " . والأستاذ الدكتور صالح أحمد العلي ، رحمه الله ، مؤرخ ، ومرب ، وباحث من الطراز الأول ، كان آخر ما تولاه من من مناصب قبل وفاته ، رئاسته للمجمع العلمي العراقي أعلى هيئة أكاديمية علمية عراقية . 

      في سنة 1989 فاز الدكتور العلي بجائزة الملك فيصل العالمية ، وجاء في حيثيات منحه الجائزة أن الدكتور العلي يستحق الجائزة لتفوقه الرائع على جميع المؤرخين العرب والمسلمين في غزارة ، وجودة ما أنتج من دراسات رائدة ومعتمدة . عرفته منذ أن كنت طالباً في كلية التربية أبان الستينات من القرن الماضي،وأقتربتُ منه في دراستي العليا،حيث كان يرأس قسم التاريخ بكلية الآداب ، جامعة بغداد ، في أواسط السبعينات من القرن الماضي ، وقد أُعجبت به ، وبفكره الوقاد ، وبحرصه ، وجديته ، ونظرته الثاقبة لأحداث التاريخ ، وفوق هذا وذاك صدقه ، وتواضعه ، وحبه لطلبته وزملائه ، وثقافته الموسوعية التي أفدنا منها كثيراً .

      ولد في مدينة الموصل سنة 1918 ، وأكمل فيها دراسته الابتدائية والمتوسطة ، ثم تابع دراسته في بغداد حيث التحق بدار المعلمين الابتدائية وبعدها في دار المعلمين العالية ، وقد حصل على شهادة الليسانس منها سنة 1941 .

      اشتغل بعد تخرجه مدرساً في متوسطة البصرة ، وفي المتوسطة الغربية ببغداد . وقد اختارته وزارة المعـارف ( التربية ) ليكون ضمن بعثتها العلمية التي أرسلتها إلى جامعة فؤاد الأول ( جامعة القاهرة ) 1943ـ1945،وقد حصل على الماجستير منها ، ثم أكمل دراسته في جامعة إكسفورد وحصل على الدكتوراه سنة 1949 ، وكان مشرفه المستشرق الانكليزي المعروف السر هاملتون جب Gibb ، ولمّا عاد إلى بغداد عيّن في كلية الآداب بجامعة بغداد ، وقد رقي إلى مرتبة الأستـاذية سنة 1955 ، وعيّن رئيساً لقسم التاريخ أكثر من مرة ، كما عمل عميداً لمعهـد الدراسات الإسلامية العليا بجامعة بغـداد 1963 ـ 1968 ورئيساً للمجمع العلمي العراقي منـذ 1978 وحتى 2001 . درّس في جامعات عربية وعالمية عديدة منها جامعة هارفرد ( 1956 ـ 1957 ) ، وحرر في موسوعات عالمية منها ( الموسوعة البريطانية ) و ( دائرة المعارف الاسلامية ) وكتـبَ مواداً كثيـرة في هاتيـن الموسوعتين منهـا المواد ( عريف ) و
( البطائح ) و ( دير الجماجم ) و ( عوانة بن الحكم ) .

     كانت اطروحته للدكتوراه عن ( التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في القرن الأول الهجري1954 ) وقد نشرت .كما طبع كتاباً بعنوان : ( محاضرات في تاريخ العرب ) ، وقد ظلَّ كتاباً منهجياً ومساعداً في الجامعات العراقية منذ سنة 1955 وحتى يومنا هذا .

      وفي سنة 1983 نشر له في بيروت كتابه : ( دراسات في تطور الحركة الفكرية في صدر الاسلام ) ، ومن كتبه كذلك : ( الدولة في عهد الرسول محمد r ) و
( المعالم العمرانية في مكة المكرمة ) .
      نشر بحوثاً عن ( خطط البصرة ) و ( خطط بغداد ) و ( أحكام الرسول محمد
r  في الأراضي المفتوحة ) و ( استيطان العرب في خراسان ) و ( ما ساهم به العرب في المائة سنة الأخيرة في دراسة تاريخ الأدب العربي )

      كما ترجم كتباً عديدة ، منها محاضرات الأستاذ ستيفن رونسيمان عن " المدينة البيزنطية ) و( الحروب الصليبية )، كما ترجم لأرنست رامزاور كتابه ( تركيا الفتاة )   ولروزنثال كتابه ( علم التاريخ عند المسلمين ) .

      يرفض الدكتور العلي الأفكار المسبقة عند كتابة التاريخ وفلسفته في تفسير التاريخ تقوم على أساس أن لكل حادثة تاريخية أسباب متعددة ودوافع معقدة ، كما أن نتائج كل حادثة قد تباين نتائج غيرها ، فقد تكون نتائجها متعددة أو محدودة كبيرة أو بعيدة المدى بعضها ظاهر سهل إدراكـه وبعضها خفي يتطلب ذكاء وفطنة لكشفه وإظهاره . ويرى الدكتور العلي أن تاريخ العراق كـان ولا يزال موضع اهتمام واسع منذ أقدم الأزمنة ، وان كثيراً من الأمم والشعوب قد اقتبست من حضارته وأفادت من إبداعاته ، وقد توسع في توضيح ذلك من خلال اسهامه مع كـل من الدكتور عبد العزيز الـدوري والدكتور جعفر خصباك والدكتور ياسين عبد الكريم في تأليف كراس أصدرتـه جمعية المؤلفين والكتّاب العراقيين ببغداد سنة 1959 بعنوان ( تفسير التاريخ ) أكد فيه اهتمام الانسان العراقي بدراسة الماضي منذ العصور القديمة .  

        أسهم الدكتور العلي في مشاريع وزارة الثقافة والاعلام العراقية ابان الثمانينات من القرن الماضي ، والتي اهتمت بالتاريخ منها : ( العراق في التاريخ ) و ( حضارة العراق ) و ( العراق في مواجهة التحديات ) و ( الجيش والسلاح ) وله مقالات وبحوث عديدة في أهمية إعادة كتابة التاريخ وآليات ذلك . كتبتُ عنه مقالة في جريدة فتى العراق الموصلية ( العدد 35 الصادر في 25 حزيران 2004 ) بعنوان ( الدكتور صالح أحمـد العلي وكتابة التاريـخ ) قلت فيها : أن الدكتور العلي خـدم ، من خلال التاريخ ، وطنه وأمته والانسانية جمعاء . كان عضواً في مجامع وهيئات ومجلات ومؤسسات علمية عديدة منها عضويته في المعهد الأسباني العربي في مدريد ، وعضويته في الجمعية الاركيولوجية في الهند ، وقد ترجم الكثير من أعماله إلى لغات متعددة . توفي ، رحمه الله ، في مطلع سنة 2004 .

المؤرخ الدكتور صالح محمد العابد  1935 ـ2006

      مؤرخ ، وباحث ، وأستاذ جامعي مرموق ، اخترمه الموت يوم 30 أيلول 2006 ، بعد مرض عضال عانى منه كثيرا  . و قد عرفت الدكتور العابد ، رحمه الله ، منذ السبعينات من القرن الماضي ، إنسانا فاضلا وصديقا عزيزا وباحثا دؤوبا ، ومؤرخا ثبتا حريصا على علمه ووطنه وامته . وقد اشتهر بين زملائه بدماثة خلقه وبجديته ونشاطه الجم .

      ولد سنة 1935 في بغداد ، واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ، ثم التحق بدار المعلمين العالية ، والتي تسمى اليوم بكلية التربية / جامعة بغداد وحصل على الليسانس ( البكالوريوس) في الاجتماعيات ( التاريخ) ، وبعدها مارس التدريس مدرسا لمادتي التاريخ والجغرافية في عدد من مدارس العراق المتوسطة والثانوية العراقية . ولم يكن من الذين يكتفون بما حصلوا عليه من شهادة ، فأصر على مواصلة دراسته ولم تتيسر له فرصة السفر إلى خارج العراق بسبب الظروف التي سادت العراق إبان الستينات والسبعينات من القرن الماضي ، لذلك التحق بالدراسات العليا داخل العراق ودخل كلية الآداب بجامعة بغداد وحصل على الماجستير سنة 1974 في التاريخ الحديث وكانت رسالته بعنوان ((دور القواسم في الخليج العربي))

   ثم  حصل على الدكتوراه عن أطروحته الموسومة ((موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي 1798 ـ1801 )) والجدير بالذكر أن الأستاذ الدكتور عبد القادر اليوسف ، وهو أستاذي المشرف في الماجستير ، قد اشرف على رسالته للماجستير وأطروحته للدكتوراه والأستاذ اليوسف أستاذ قدير ، ومتمكن وله كتب مشهورة في عالم التاريخ الحديث . وقد سبق أن حصل على الدكتوراه من الولايات المتحدة الأمريكية أواخر الخمسينات من القرن الماضي .

    قال صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعته ( أعلام العراق في القرن العشرين) وتقع في ثلاثة أجزاء والمطبوعة ببغداد في أواسط التسعينات من القرن الماضي عن الدكتور صالح محمد العابد ، انه باحث في التاريخ ، كتب عنه الدكتور جون كيلي الأستاذ البريطاني المتخصص بتاريخ الخليج العربي المعاصر . كما كتب عنه الأستاذ الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى وهو من ابرز أساتذة التاريخ الحديث في جامعة القاهرة .

     اشرف الدكتور العابد على الكثير من رسائل واطروحات الدراسات التاريخية العليا في جامعة بغداد وفي معهد التاريخ العربي التابع لاتحاد المؤرخين العرب وتخرج على يديه طلبة كثيرون ، وصل بعضهم اليوم إلى مرتبة الاستاذية منهم طاهر خلف البكاء واسعد محمد زيدان الجوادي واسيل عبد الستار وانعام مهدي السليمان ومحمود عبد الواحد محمود القيسي وباسم حطاب حبش الطعمة ، وحنا عزو بهنان ، وخليل إبراهيم صالح المشهداني ، وجاسم محمد هادي القيسي ، ونايف محمد حسن الاحبابي ، ونذير جبار الهنداوي ، وبشرى محمود صالح الزوبعي ، وأنيس عبد الخالق .. وسحر احمد ناجي ، ورياض جاسم حسن الاسدي  وعبد المجيد عبد اللطيف العاني وعمر محمد جعفر قراحلة . وتدور تلك الرسائل والاطروحات حول موضوعات متنوعة تدلل على سعة أفق ومعرفة الدكتور العابد وتشعب اهتماماته .. منها على سبيل المثال العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية 1925 ـ 1945 ، أزمة مراكش الأولى 1905 ـ1906 ، حكم الشيخ خز عل في الاحواز 1897 ـ1925 ، السلطان عبد الحميد الثاني والأطماع الصهيونية في فلسطين 1976 ـ1909 ، تغلغل النفوذ البريطاني في العراق 1798 ـ1831 ، العلاقات البريطانية ـ الإيرانية 1798 ـ1857 ، محاكم التفتيش الأسبانية ، التطورات السياسية في عمان وعلاقاتها الخارجية 1983 ـ1932 ، العلاقات البريطانية ـ الإيرانية 1857 ـ 1907 ، التوسع البريطاني في الهند 1668 ـ1763 ، تطورات عمان الداخلية وعلاقاتها الخارجية 1856 ـ 1888 ، العلاقات السعودية ـ الإيرانية 1953 ـ1905 ، الموقف العربي والإقليمي من الحماية البريطانية في الخليج العربي 1507 ـ1650 ، التطورات الداخلية للدولة السعودية الثانية 1843 ـ1865 ، النشاط التجاري والسياسي لشركة الهند الشرقية في الهند 1600 ـ1778 ، العلاقات الخارجية الكارولنجية في عهد شارلمان ، السياسة العثمانية في الخليج العربي 1896 ـ1914 ، الأمير عبدالاله 1939 ـ 1958 ، مشاريع التقسيم في فلسطين 1917 ـ 1948 ، التطورات السياسية في عمان 1783 ـ1804 .

     ليس من السهولة رصد وحصاد النتاج العلمي للأستاذ الدكتور صالح محمد العابد ، ولكن لابد من الإشارة إلى انه اصدر عددا من الكتب منها :

1.     دور القواسم في الخليج العربي 1747 ـ 1820 وقد طبع في مطبعة العاني ببغداد سنة 1976 .

2.  موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي 1798 ـ 1810 ، وطبع في مطبعة العاني ببغداد سنة 1979 .

ومن بحوثه ودراساته المنشورة :

1 .  حركة الانبعاث الإيطالية ، مجلة المؤرخ العربي ، العدد(17) ، 1981 .

2 . الحروب الصليبية : دوافعها ونواتجها الممهدة ، مجلة المورد ، المجلد 16 ، العدد 4 ، 1987

3 . حملة السلطان مراد الرابع لاستعادة بغداد 1638 ، مجلة المورد ، المجلد 8 ، العدد 4 ، 1979

4 . الدكتور زكي صالح ، مجلة المؤرخ العربي ، العدد 56 ،1998

5 . الدكتور ياسين خليل عبد الله : حياته وسيرته العلمية ، مجلة المؤرخ العربي ، العدد 56 ، 1998  .

  وللدكتور العابد إسهامات في تحرير العديد من الموسوعات منها على سبيل المثال موسوعة (العراق في التاريخ) ، وموسوعة (حضارة العراق) 13 مجلدا ، وموسوعة ( الجيش والسلاح) 5 مجلدات وموسوعة ( العراق في مواجهة التحديات) 3 مجلدات .

    يقول الدكتور العابد عن منهجه في كتابة التاريخ ما نصه : ((ما اكتبه في التاريخ يتوخى الحقيقة أولا بالتحليل والتعليل وصولا  إلى نتائج مقنعة )) ومعنى هذا انه يعتقد بالرؤية الوضعية التي ترى بان على المؤرخ أن يعيد تشكيل الحدث التاريخي كما وقع ، وقد عرفت الدكتور العابد ، مؤرخا يتقن اللغة الإنكليزية ، لذلك فهو من أوائل المؤرخين العراقيين الأكاديميين الذين جاءوا بعد الجيل الثاني ( واقصد جيل زكي صالح وجيل عبد العزيز الدوري وجيل عبد القادر اليوسف وجيل فاضل حسين) الذين اهتموا بالوثائق وحرصوا على استخدامها في كتاباتهم ولم يكن هؤلاء ليقتصروا على ما هو متوفر من الوثائق داخل العراق وحسب بل ، إن كثيرا منهم وأنا والدكتور العابد والدكتور خليل علي مراد وغيرنا شدوا الرحال إلى بريطانيا وطرقوا باب دور وثائقها وخاصة دائرة السجلات العامة Puplic Record Office ودار وثائق الهند وسجلاتها

  India Office and Liberary and Record   وحصلوا على وثائق مهمة استخدموها في رسائلهم واطروحاتهم ..

     وكان الدكتور العابد كذلك من اكثر المؤرخين العراقيين الذين اهتموا بتاريخ القوى المحلية الشعبية ودورها في تحقيق الاستقلال سواء في العراق أو الخليج العربي أو الأقطار العربية الأخرى .. فالدكتور العابد لم يكن من أولئك الذين ينصب اهتمامهم على القوى الرسمية ودورها في التاريخ وحسب فذلك يتعارض وتوجهه التقدمي اليساري الذي كنت أحسه على المستويين الشخصي والعلمي .. فالتاريخ لايمكن إلا أن يكون مسيرة مضطردة للتقدم الإنساني في كل مجالات الحياة .

     رحم الله الدكتور صالح العابد فقد كانت وفاته خسارة حقيقة للمدرسة التاريخية العراقية المعاصرة . 

المؤرخ صديق الدملوجي (1880 ـ 1958 م)

         إداري وسياسي ومؤرخ عراقي ، شغل مكانة متميزة بين الرجال الذين خدموا العراق والأمة العربية . ولد صديق سعيد عبد الرحمن الدملوجي في الموصل 7 آذار سنة 1880 من أصل يمني ، فدملوج قرية تقع قرب مدينة تعز في اليمن ، وقد انتقل اجداده إلى الموصل منذ أواسط القرن السابع عشر الميلادي ، والأسرة الدملوجية ،أسرة  دينية ، عرفت في مدينة الموصل بـ ( بيت المدير ) ،حيث كان عميدها مصطفى يشغل منصب مدير أوقاف الموصل ، وقد توفي سنة 1879 .

       أكمل صديق الدملوجي دراستـه الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في مدارس الموصل ، وقد استفاد من والده سعيد ، وكان رئيسـاً لعلماء الموصل ، في التوجه نحو دراسة العلوم الدينية والأدبية،وحينما لاحظ والده أن ابنه صديق لا يحب السلطة العثمانية منعه من السفر إلى استانبول لإكمال دراسته وصرّح بذلك ، لكن هذا لم يحل دون اتجاه الدملوجي إلى تثقيف نفسه بنفسه ، فشرع يقرأ الكتب باللغتين العربية والتركية حتى أصبح له أسلوب متميز في الكتابة وخاصة بالتركية  .

      دخل الدملوجي سلك الوظيفة ، وعيّن في بداية الأمر كاتب ومحصل للضرائب ، وفي سنة1905أصبح مديراً لناحية مزوري ( أتروش ) وبعد ذلك صار قائمقاماً ومديراً للناحية في الكثير من المدن العراقية أمثال: العمادية ومانكيش وتلعفر وسنجار والسماوة والشطرة والقرنة والنجف . وفي سنة 1927 اصطدم بأحد المفتشين الإداريين الإنكليز حينما كان قائمقاماً على القرنة فعزل من الوظيفة ،وعاش حتى وفاته في 15 نيسان 1958 بعيداً عنها متفرغاً لإنجاز كتبه التاريخية .

      كان صديق الدملوجي محباً للعلم والبحث ، ويبدو أن لأسرته الدينية والعلمية دوراً في ذلك ، وخلال فترة قصيرة من الدراسة اتقن لغات عدة ، منها الفارسية والكردية ، فضلاً عن إجادته اللغة التركية . وقد أحب الصحافة ، وعمل (محرراً دائمياً) في جريدة النجاح الموصلية التي صدر عددها الأول في 12 من تشرين الثاني سنة 1910 باللغتين العربية والتركية ،وكانت لسان حال حزب الحرية والائتلاف المعارض للاتحاديين، وقد لاقى الدملوجي الكثير من العنت والإضطهاد بسبب مقالاته المناوئة للإتحاديين ، لذلك أحيل إلى الديوان العرفي العسكري في الموصل سنة1914وطرد من الوظيفة، فاضطر إلى الاختفاء أثر ذلك ولم يعد إلى الموصل إلاّ بعد سقوطها بيد الإنكليز سنة 1918 .

       قضى الدملوجي جانباً من فترة اختفائه بين اليزيديين ، وكانت له علاقات مع زعمائهم ، وقد ساعده ذلك على تأليف كتابه ( اليزيدية ) الذي أصدره سنة 1949 . وقيمة هذا الكتاب تنبع من الأسلوب الذي استخدمه في تأليفه ، حيث أنه لم يقتصر على ما حصل عليه من مصادر ومعلومات مدونة ، وإنما صرف مدة تتجاوز العشرين سنة بينهم .

       وفي سنة 1952 ، أصـدر الدملوجي كتابه الثاني الذي يتعلق بتاريخ الأكراد ، وحياتهم السياسية والاجتماعية . وقد اختار ( أمارة بهدينان ) الكردية في العمادية لتكون مدخلاً يـدرس من خلالها الأكـراد وما يتعلق بهم من أخبـار وحوادث ، وفي الكتاب معلومات قيمة عن تاريخ الموصل الحديث ، وعلاقـة ولاة الموصـل الجليليين بحكام بهدينان . وفي الكتاب كذلك معلومات مهمة عن الإدارة والضرائب العثمانية وأساليب جبايتها .  

      ويبدو أن النزعة الحرة التي كان يتميز بها الدملوجي ، قادته إلى الاهتمام بمدحت باشا الوالي العثماني المستنير الذي تولى ولاية بغداد خلال المدة الواقعة بين سنتي 1869و1872وكانت له فيما بعد مواقف مشهودة في مجال الدعوة إلى الحكم الدستوري في الدولة العثمانية ، وإجبار السلطان عبد الحميد الثاني (1876 ـ 1909) إلى إصدار الدستور سنة 1876، وفي سنة 1952 أصدر الدملوجي كتابه ( مدحت باشا ) ، ويبحث الكتاب في تاريخ الدولة العثمانية ، وحياة مدحت باشا ، وعلاقته بالسلطان عبد الحميد . وفي الكتاب كذلـك معلومات جمّـة عن وضع الأقليـات القومية والدينيـة في الدولة
العثمانية . وكتاب مدحت باشا ، ليس عرضاً لسيرة رجل مصلح ، وإنما دراسـة موثقة عن حركة الإصلاحات التي شهدتها الدولة العثمانية منذ أواخر القرن التاسع عشر.

    وللدملوجي كتاب باسم ( الأنقاض ) وهو عبارة عن خواطر ومقالات في التاريخ والإجتماع والأدب ، ويميط فيه اللثام عن بعض الحقائق المتصلة بالأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية السائدة في عصره .

      ويفضح الدملوجي في هذا الكتاب النظام العثماني الإقطاعي ويبين مساوئه وآثاره المدمـرة على المجتمع العربي ، ومما يلفت النظـر أن الدملوجي ضمـن هذا الكتاب مسرحيتان الفّهما،الأولى بعنوان ( جماعة من الزبائن حاملي الحراب والنبال يحرسون جماعة من الموتى ) . والثانية بعنوان : ( جرائم السلطانات في قصور بني عثمان ) .

      كان للدملوجي منهـج متميز في كتابة التاريخ ، يقتـرب كثيراً من المنهج العلمي المعروف لدى المؤرخين ، ففضلاً عن الحرص على الرجوع إلى المصادر الأصلية ، فإنه كان لا يتوانى " عن أن ينتقل من بلدة إلى أخرى ،ومن قرية إلى قرية ويجتمع بهذا وذاك،وإذا ما طرق سمعه خبراً أو حادثة شد الرحال غير مبالٍ بجميع العقبات التي تقف أمامه ،وكم من مرة تعرض  للموت في سبيلا تحقيق أمنيته هذه ، وقد توصل إليها ، غير مكترث ، ولا مبالٍ بما لاقاه من أتعاب ، وما بذله من مال " ، وكتاباه عن اليزيدية والأكراد ،خير دليل على ذلك . كما كان الدملوجي ينتقد المصادر والروايات التي يطلع عليها ، ويحـاول مقابلتها واستقراءها للوصول إلى الحقيقة ويقدم بعد ذلك مادته للقرّاء بأسلوب لغوي سلـس . وكان يحرص على أن يضع بين يدي قرائه الأسباب التي دعته إلى تأليف كتبـه ويردد باستمرار أنه يروم من خـلال التأليف حل بعض المشكلات والمسائل التاريخية والاجتماعية التي يعاني منها بلـده ، لذلك اكتسبت مؤلفاته شهرة شعبية .. إذ تداولها الناس ، وفي الوقت نفسه ، جلبت مؤلفاته له الكثير من المشكلات ، بسبب الموقف السلبي الذي وقفته السلطات الحكومية من هـذه المؤلفات .. إذ أنّ معظم كتبه منع من التداول ، وتعرض للمصادرة ، وقد حدث هذا بالنسبة لكتابيه : اليزيدية ، والأنقاض .

     كان الدملوجي ، سواء في مقالاته التي نشرها بإسمه الصريح ، أو بأسماء مستعارة من قبيل ( مؤرخ فاضل ) ، و ( الثائر المنفي ) ، يحث الشباب على التوجه نحو طريق العلم والتحـرر من القيم والتقاليد الباليـة ، وكان حسّه النقدي واضحاً ، لذلك دخل في حوار ونقاشات حادة مع بعض معاصريه من الكتّاب أمثال : مصطفى جواد ، وسليمان صايغ ، حول بعض القضايا التاريخية والفكرية والإجتماعية ، وقد دللت تلك النشاطات على مقدرة هذا الرجل ، وحيويته وأكدت ريادته لفرع من فروع التاريخ ، ذلك هو التاريخ المحلي . توفي الدملوجي يوم 15 من نيسان 1958.
 

المؤرخ الدكتور طالب محمد وهيم 1950 ـ 1988

     مؤرخ عراقي شاب ، توفي في حادث سيارة اليم يوم 26 تشرين الثاني 1988 ، وهو لما يزل في الثامنة والثلاثين من عمره .. عندما كنت رئيسا لقسم التاريخ بكلية التربية في جامعة الموصل (1980ـ 1995) كان رحمه الله عضوا فيه وقد عرفته ليس مؤرخا وأستاذا وجامعيا وحسب بل وأديبا وكاتبا من الطراز الأول وكنت أتوقع له مستقبلا علميا باهرا ، إلا أن القدر لم يمهله .. كثيرا ما كنا نتحدث عن مشاريعه العلمية ومن حسن الصدف انه رافقني في رحلة علمية الى بريطانيا سنة 1978 للإطلاع على وثائق دائرة السجلات العامة  Puplic Record office  والمراكز  العلمية والوثائقية الأخرى في لندن وكمبريدج وأكسفورد  ودر هام .

    ولد طالب محمد وهيم الزبيدي في جلولاء بمحافظة ديالى سنة 1950 ، وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في محافظة كركوك ، حيث كان والده عسكريا انتقل في أكثر من مكان خلال سنوات طويلة من حياته حتى استقر في بغداد وبعد ان تخرج الدكتور طالب محمد وهيم في قسم التاريخ كلية الآداب ـ جامعة بغداد حاملا شهادة البكالوريوس في التاريخ ، قرر ان يستمر في الدراسة ، فالتحق بالدراسات العليا في الكلية ذاتها وحصل على شهادة الماجستير عن رسالته الموسومة :  مملكة الحجاز 1916 ـ 1925 : دراسة في الأوضاع السياسية سنة 1976 وشهادة الدكتوراه عن أطروحته الموسومة : ((التنافس البريطاني ـ الأمريكي على نفط الخليج العربي وموقف العرب في الخليج منه 1928 ـ 1939 )) . سنة 1980 . وقد اشرف على رسالته الأولى الأستاذ الدكتور عبد القادر احمد اليوسف (رحمه الله ) .. أما أطروحته فكان الأستاذ الدكتور عبد الأمير محمد أمين المشرف عليها .

     وبعد نيله الدكتوراه  ، جاء إلى جامعة الموصل ليعين في 30 من آب 1981 مدرسا في قسم التاريخ بكلية التربية وبعد تعيينه التحق بالخدمة العسكرية ( خدمة الاحتياط ) ثم عاد إلى جامعة الموصل بعد انتهائها في 26 شباط 1983 .

وقد رقي إلى مرتبة أستاذ مساعد في 10 من نيسان 1988 .

    نشر رسالته للماجستير في كتاب وتولى مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة طبعها سنة 1980 ، كما تولت وزارة الثقافة والإعلام سنة (1982 ) نشر أطروحته للدكتوراه ضمن سلسلة دراسات (321) وطبع الكتاب في دار الرشيد في بغداد .

    أنجز المرحوم الدكتور طالب محمد وهيم بضعة دراسات وقد نشر عدد منها وكانت ، بحق ، من الدراسات الجادة والرصينة وأتذكر ان مؤرخ الاردن الرسمي المعروف الأستاذ سليمان موسى قد أشاد بكتبه ودراساته وكان يحدثني عنه كلما التقينا سواء في عمان او بغداد . ومن البحوث التي أنجزها

    1 . طبيعة الموقف القومي عن الشريف حسين بن علي 1908 ـ 1916

    2 . جريدة القبلة الحجازية مصدرا لتاريخ العرب المعاصر

    3 . المضامين الاقتصادية والاجتماعية في جريدة القبلة

    4 . الحركة الوطنية وتأميم نفط العراق حتى عام 1952 .

 

       كان هاجسه في كل كتبه ودراساته وبحوثه ومقالاته ، هو العودة الى الأصول التاريخية ، وخاصة الوثائق غير المنشورة لهذا فان وثائق وزارتي الخارجية والمستعمرات البريطانيتين كانتا في طليعة الوثائق التي اعتمد عليها في دراساته ولم يغفل البحث عن الوثائق العربية الرسمية ومحاضر البرلمانات والصحف والمجلات والكتب ، ولم يكن يكتفي بالإفادة من هذه المصادر ، وإنما كان يحرص على تحليلها وتقييمها وفصل الغث عن السمين .. ومما ساعده  على ذلك ان لغته الإنكليزية جيدة ، وقد عمل على تطويرها منذ ان التحق بالدراسات العليا وأتذكر أنني وهو قد اجتزنا امتحان الكفاءة باللغة الإنكليزية عندما كنا طلابا في الدكتوراه في قسم التاريخ بكلية الآداب مع اثنين آخرين فقط من بين (14 ) طالبا .

     كتب الدكتور طالب محمد وهيم فصلين ، هما الفصل الأول والفصل الرابع من كتاب انجزه قسم التاريخ بكلية التربية جامعة الموصل عندما كنت رئيسا للقسم . وكان عنوان الكتاب هو ( تاريخ الوطن العربي المعاصر ) ، وقد اشترك في تأليفه فضلا عن الدكتور طالب ، كل من الأستاذ الدكتور غانم محمد الحفو  والأستاذ الدكتور جاسم محمد حسن العدول والأستاذ الدكتور عوني عبد الرحمن السبعاوي وكان كتابا منهجيا كبيرا تجاوزت صفحاته آل ( 500) صفحة من القطع الكبير . كما أسهم معي واثنين من الأساتذة هما الأستاذ الدكتور خليل علي مراد والأستاذ الدكتور غانم محمد الحفو في تأليف كتاب بعنوان (( قضايا عربية معاصرة )) وقد طبع الكتاب في دار ابن الأثير للطباعة والنشر التابعة لجامعة الموصل سنة 1988 ويتضمن الكتاب خمسة فصول هي على التوالي : القضية الفلسطينية ، وقضية الاحواز وقضية الاسكندرونة ،وقضية ارتيريا وقضية الجزر العربية الثلاث . والكتاب يهدف الى دراسة واحدة من المشكلات الأساسية التي خلفتها السيطرة الاستعمارية على الوطن العربي ،تلك هي مشكلة سلخ أجزاء معينة من الوطن العربي وإخضاعها لقوى لأتمت إليها بصلة . وقد كتب الدكتور طالب محمد وهيم الفصل الثالث المتعلق بقضية لواء الاسكندرونة الذي انتزعه الأتراك والفرنسيون من سوريا في سنة 1939 . وقد استعرض أولا موقع الاسكندرونة الجغرافي وتاريخها السياسي ثم تطرق الى بيان كيفية ظهور قضية الاسكندرونة على المسرح الدولي والأطماع البريطانية ـ الفرنسية ـ التركية فيها منذ الحرب العالمية الأولى حتى ضم اللواء الى تركيا واختتم الفصل ببيان ردود الفعل العربية إزاء سلخ الاسكندرونة عن سوريا .

     كان الدكتور طالب محمد وهيم عضوا في جمعية المؤرخين والآثار يين ـ فرع نينوى (الموصل ) ، وعضوا في اتحاد المؤرخين العرب . وقد شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات العلمية منها الندوة العلمية الثالثة لمركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة سنة 1984 وندوة تطور الفكر القومي العربي التي عقدت ببغداد سنة 1986 بالتعاون بين المجمع العلمي العراقي واتحاد المؤرخين العرب ومركز دراسات الوحدة العربية .

    يقول عنه زميله الأستاذ الدكتور هاشم خضير الجنابي الأستاذ في قسم الجغرافية بجامعة الموصل أبان الثمانينات من القرن الماضي ان الدكتور طالب وهيم ((كان مثالا للجد والإخلاص والمثابرة والجرأة في طرح الرأي وكان حنونا بارا بوالديه الى درجة كبيرة ، حيث كان يعاني من مشاق السفر بين بغداد وكركوك والموصل من اجل مراجعتهم بين آونة واخرى للاطمئنان على راحتهم وصحتهم خاصة وان والده كان يعاني المرض وقد توفي في بداية عام 1984 )) . كما كان رحمه الله ((جادا في دراساته وبحوثه حيث نالت بحوثه ودراساته درجة الأصالة في التقويم العلمي من لدن الخبراء وكانت له مشاريع علمية مهمة ، لم يمهله الزمن للأسف لإنجازها )) .

     أقامت كلية التربية في جامعة الموصل يوم السبت من كانون الثاني 1989 حفلا تأبينينا أكد جميع من شارك فيه على جديته وإخلاصه وأخلاقه العالية وهدوءه ونبوغه وعمق شعوره بالمسؤولية وبواجباته تجاه المجتمع والوطن .. كما ان طلابه قالوا انه يعد مثلا أعلى ونموذجا فريدا من الأساتذة .. كان أستاذا متميزا وأبا عطوفا وأخا وفيا لطلابه .. يحترمه الجميع وقد ألقيت في الحفل ، بصفتي رئيسا لقسم التاريخ وصديقا له ، كلمة أشرت فيها الى رصانته وجديته في العمل وحبه للمعونة وعشقه للمباديء والقيم ..وكثيرا ما كان يلتمس مني بان اسمح له بأخذ الطلبة في محاضرات إضافية خارج أوقات إطار المحاضرات المعتادة ليستزيد في المنهج لطلابه ..

    إن أي منصف يقرأ كتبه ودراساته وبحوثه سيجد ان الدكتور طالب محمد وهيم، رحمه الله ، كان مؤرخا واعدا ..

    ورؤيته للتاريخ وأحداثه ترتكز على مبدأ ان المؤرخ ينبغي ان يكون صادقا وأمينا وشجاعا ومنصفا عندما يكتب التاريخ ، ولابد من كتابة أحداث التاريخ كما وقعت بالضبط وان على المؤرخ الابتعاد عن الحزبية والمذهبية والقومية والدين عند كتابة التاريخ ولابد من وضع الأحداث في ظروفها ولا يمكن تحميل النصوص التاريخية أكثر مما تحتمل .. وكنا نعلق عليه آمالا كبارا ، وكثيرا ما كنت أتحدث ويتحدث معي السيد عميد كلية التربية بجامعة الموصل آنذاك الأستاذ الدكتور خضر جاسم الدوري ( رحمه الله ) فيقول : (( إن للدكتور طالب مستقبلا باهرا ونحن سعداء بمثل هذا الأستاذ النموذج )) .

   رحم الله الدكتور طالب محمد وهيم ، فقد ترك علما ينتفع به ولن يموت إنسان كان الإخلاص والجدية والصدق في العمل وحب الوطن ديدنه .            

المؤرخ الأستاذ طه باقر 1912 ـ  1984

    طه باقر ناصر مؤرخ وآثاري عراقي بارز لا اعتقد إن  أحدا في العراق لا يعرفه .. فالرجل كان معروفا بعلمه وقدره العالي وبإنجازاته في ميداني الآثار والتاريخ . ولد في مدينة الحلة (محافظة بابل ) سنة 1912 وأكمل فيها دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها . أما دراسته الثانوية فقد قضاها ببغداد على نفقة وزارة المعارف ( التربية ) .. وقد اختار الفرع العلمي بعد أن أنهى دراسته المتوسطة وكان متميزا . ويقول احد زملائه وهو الأستاذ الدكتور فوزي رشيد أن طه باقر عاش في بيئة علمية ، حيث أن والده وعمه كانا من المعروفين باهتماماتهم الدينية ، لذلك حرصا على أن يلتحق بالمدارس الدينية ويدرس على الطريقة الكلاسيكية اللغة والنحو والصرف والبلاغة وشيئا من الحساب .

    وبعد إكماله الدراسة الثانوية في العام الدراسي سنة 1933 اختير بسبب تفوقه ليكون ضمن البعثة العلمية التي أرسلتها وزارة المعارف إلى المعهد الشرقي للآثار في جامعة شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية .. وقبل التحاقه بالبعثة أكمل ما كان يسمى بشهادة متر يكيو ليثسن Matriculation الإنكليزية في مدينة صفد بفلسطين ، والطالب الذي ينجح في هذه الدراسة يرسل إلى الجامعة الأمريكية ببيروت ، وبعدها يسافر إلى الجامعة التي ينال منها شهادة البكالوريوس والماجستير وان أراد الدكتوراه .

    حصل الأستاذ طه باقر على شهادة الماجستير في الآثار واللغات القديمة من المعهد الشرقي للآثار بجامعة شيكاغو سنة 1938 وعين في مديرية الآثار العامة ببغداد خبيرا فنيا (1938- 1941 ) ولم يمض وقت طويل حتى اختير سنة 1941 ليكون أمينا للمتحف الحضاري العراقي وفي سنة 1958 تولى منصب مفتش الآثار العام وبعدها بقليل أصبح مديرا للآثار العام (1958 ـ 1963 )

      لم يبتعد الأستاذ طه باقر عن التدريس الجامعي ففي سنة 1941 تولى تدريس مادة التاريخ القديم في قسم (الاجتماعيات ) بدار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) واستمر في التدريس سنوات طويلة .وفي ليبيا عمل مستشارا للشؤون الثقافية والاثارية بين سنتي 1965 و1971 .

      وكان للأستاذ طه باقر فضلين مهمين خلال السنوات الأولى من حياته المهنية ، فالفضل الأول هو دوره الفاعل في إصدار مجلة سومر منذ عددها الأول 1945 وقد أصبح رئيسا لتحريرها حتى 1963 . أما الفضل الثاني ، فهو إسهامه في تأسيس قسم الآثار / بكلية الآداب /جامعة بغداد سنة 1951 وقيامه بالتدريس فيه وحتى 1963 .

       وكان لطه باقر ، رحمه الله ، دور في تأسيس جامعة بغداد 1957 ـ 1958 وتولى مناصب عديدة فيها منها منصبه كنائب لرئيس الجامعة .

     ألف الأستاذ المرحوم طه باقر عددا من الكتب لعل من أبرزها :

    1.انتحار الحضارات ،طبع في سنة 1946 .

    2.الصلات التاريخية بين أقطار الشرق الأدنى القديم ،وطبع سنة 1947 .

    3.قبل اقليدس ب 1500 عام ،وطبع سنة 1948

    4 .أحدث الاكتشافات الاثارية ،وطبع سنة 1952 .

5 . مقدمة في تاريخ الحضارات القديمة وهو بجزأين ، طبع الأول سنة 1951 وطبع الثانية سنة 1956 ، ثم ما لبث الأستاذ طه باقر أن أعاد تنقيح الجزء الأول وجعله بجزأين ظهر الجزء الأول سنة 1973 وهو المتعلق بالتاريخ السياسي للعراق القديم ..

6. مقدمة في أدب العراق القديم وقد طبع سنة 1976

7 . ملحمة كالكامش وطبع لأول مرة سنة 1962 وكانت له طبعات عديدة أخرها الطبعة الثالثة سنة 1975

8 . المرشد إلى مواطن الآثار والحضارة وقد ألفه بالتعاون مع زميله الأستاذ فؤاد سفر ويقع في ستة أجزاء وبين سنتي 1962 و 1966

9 . موجز في تاريخ العلوم والمعارف في الحضارات القديمة والحضارة العربية والإسلامية وصدر سنة 1980

10 . من تراثنا اللغوي القديم ما يسمى في العربية بالدخيل وصدر سنة 1980 .  كما ترجم كتبا عديدة منها :

1 . بحث في التاريخ ، وهو اختصار للمجلدات الستة الأولى من كتاب (دراسة للتاريخ ASTUDY  OF HISTORY للمؤرخ البريطاني المعروف ارنولد توينبي الذي توفي سنة 1978

2 . ألواح من سومر لمؤلفه صموئيل نوح كر يمر

3 . الرافدان تأليف سيتون لويد وقد ترجمه بالتعاون مع زميله الأستاذ بشير فرنسيس

4 . الإنسان في فجر حياته تأليف دو روثي ديفدس وقد ترجمه مع زميله الأستاذ فؤاد

        سفر

5 . تاريخ العلم لمؤلفه جورج سارتون ، وقد ترجم الأستاذ طه باقر الفصل الثالث من الجزء الأول للكتاب وصدر سنة 1957 .

    وللأستاذ طه باقر إسهامات فاعلة في تهيئة الكتب المدرسية المقررة للتدريس في المدارس المتوسطة وما زلنا نتذكر إن جيلنا والأجيال التي استمرت حتى منتصف الستينات قد درس في الصف الأول من الدراسة المتوسطة الكتاب الذي ألفه بعنوان :تاريخ العصور القديمة مع زميليه فؤاد سفر واحمد يعقوب الشمس وقد طبع أكثر من 15 طبعة  .. كما ألف كذلك كتبا منهجية جامعية مع عدد من زملائه أبرزها كتابه (طرق البحث العلمي في التاريخ والآثار ) وطبع سنة 1980 وكان مقررا على طلبة أقسام التاريخ والآثار في الجامعات العراقية كافة وقد ألفه مع زميله الأستاذ الدكتور عبد العزيز حميد عندما شعر بضعف الطلبة في مجال أنجاز البحوث وعدم معرفتهم لتقنيات البحث العلمي .

     وللأستاذ طه باقر كراريس مرشدة للسواد وتدور حول المواقع الاثرية العراقية ولعل من ابرز هذه الكراريس ، المرشد إلى موطن الآثار والحضارة ويقع في ستة أجزاء .كما اعد دليل للمتحف الحضاري العراقي وطبع باللغتين العربية والإنكليزية (1942 ) .فضلا عن تقاريره الكثيرة عن التنقيبات الاثارية   ومنها تقاريره بالإنكليزية عن التنقيبات في عقرقوف والتي نشرت في لندن بين سنتي 1944 _1946. وليس من السهولة جرد ما كتبه في المجلات وخاصة مجلة سومر من مقالات كثيرة ، وأية فهرسة للمجلة المذكورة تكشف حجم الجهد الذي بذله هذا الرجل في توضيح عقائد البابليين والآشوريين وقوانينهم وعلاقاتهم مع جيرانهم وملاحمهم وعلومهم وكل ما يتعلق بإنجازاتهم الحضارية .

      كان الأستاذ طه باقر موضع تقدير واحترام زملائه وتلاميذه ومن الذين اهتموا بتراثه الفكري صديقنا الأستاذ الدكتور فوزي رشيد ، فلقد كتب عنه دراسة في مجلة المؤرخ العربي افدنا منها كثيرا . كما ألف كتابا عن سيرته ومنجزاته وأشاد بقدراته العقلية وميزاته العلمية وذهنيته المتفتحة فضلا عن طيبته وجديته وحبه لعمل الخير .. وكان رحمه الله متأثرا بالمؤرخ البريطاني توينبي وقد اعتمده كثيرا في دروسه ومحاضراته وترجم ، كما اشرنا من قبله ، جوانب من كتابه المعروف ..ومعنى هذا ان طه باقر كان مؤرخا علميا يؤكد على إن المؤرخ يحمل رسالة وعليه ان يكون منصفا وموضوعيا ولابد له من العودة إلى الآثار والرقم الطينية والكتابات المسمارية .. لقد كان يتقن اللغة المسمارية وقد درسها لطلابه على مدى سنوات وكثيرا ما كان يدعو طلابه إلى التحليل وإبداء الآراء في حدود ما يكتشفونه من آثار وما يطلعوا عليه من أصول تاريخية .. طه باقر كان ، بحق ، لوحده مدرسة علمية عراقية رائدة .كتب عنه الكثيرون وأشادوا بعلميته وبجهوده ومنهم صديقنا الأستاذ حميد المطبعي وقد قال عنه في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين ،الجزء الاول ،اذي نشرته وزارة الثقافة والأعلام العراقية سنة 1995 يقول أن طه باقر ((باحث آثاري ومؤرخ في الحضارة والتاريخ )) .رحم الله طه باقر وجزاه خيرا على ما قدمه لوطنه العراق  ولامته العربية والإسلامية .    

 

المؤرخ الدكتور طه خضر عبيد

        مؤرخ، وأستاذ جامعي مرموق، يعمل الآن أستاذا في قسم التاريخ بكلية التربية/جامعة الموصل .عرفته طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية – جامعة الموصل منذ أواخر السبعينات من القرن الماضي،  ودرسته فوجدته مثالا للخلق القويم، والهدوء المستحب، والطيبة الكبيرة ،والتواضع الجم  وعندما رشح للدراسة في جامعة أثينا في اليونان أتذكر بأنه راجعني، وطلب مشورتي فشددت على يديه وذهب وعاد سنة 1988 وهو يحمل الدكتوراه في التاريخ العباسي من جامعة أثينا، وعندما كنت رئيسا لقسم التاريخ وافقت على نقل خدماته من معهد المعلمات بالموصل الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وقد تركت رئاسة القسم منذ سنة 1995 لكن علاقتي به واطلاعي عن كثب على أعماله وانجازاته في مجال التدريس والبحث، ظلت مستمرة .. وقد التمست منه قبل أيام موافاتي بجانب من سيرته الذاتية والعلمية فاستجاب لذلك بكل رحابة صدر، وفرح كثيرا لأنني سأعمل على وضع اسمه في الموسوعة التي أعدها بعنوان: ))موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين ))، والتي تنشرها مجلة علوم إنسانية  الالكترونية بهولندا وبإشراف عالم الاجتماع العراقي الأستاذ  الدكتور حميد الهاشمي .

       ولد الدكتور طه خضر عبيد في الموصل سنة 1955، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ،ثم دخل كلية التربية  بجامعة الموصل، وأكمل دراسته في قسم التاريخ ،وقد عين مدرسا في إحدى المدارس الثانوية  للفترة 1980- 1983،ثم في معهد المعلمات للمدة من 1989- 1994 وبعدها جاء الى جامعة الموصل، وعمل تدريسيا فيها بعد حصوله على الدكتوراه في التاريخ في كلية الفلسفة / جامعة أثينا باليونان 1988 عن أطروحته الموسومة : (( العلاقات التجارية بين الخلافة العباسية والإمبراطورية البيزنطية 132- 328هـ 750-969م )).

           يجيد الدكتور طه خضر عبيد اللغة اليونانية، ويحمل شهادة دبلوم فيها من جامعة أثينا / اليونان منذ سنة 1985 وهو من الأساتذة العرب القلائل الذين تعلموا وكتبوا باللغة اليونانية ..وفي قسم التاريخ- كلية التربية، جامعة الموصل تدرج في المراتب العلمية فحصل على مرتبة أستاذ مساعد سنة 1997 ثم الأستاذية سنة 2002. لم تكن نشاطات الدكتور طه خضر عبيد العلمية والبحثية والاستشارية مقتصرة على قسم التاريخ بكلية التربية، وإنما هي واسعة ، فهو أستاذ متفرغ في مركز دراسات الموصل 1998- 2004 ، وعضو لجنة الدراسات العليا 2000-2003، ورئيس لجنة الحلقات النقاشية 2002-،2006 وعضو اللجنة العلمية 2003- 2006، ورئيس لجنة الترقيات العلمية في كلية العلوم الإسلامية جامعة الموصل منذ 2006-2009 ،ورئيس لجنة الترقيات العلمية في كلية العلوم السياسية / جامعة الموصل 2009

له من الكتب المنشورة :

1. تنظيمات الجيش البيزنطي من القرن الثامن إلى القرن  الحادي عشر للميلاد ، العراق الموصل، ط/1، مكتبة العلا، 2005م.

2. من بغداد الى القسطنطينية، دراسة في  الاتصال والتأثير الحضاري حتى القرن الرابع للهجرة-العاشر للميلاد  ، الموصل مكتبة العلا، 2006

3.   دراسات في المدينة العربية الإسلامية "الخدمات العامة " العراق،  الموصل ،مكتبة العلا، 2007.

4.   دراسات في التاريخ الاقتصادي العربي الإسلامي،  العراق،  الموصل،

مكتبة العلا 2008.

5.تاريخ الإمبراطورية البيزنطية 324-1453 ، .دار الفكر .عمان ،2009

ومن بحوثه المنشورة:

1.معاملة الدولة البيزنطية للأسرى العرب المسلمين ومحاولات توطينهم 132- 345هـ، مجلة التربية والعلم ،، الموصل،  العدد (16) ، لسنة 1994،  ص11- 123.

2. مكانة الثغور عند الخلفاء العباسيين 132- 227هـ، مجلة التربية والعلم، الموصل، العدد (17) لسنة 1995.  ص 182-201.

3.العيون والجواسيس بين العباسيين البيزنطيين حتى منتصف القرن الثالث              للهجرة، مجلة التربية والعلم،  الموصل، العدد (21) لسنة 1998، 182- 195.

4.أمارة اقر يطش العربية الإسلامية 211-350هـ مجلة التربية والعلم، الموصل ، العدد 32 ، ص76-97.

5.الصراع البحري العباسي – البيزنطي 290-301هـ  مجلة التربية والعلم الموصل، العدد(25) لسنة  2000، ص 234-248.

6.النفير العربي الإسلامي الى جبهة الثغور البرية مع الدولة البيزنطية 132-361هـ مجلة المؤرخ العربي،  لسنة 2000 ص 165-178.

7.قبرص بين العرب المسلمين والبيزنطيين 28-355 هـ ، مجلة آداب الرافدين الموصل (32) لسنة 1999، ص 76-97.

8. التعبئة العربية  الإسلامية في كتاب the tactica  للإمبراطور ليو السادس 886-912، مجلة المجمع العلمي العراقي، بغداد، الجزء الأول المجلد السابع والأربعين لسنة 2000، ص123-144.

9. ضرائب التجارة في الدولة العربية الإسلامية للقرن2-4هـ. مجلة التربية والعلم، الموصل، العدد-(27) لسنة   2000ص 140-153.

10. واقع الثروة الخشبية في الدولة العربية الإسلامية للقرنين 2-4 مجلة دراسات تاريخية، بيت الحكمة، بغداد، العدد (2) السنة الثالثة ،2001ص 75-94.

11. أمان الرسل الأجانب في العصر العباسي الأول. مجلة التربية والعلم،  الموصل، العدد (31) لسنة، 2001 ص 55-65.

12. التأثيرات الحضارية لجالية التجار العرب المسلمين في الدولة البيزنطية للقرن 3-4هـ، مجلة آداب الرافدين، الموصل، العدد (34) لسنة 2001، ص 195-211.

13. التعبئة الخالدية في اليرموك، ضمن أعمال ندوة الصحابي الجليل خالد بن الوليد منشورات جامعة البعث،  حمص، سورية 1999،  ص 431-448.

14. تحصين المدن الثغرية في العصر العباسي الأول، مجلة أبحاث اليرموك، الأردن، المجلد (18)، العدد (1) لسنة 2002، ص 115-135.

15. التعبئة المقتدرة للقائد صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين،  ضمن أعمال مؤتمر القدس2002، جامعة تكريت .

16. سياسة العباسيين في تعيين ولاة الموصل 132-227هـ ، مجلة أوراق موصلية، الموصل، مركز دراسات الموصل، العدد(3) لسنة 2002، ص47-64.

17. معالجة الدولة العربية الإسلامية لمشكلة شحة مياه الشرب في أقامة البرك والمصانع والصهاريج، مجلة دراسات أسلامية ، بيت الحكمة،  بغداد، العدد(12)، لسنة 2002، ص 108-125.

18. تجارة العرب المسلمين الى طرابزندة البيزنطية للقرن 3-4هـ، مجلة المورد، بغداد، العدد (4) لسنة 2002، ص16-19.

19. سياسة العفو عند الخليفة المأمون 198-218هـ ، مجلة التربية والعلم، المجلد (11)، العدد (1) لسنة 2004، ص1-12.

20. ملطية ثغر الجزيرة الأول. مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، العدد (5) لسنة 2005م، ص1-14.

21. الأسرى بين الأمويين والبيزنطيين 41-132هـ/ 661-750م، مجلة تكريت للعلوم الإنسانية، العدد (6)، لسنة 2005، ص1-14.

22.. دور الأحداث في العراق وبلاد الشام في القرنين 2-4هـ . مجلة المجمع العلمي العراقي،  الجزء الثاني المجلد الثاني والخمسون، 2005 ص 195-230.

23. الجهني المحدث والفقيه الموصلي ت552هـ . موصليات يصدرها مركز دراسات الموصل، العدد (13) كانون الأول 2005م، ص 37-41.

24.. المراسلات والهدايا بين العباسيين والبيزنطيين 132-320هـ 750-932، مجلة جامعة مؤته، سلسلة العلوم الإنسانية والاجتماعية، الأردن، المجلد (20) ، العدد (6)، 2005. ص 129-160.

25. الآبار في الدولة العربية الإسلامية ( المشرق) حتى القرن الثالث للهجرة، مجلة العرب ( الرياض)، العدد(10،9) نيسان- مايس 2006 م، ص 791-820.

26. واقع المعادن المنطرقة في شرق الدولة العربية الإسلامية حتى القرن الثالث للهجرة، مجلة المجمع العلمي العراقي، بغداد، الجزء الثالث، المجلد الثاني والخمسون، 2005، ص 239-265.

27. واقع المعادن المنطرقة في مشرق الدولة العربية الإسلامية حتى القرن الثالث للهجرة، مجلة المجمع العلمي العراقي، الجزء الثالث/ المجلد الثاني والخمسون، بغداد2005. ص 239-265.

28. النقابات الحرفية والمهنية البيزنطية في القرن العاشر الميلادي، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، المجلد الثالث عشر، العدد السابع، 2006، ص269-285.

29. من إجراءات الدولة العربية الإسلامية للحد من تلوث الهواء والماء في مدن العراق. مجلة آداب الرافدين العدد السادس والأربعين- حزيران 2007 ص ص 245-270.

30. مدينة امد  الديار بكر الفتح والاستقرار حتى سنة 363هـ

    مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية المجلد(15) العدد الثاني 2008 ص ص 147-165. 

ومن بحوثه التي أرسلها للنشر :

31. أوضاع البحرية العباسية في شرق البحر المتوسط 132- 247هـ ، مجلة دراسات في التاريخ والآثار، بغداد .

32. سياسة الخلافة العباسية في المحافظة على أسعار الحنطة في العراق 132-261هـ مجلة المؤرخ العربي.

33. من إجراءات الدولة العربية الإسلامية للحد من تلوث الهواء والماء مدن العراق مجلة آداب الرافدين، تصدرها كلية الآداب –جامعة الموصل .

34. حملتا هارون "الرشيد" 165 ، 163هـ /779،781م ضد الدولة البيزنطية الأسباب والنتائج، رؤية جديدة، مجلة الاحمدية، دبي، 2005م.

35. تطور أسواق الموصل في العصر العباسي الأول، مرسل إلى مجلة الدراسات التاريخية، 2005.

36. العرب المسلمون والروم البيزنطيون في العهد النبوي.

37. كتابة سير عشرات الأعلام،ضمن موسوعة أعلام العرب والمسلمين  تونس، 2005، 2006، 2007.

38. نظرة في اقتصاديات الموصل في العصر العباسي الأول 1998-1999.

39. معلومات ابن جبير عن الموصل، دراسة تحليلية     1999-2000.

40 . تطور أسواق الموصل في العصر العباسي الأول   2001-2002.

41. دليل الموصل في العصر العباسي     2002-2003.

42. طبيعة العلاقة بين أفراد البيت العباسي وأثارها على الخلافة.

43. عمال اليمن في العصر العباسي الأول .

44 . تطور أسواق الموصل في العصر العباسي الأول . مجلة دراسات تاريخية، بيت الحكمة، بغداد.

45. حملتا هارون الرشيد " 163- 165هـ " ضد الدولة البيزنطية الأسباب والنتائج .

    يقوم الدكتور طه خضر عبيد بالتدريس في الدراسات الأولية وخاصة مادة التاريخ العباسي كما يدرس ويشرف في الدراسات العليا  . فعلى صعيد التدريس، فهو متفرغ  منذ 5 سنوات لتدريس مواد عديدة هي :

1.   تدريس التاريخ المحلي لمدينة الموصل في العصر العباسي.

2.   العلاقات العربية الإسلامية مع الدولة البيزنطية ( المشرق).

3.   التاريخ الاقتصادي للدولة العربية الإسلامية.

4.   التاريخ الثقافي العربي الإسلامي.

5.   دراسات في تاريخ المدينة العربية الإسلامية .

6.   الوحدة والتنوع في الحضارة العربية الإسلامية .

7.   العلاقات العربية الإسلامية مع الدولة البيزنطية (المغرب).

8.   دويلات المشرق الإسلامي.

أما على صعيد الأشراف فقد اشرف على رسائل واطروحات عديدة منها :

1.العلاقات الدبلوماسية بين العباسيين والبيزنطيين 132-320 هجرية .والتي قدمتها رنا صلاح طاقة لنيل الماجستير من كلية التربية –جامعة الموصل 1999 .

2.مدينة طرسوس ودورها في التاريخ العربي الإسلامي 172 -354 هجرية والتي قدمتها سناء عبد الله عزيز الطائي لنيل الماجستير من كلية التربية –جامعة الموصل 2002 .

3.قضية الأسرى بين العباسيين والبيزنطيين 132-380 هجرية والتي قدمتها رنا صلاح طاقة لنيل الدكتوراه من كلية التربية –جامعة الموصل ،2004

4.الحياة الفكرية في الثغور والعواصم حتى القرن الخامس للهجرة –الحادي عشر للميلاد  والتي قدمتها سناء عبد الله عزيز الطائي لنيل الدكتوراه من كلية التربية –جامعة الموصل ،2007  .

       وفضلا عن ذلك، فهو  كأقرانه ، من الأساتذة يعد خبيرا علميا لكثير من البحوث الخاصة بالتعضيد والترقيات وللجامعات العراقية المختلفة. وقد نال التكريم في أكثر من مناسبة، ففي سنة 2003 حصل على وسام العلم.

     للدكتور طه خضر عبيد ،أراء خاصة في مجال كتابة التاريخ والاهتمام بميادينه، وخاصة الميادين المكرسة للدراسات الاقتصادية والاجتماعية والفكرية ، ويتضح ذلك من خلال مراجعة كتبه وبحوثه ودراساته ومحاضراته، فهي في معظمها تنصرف الى ذلك لاسيما وانه من الأساتذة الذين أدركوا كم من الجهود بذلت لتوثيق الجوانب السياسية من العملية التاريخية دون الاهتمام بالجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية، وقد أكد ذلك الدكتور طه قائلا :أن الدراسات في التاريخ العربي الإسلامي ركزت على الجانب السياسي في كل عصورها، ولم تلق الدراسات الاقتصادية والاجتماعية اهتماما، عدا بواكير الاهتمامات الأولى من قبل المرحوم الدكتور صالح احمد العلي والدكتور عبد العزيز الدوري وبعدها بدأت الاهتمامات عقب مؤتمر لندن 1967 الذي نبه الى ضرورة تلك الدراسات . وفي الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي وجهت عدد من الجامعات العراقية والعربية طلبتها لدراسة التاريخ الاقتصادي والتاريخ الاجتماعي، ويقينا أن هذه الدراسات تحتاج الى جهود واسعة واطلاع كبير على المصادر فضلا عن أنها متداخلة مع علوم مختلفة ، كعلمي الاقتصاد والاجتماع . وقد أشار الدكتور طه الى أن الدراسات الاقتصادية والاجتماعية تتطلب الاستعانة بأنواع مختلفة من المصادر التاريخية والاقتصادية والبلدانية والإدارية والمعجمية والفقهية والأدبية . كما أن الإطلاع على  المراجع والبحوث الحديثة يعد ضروريا، وان كانت لا تخلو من الانحياز في التحليل و طرح الآراء والنظريات المسبقة. ويحدد الدكتور طه المنهج المطلوب في دراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي العربي – الإسلامي فيقول لابد وان ينبثق المنهج من معايير عربية وإسلامية تأخذ الوقائع بنظر الاعتبار، كما تحاول رسم صورة  اقرب الى الحقيقة التاريخية والعلمية المناسبة .

     يؤكد الدكتور طه خضر عبيد كذلك، على أن فهم خبرات الأمة وتتبع مسيرتها التاريخية بجوانبها المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية ، تعد ضرورية لوعي تلك الأمة ،وبداية ملحة للانطلاق نحو مستقبل زاهر يتجاوز العثرات. ولم يغفل الدكتور طه الإشارة إلى أن المنهجية التاريخية العراقية تعد متفردة  وبعيدة، إلى حد كبير، عن المدارس والمناهج الأجنبية التي أرادت فرض تفسيراتها على التاريخ العربي والإسلامي ، ورسم الدكتور طه ،لمن بعده، التوجهات الواجبة عند دراسة الجوانب الاقتصادية والاجتماعية العربية الإسلامية وأبرزها أمران اولهما الإطلاع على المبادىء والأحكام والنظريات والآراء والوسائل الاقتصادية والاجتماعية المعتمدة على النصوص القران الكريم،  والسنة النبوية ،والنصوص التراثية ، وكتب الفقه والتنظيمات الاقتصادية والاجتماعية، وأخيرا واقع الحال للنشاط الزراعي، والحرفي، والصناعي ،والتجاري، والاجتماعي، بأنواعه وأشكاله وتطوراته ومشاكله . وأما الأمر الثاني فهو العودة للمصادر ،ومنها كتب السنن والمصادر المادية كالنقود والنقوش  ومؤلفات المفكرين الاقتصاديين والاجتماعيين الرواد كالجاحظ والماوردي  وابن قيم الجوزية وابن خلدون والمقرزي وكتب الزراعة والفلاحة وكتب علم المعادن والمؤلفات التاريخية والجغرافية والبلدانية وكتب الأدب ،والحسبة، والمعاجم  اللغوية، وأوراق البردي العربية ،ووثائق الجنيزا والكتب السريانية والمراجع العربية والأجنبية الأخرى.

       وللمدن والخدمات العامة التي تقدم فيها ، حيز من اهتمام الدكتور طه خضر عبيد ، ولاشك في أن هذا الميدان قد تطور خلال السنوات الماضية تطورا ملحوظا، وظهرت بعض الدراسات التي يعتد بها .. وكما هو معروف فأن موضوع الخدمات يهتم بالبيئة  والحفاظ على هوائها ومائها من التلوث ، وبناء المستشفيات والمدارس والخانات والفنادق والحمامات وتزويد المدن بالمياه . وتعد دراسة المدن من الدراسات المهمة التي تعكس حركة التقدم الحضاري للمجتمعات .

    ومما سجله الدكتور طه خضر عبيد أن كثيرا من الباحثين والمؤرخين العرب انكبوا على دراسة القسم الغربي الأوربي والذي كان يعرف بالإمبراطورية البيزنطية (الرومانية المتأخرة )  ضمن ما يعرف بالعصور الوسطى الأوربية ،إلا أنهم اغفلوا القسم الشرقي من أوربا وأهملوا التأثيرات الحضارية العربية والإسلامية، وهم وان اهتموا بذلك فأنهم ركزوا على جوانب معينة كالعلاقات الحربية .ويدعو الدكتور طه المؤرخين والباحثين إلى الاهتمام بالتاريخ البيزنطي حيث سيجدون هناك الكثير مما سيساعدهم على فهم الصلات الاقتصادية والثقافية بين العرب المسلمين والبيزنطيين. وفي هذا المجال يقول أن من يدرس العصور الوسطى الأوربية سوف يجد أن هناك ثلاث مجتمعات رئيسة تقاسمت المكان في آسيا  وأوربا وأفريقيا متزامنة تقريبا، ولكل كيان منها مكوناته وخصائصه وأوضاعه وهي على التوالي: المجتمع البيزنطي المسيحي الارثودكسي وتمثله الإمبراطورية البيزنطية، والمجتمع المسيحي الغربي وتمثله الامبراطورية الرومانية المقدسة، والمجتمع العربي الإسلامي وتمثله الإمبراطورية العباسية وعاصمتها بغداد .

     يقينا أن إضافات الدكتور طه خضر  عبيد في مجال التاريخ  الاقتصادي والاجتماعي ،تعد نوعية،  ومهمة، ومفيدة، ولاشك في أنها ستكون موضع اهتمام لمتتبعي المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة .

المؤرخ الدكتور غانم محمد الحفّو (1946-   )

          أستاذ جامعي، مؤرخ ، كاتب وشاعر. ولد في مدينة الموصل، وفي محلة باب العراق تحديداً يوم 3 أيلول سنة 1946. وأكمل دراساته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها، ثم سافر إلى بغداد ليلتحق بكلية التربية، جامعة بغداد. وقد حاز على شهادة البكالوريوس في التاريخ، في حزيران سنة 1968 . عين مدرساً في ثانوية القوش ونقل بعدها مدرساً ثم مديراً لثانوية بعشيقة ثم نقل إلى الموصل ليعمل مدرساً في متوسطة الحرية ثم ثانوية أم الربيعين ، وخلال الفترة من 8 آذار 1969 وحتى 18 أيلول 1977، مارس التدريس الثانوي وقد استقال بصورة رسمية لغرض إكمال دراسته العليا على نفقته الخاصة، وسافر إلى فرنسا يوم 18 أيلول سنة 01977 ودخل جامعة بواتييه بفرنسا وحصل على شهادة الماجستير في حزيران 1979 وشهادة الدكتوراه في 29 حزيران 1981، وكانت رسالته للماجستير تدور حول "المعارضة السياسية العراقية المتمثلة بحركات عشائر الفرات الأوسط 1934-1936". أما   أطروحته للدكتوراه فكانت بعنوان "العراق في مواجهة الحرب العالمية الثانية".

          عاد إلى الوطن، ليعين بموجب الأمر الجامعي المرقم ش/225 في 15 كانون الثاني 1982، مدرساً في قسم التاريخ بكلية التربية/ جامعة الموصل. وقد تدرج في المراتب العلمية، بعد فترة من البحث والتدريس، ونال الأستاذية في 25 شباط سنة 1996.

          للأستاذ الدكتور غانم محمد الحفّو كتب عديدة، ألفها لوحده أو بالاشتراك مع زملائه. ومن الكتب التي ألفها كتابه: " أفكار في السلطة وحقوق الإنسان" وقد صدر ضمن سلسلة شؤون إقليمية التي يتولى مركز الدراسات الإقليمية بجامعة الموصل نشرها (2005) .

          كما صدر له عن المركز نفسه وضمن السلسلة ذاتها كتاب بعنوان  "صفحات من تاريخ التكتلات الإقليمية في الشرق الأوسط: العراق انموذجاً 1946-1959" (2005) ومن الكتب التي ألفها بالاشتراك مع زملائه:

1.                 تاريخ الوطن العربي المعاصر (1986)

2.                 قضايا عربية معاصرة (1988)

3.                 دراسات في فلسفة التاريخ (1988)

4.                 الأكراد والأحداث الوطنية في العراق خلال العهد الملكي 1921-1958 (2005)

5.                 خصخصة الاقتصاد العراقي: الواقع..الإشكالية.. المستقبل (2004)

وله كتب لاتزال مخطوطة منها:

1.     المعارضة السياسية العراقية وحركات عشائر الفرات الأوسط 1934-1936، وهو بالأصل رسالته للماجستير التي قدمها سنة 1979 إلى جامعة بواتييه باللغة الفرنسية .

2.     العراق في مواجهة الحرب العالمية الثانية وهو بالأصل اطروحته للدكتوراه التي قدمها سنة 1981 إلى جامعة بواتييه باللغة الفرنسية.

3.     وجوه وقضايا سياسية من تاريخ العراق المعاصر

4.     خواطر في جبهة الحياة (ملاحظات وجدانية وفكرية).

      وللأستاذ الدكتور غانم محمد الحفّو ديوان شعر منشور منذ سنة 1976 بعنوان:"إشارة عادية إلى مملكة الألوان". كما ان له قصائد كثيرة منشورة في الصحف والمجلات العراقية وتضم إدراج مكتبته دواوين شعر غير منشورة لحد الآن منها على سبيل المثال: ديوان شعر بعنوان :            ( سلاماً أيتها الهاوية) ، وديوان شعر بعنوان (البحر والكلمات)، وديوان شعر بعنوان (للذي اصطاد القمر).

          كما ان له قصائد نثرية الأولى بعنوان (النوارس تفضل البحر دائماً). والثانية بعنوان (تأملات في أسئلة ممنوعة).

          وقد مارس الترجمة من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية، ومما ترجمه بحوث عديدة في موضوعات تتعلق بالتاريخ الحديث والمعاصر.

          كما أسهم في تحرير موسوعات عديدة منها موسوعة الموصل الحضارية (جامعة الموصل)، وموسوعة التاريخ الإسلامي (القاهرة)، وموسوعة المفصل في تاريخ العراق المعاصر (بيت الحكمة – بغداد) وموسوعة العراق الحضارية (جامعة الموصل) .

          أشرف على أكثر من (15) رسالة ماجستير و (11) أطروحة دكتوراه إلى جانب إسهامه في مناقشة عشرات الأطاريح والرسائل الجامعية في جامعات العراق المعروفة. هذا فضلاً عن قيامه بتدريس مواد دراسية مهمة لطلبة الدراسات الأولية والدراسات العليا منها على سبيل المثال: التيارات السياسية في العالم العربي، والعراق المعاصر: التحولات الاقتصادية والاجتماعية، والنهضة العربية في العصر الحديث.

          يعمل الآن مديراً لمركز الدراسات الإقليمية بجامعة الموصل وقد عيّن في هذا المنصب منذ 15 أيلول سنة 2003. وهو عضو في هيئة تحرير مجلة (دراسات موصلية) التي يصدرها مركز دراسات الموصل بجامعة الموصل. كما ترأس لجنة الترقيات في كلية العلوم السياسية بجامعة الموصل 2003-2004 وكان عضواً في لجنة الترقيات بكلية التربية – جامعة الموصل منذ سنة 1997 حتى سنة 2005. وهو عضو في جمعية المؤرخين العراقيين، واتحاد المؤرخين العرب، ونقابة المعلمين في العراق. وقد حضر ندوات ومؤتمرات عديدة داخل القطر.

متزوج ولديه (3) أبناء.

          للأستاذ الدكتور غانم محمد الحفّو رؤية واضحة إلى التاريخ، فهو يؤمن بحق الشعوب في النضال من أجل التحرر، ويؤكد باستمرار على مبادئ حقوق الإنسان، ويقول بأن على المؤرخ ان يكون صادقاً، وأميناً، وشجاعاً، وينبغي عليه أن يقول الحقيقة ولاشيء غير الحقيقة، وهو يعتز بإنجازات غيره من المؤرخين سواء أكانوا أساتذة سابقين له أو كانوا زملاءه.. ويعيب على المؤرخ ان يكون أحادي النظرة إلى التاريخ، فهو يؤمن بأن ثمة عوامل دينية، وسياسية، واقتصادية، واجتماعية، ونفسية تعمل مشتركة في إنجاز الحدث التاريخي.. ويرفض الأفكار المسبقة إلى التاريخ، ويقول ان على المؤرخ ان يغوص في الأحداث ليستخرج القواعد والقوانين المنطقية التي تحكم سيره لا أن يضع نظرية أو فرضية ثم يلوي عنق التاريخ ليثبت نظريته أو فرضيته..

          ويحرص المؤرخ الدكتور غانم محمد الحفّو على إبراز دور الرجال العظام في سير حركة التاريخ، لكن بشرط ان لا يكون ذلك على حساب دور الجماهير.. وقد أفرد جانباً من دراساته وبحوثه التي نشرها في بعض المجلات العلمية الأكاديمية لتوثيق دور عدد من صناع التاريخ العراقيين وخاصة في العهد الملكي (1921-1958)، ولا ينسى التذكير بجهودهم ونشاطاتهم التي أسهمت في إرساء أُسس الدولة العراقية الحديثة.. وباختصار فانه مؤرخ موضوعي علمي يعتمد الوثائق في كتاباته، ولا يجتهد الا في موضع النص، ويرفض أية محاولة لتحميل النصوص التاريخية أكثر مما تتحمل ويؤكد باستمرار على ان لكل ظرف تاريخي مسبباته، ومشاكله، وملابساته، وعلى المؤرخ ان يرجع إلى المصادر، بكل تنوعاتها، لكي يكشف الحقيقة التاريخية ويضعها أمام القارئ..        

المؤرخ الدكتور فاروق عمر فوزي (1938 ـ        )

       منذ اكثر من (30) عاما ، وانا أعرف الزميل والصديق الأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي ، وقد وجدته مؤرخا متميزا وباحثا جادا وأستاذا فاضلا وإنسانا ودودا .. وفي الحقيقة فان الصلة انقطعت بيننا منذ بضع سنوات بسبب سفره إلى خارج العراق واستقراره في الادرن على ما أظن ..
       وفاروق عمر فوزي ، نال من الاهتمام الكثير ، وقد أحدثت كتبه التي أصدرها في السبعينات من القرن الماضي حول ( الدعوة العباسية ) صدى كبيرا ، وتصدى البعض لمناقشة مضامينها وتسفيه الأسس الفكرية التي استندت إليها لكن ناقدا معروفا وهو الدكتور هشام جعيط ، وجد في كتابات الدكتور فاروق عمر فوزي من التميز ما تجعله يحتل مكانة متقدمة بين المؤرخين العالميين لذلك وضعه مع الأستاذين الدكتورين عبدالعزيز الدوري وصالح احمد العلي وقال إن كتابات فوزي والدوري والعلي تشكل ، بحق ، أعظم إنجاز قدمه العرب عموما على المستوى العالمي في القرن العشرين.
      فاروق عمر فوزي موصلي ، ولد في الموصل سنة 1938 وأكمل دراساته الأولى فيها ثم التحق بدار المعلمين العالية (التربية) ببغداد وحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ بدرجة الشرف .. وقد أكمل الدكتوراه في جامعة لندن سنة 1967 وعين في كلية الآداب ، جامعة بغداد ورقي إلى رتبة الأستاذية سنة 1979 وترأس قسم التاريخ لمرتين الأولى سنة 1978 والثانية سنة 1980 وقد اختير سنة 1976 ليكون سفيرا في ديوان وزارة الخارجية .

    كتب عنه صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعته الشهيرة : (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين ) وقال انه أسهم في عدة مشاريع تاريخية علمية منها كتابة مواد في دوائر معارف مهمة من قبيل دائرة المعارف الإسلامية ودائرة المعارف البريطانية والموسوعة الفلسطينية وموسوعة حضارة العراق (13 مجلدا) .

     لقد شاع اسم الأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي بعد نشر كتابه في بيروت سنة 1974 والموسوم ( طبيعة الدعوة العباسية) ومما ساعد على ذلك انه أحدث انقلابا في شكل النظرة إلى هذا الحدث التاريخي المهم وخاصة في تأكيده على عروبة هذه الدعوة .

أصدر الدكتور فاروق عمر فوزي كتبا عديدة منها ( الخلافة العباسية) باللغة الإنكليزية وهي أطروحته للدكتوراه (1969) و(العباسيون الأوائل) (1970ـ1972) والخلافة العباسية في عصر الفوضى العسكرية(1979) و( الخلافة العباسية في العصور المتأخرة ، 1982) وبحوث في التاريخ العباسي (1977) ، وعباسيات (1976) بالإنكليزية والتاريخ الإسلامي وفكر القرن العشرين (1980) ، والخليج العربي في العصور العباسية (1982) ، و(النظم الإسلامية) .

    كما ترجم عن الإنكليزية كتبا كثيرة منها ( تاريخ فلسطين في العصور الوسطى) لبارتولد وله دراسات وبحوث كثيرة منشورة في مجلات عراقية وعربية وأجنبية .

     الذي يهمنا هنا في هذا الحيز المحدود ، أن الدكتور فاروق عمر فوزي أسهم إسهاما فاعلا في إرساء أسس المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة . ولهذه المدرسة معالم متميزة وواضحة أبرزها ، أنها لا تستند إلى نظرة تقليدية جامدة للتاريخ وهي ليست عالة على ما تصدره المؤسسة الاستشراقية من أفكار وآراء باتت قديمة ومرفوضة حتى في أوساط المثقفين في الغرب ( انظر مجلة الف باء العدد 1034، 20 تموز 1988ص51) .

    وقد أجهد الدكتور فوزي نفسه في فرز الاتجاهات الخاطئة في كتب ومؤلفات المؤرخين العرب الذين وقعوا تحت تأثيرات المدرسة الأوربية في التاريخ ويقول ان الاتجاه الذي يتبناه في كتابة التاريخ يعتمد إلى (( نظرة ذاتية عربية شمولية موضوعية وبمنهجية علمية تعتمد فلسفة للتاريخ تربط فيها الوقائع والإحداث التاريخية الجزئية بتاريخ الأمة ككل وتحاول ان تفسر دورها وأثرها في مسيرة هذا التاريخ وتكوينه عبر القرون والأجيال ))

      ويعد الدكتور فاروق عمر فوزي بان المؤرخين العراقيين ((مقتدرين)) و((اكفاء)) في مجالات معينة في حقول التاريخ ((ولا يقلون في مستواهم وعلميتهم عن مواصفات أحسن المؤرخين في العالم )).

     ويرى الدكتور فوزي بان للمؤرخ رسالة تربوية وطنية فما يكتبه ينبغي ان يستهدف ((إعداد المواطن للعيش في حاضر متطور نحو مستقبل أفضل .. وهذا الواجب في اعتقادي الوظيفة الوطنية والقومية للتاريخ وهي وظيفة لا يؤديها غير التاريخ من بين العلوم الإنسانية )) . ويمكن أن يكون للبطل دور في التاريخ فبعض الإبطال لعبوا في التاريخ دورا حاسما وكان العرب في عصورهم الإسلامية الأولى ينظرون إلى البطل على انه قائد يدرك المسؤوليات الكبيرة الملقاة على عاتقه ، ولذلك كانوا يتحرون فيه سجايا وصفات فاعلة ومؤثرة منها الشرف والشجاعة والعدالة والإخلاص والحلم والمقدرة وإنكار الذات والاقتدار والحنكة والتجربة .

     وللدكتور فوزي رأي طريف في القاريء العراقي فيقول انه (( قاريء ذواق ينتقي بدقة ما يرغب في قراءته ولهذا نلاحظ ان كتب التاريخ على العموم تأتي في مقدمة ما يقتنيه القاري في العراق )).

       تمنياتنا للزميل والصديق الاستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي بالصحة والعافية وطول العمر وغزارة الإنتاج .    

المؤرخ  الدكتور فاضل حسين 1914 –1989
 
مؤرخ عراقي معروف ولد في مدينة بعقوبة (محافظة ديالى) سنة 1914 وقد تلقى تعليمه الاولي
في مدرسة بعقوبة الابتدائية 1923-1929، ثم التحق بدار المعلمين الاولية وامضى فيها اربع
سنوات وتخرج وعين معلما سنة 1932 وفي سنة 1938 اشترك في الامتحان العام (الوزاري) كطالب خارجى 
واجتاز الامتحان بنجاح وفي السنة التالية تقدم الى وزارة المعارف (التربية) للحصول على بعثة للدراسة
 خارج العراق ورشح للالتحاق بالجامعة الاميركية في بيروت وحصل منها على شهادة البكالوريس
 في التاريخ سنة 1943 وقد عاد الى العراق ليعمل بين سنتى 1943 و1948 مدرسا للتاريخ في المدارس
 الثانوية، وحظى بعد ذلك ببعثة علمية اخرى، اذ سافر الى الولايات المتحدة الاميركية ودرس في جامعة انديانا
 ونال الدكتوراه سنة 1952 عن رسالته " ولاية الموصل: دراسة في الدبلوماسية البريطانية – والتركية – والعراقية
 في الراى العام".
وقد عد عملا متميزا يستحق المبا دلة مع الجامعات الاخرى خاصة انها نجحت في عرض وجهة
نظر العراق امام العالم عرضا حسنا كما قال المشرف على الرسالة الاستاذ (بنز(.
عاد الدكتور فاضل حسين الى العراق وعين مدرسا في دار المعلمين العالية (كلية التربية
فيما بعد) ثم رقي الى مرتبة استاذ مساعد. وفي سنة 1966 حصل على مرتبة الاستاذية. وقد تسنم مناصب عديدة
 كان من ابرزها (رئيسا لجامعة الحكمة) ببغداد 1968 .
 
عمل بين سنتى 1971-1972 استاذا في قسم التاريخ بكلية الاداب، جامعة الملك سعود وفي
السنوات 1958 و1974 و1984 دعى الى معهد البحوث والدراسات التابع لجامعة الدول العربية
لالقاء محاضرات حول تاريخ العراق والشرق الادنى الحديث، وخلال وجوده في القاهرة القى
محاضرات في مركز بحوث الشرق الاوسط / جامعة عين شمس وفي الجمعية التاريخية المصرية. 
كان الاستاذ الدكتور فاضل حسين، استاذا متميزا ومربيا فاضلا، ترك اثارا عميقة لدى طلبته وزملائه، خاصة وانه
 كان معروفا بدماثة الاخلاق والصراحة والجدية وسعة الاطلاع ودقة الملاحظة وصدق الاستنتاج، لكنه لم يخف عن
 احد بانه كان ليبراليا وقد عشق الحرية والعدالة والتقدم وعبر عن ذلك في محاضراته ومؤلفاته. كان منذ زمن مبكر
 من حياته معجبا بما كانت تكتبه جريدة الاهالي في الثلاثينات من القرن الماضي وقد انتمى الى 
جمعيتى الاصلاح الشعبي 1937 و الرابطة الثقافية 1943 الراديكاليتين وفتح له ذلك الطريق للتعرف على عدد كبير
 من الشخصيات العراقية المعروفة بتوجهاتها التحررية والاشتراكية امثال جعفر ابو التمن وكامل الجادرجي
 وذو النون ايوب وعبد الفتاح ابراهيم وحسين جميل ويوسف متري .
 
اهتم بتدوين تاريخ الحزب الوطني الديموقراطى المؤسس في العراق سنة 1946 وكان من اوائل
المؤرخين العراقيين الذين تصدوا لدراسة وتدريس تاريخ الفكر السياسي الحديث في العراق
المعاصر. وللدكتور فاضل حسين اراء قيمة في مجال كتابة التاريخ وفهمه. كان يعتقد ان اكبر
مشكلة تواجه المؤرخ هي مشكلة (الاحكام المسبقة Prejudgment ,) وتعنى عد م الحكم على قضية ما وفرض
 تفسير معين لها قبل الاطلاع على معطياتها. وبهذا المنهج درس ثورة 1920 الكبرى في العراق واستنتج بانها 
لم تكن ثورة دينية او عشائرية او طبقية بل ثورة وطنية اسهم فيها كل العراقيين وهدفها الاستقلال والتحرر والتقدم. 
كان الدكتور فاضل حسين، يرى ان مهمة كتابة التاريخ مهمة صعبة تقتضي التثبت من الحقيقة، كل الحقيقة ولا شئ 
غير الحقيقة عن الماضي .وقد سار على هذا المنهج في كل كتاباته .
الف الدكتور فاضل حسين كتبا كثيرة منها: تاريخ الحزب الوطني الديموقراطي 1963، وتاريخ
الفكر السياسي في العراق المعاصر 1984 ، وسقوط النظام الملكي في العراق 1974، ومؤتمر
لوزان واثاره في البلاد العربية 1958 ، والتاريخ الاوربي الحديث 1789- 1914 ومشكلة شط
العرب 1975. 
كما ترجم اعمالا عديدة منها: تاريخ فلسطين السياسي وهو بالاصل المذكرة التى قدمتها الحكومة البريطانية 
سنة 1947 الى لجنة الامم المتحدة الخاصة بفلسطين وقد طبع الكتاب ببغداد 1956. وترك الدكتور
 فاضل حسين مقالات كثيرة منشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية والاجنبية وتدور معظمها حول 
موضوعات تاريخية وسياسية وتربوية منها مقالاته المتسلسلة في جريدة الاهالي (البغدادية) بين 23 تشرين الثاني
 و3 كانون الاول 1945.
وتعد من ابرز ما قدمه في سبيل نهضة التعليم في العراق وتقدمه في تلك الحقبة المهمة من
تاريخ العراق المعاصر. وقد وضع عندي نسخة من هذه المقالات حيث كنت من طلبته الذين اشرف عليهم، ويعرف
 بانني من المهتمين بالتاريخ الوطني للتعليم في العراق وارجو ان تتيسر لي فرصة تقديم دراسة
لاراء الدكتور فاضل حسين في مجال السياسات التربوية في العراق.
 في اليوم السادس والعشرين من اب سنة 1989 توفي الدكتور فاضل حسين وبوفاته فقدت المدرسة التاريخية 
العراقية المعاصرة واحدا من ابرز اعلامها ويقينا ان ما تركه بيننا من اثار
يجعلنا نذكره بكل اعتزاز وفخر رحمه الله .

 المؤرخ الدكتور فيصل السامر 1925 ـ 1982

         مؤرخ ، ومرب عراقي ، أستاذ جامعي ، وسياسي ، وباحث متميز ، كان له ، رحمه الله ، حضوراً متميزاً على الساحة الثقافية العراقية المعاصرة . عرفته عن كثب حينما كان أستاذاً ورئيساً لقسم التاريخ بكلية الآداب / جامعة بغداد مطلع السبعينات من القرن العشرين .. وقد حظي بحب طلبته وزملائه ، فكان بحق عَلَماً من أعلام المدرسة التاريخية المعاصرة وصاحب منهج واضح في كتابة التاريخ ، تتلمذت على يديه أجيال كثيرة ، وتعلمت منه الصدق ، والتسامح ، والمحببة ، والتواضع ، والبساطة ،وحب فعل الخير مع من يستحق ومن لا يستحق .. أتذكر بأنني كتبت عرضاً لكتابه الموسوم :
" الأصول التاريخية للحضارة العربية الاسلامية في الشرق الأقصى " والذي صدر في أواخر سنة 1977 في جريدة الجمهورية ( 9 كانون الأول 1977 ) ، وعندما قرأه حرص على تقديم الشكر لي ، وحثني على مواصلة هذا النهج في الكتابة واتفق معه حينذاك أستاذي الآخر المرحوم الدكتور عبد القادر أحمد اليوسف .

       ولد الدكتور فيصل جرئ السامر في البصرة سنة 1925 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة فيها ، وعندما أحرز درجات عالية في امتحان ( البكالوريا ) قبل في كلية الملك فيصل ببغداد،وكانت آنذاك (مدرسة ثانوية خاصة للمتفوقين والموهوبين ) وبعد تخرجه أوفد إلى مصر فانتسب إلى كلية الآداب بجامعة القاهرة وحصل منها على شهادتي ( الليسانس ) و ( الماجستير ) وكانت رسالته للماجستير بعنوان " ثورة الزنج " وقد طبعت أكثر من مرة أولها ببغداد سنة 1954 وآخرها ببيروت سنة 1971 . وفي سنة 1953أكمل الدكتوراه من الجامعة ذاتها وكانت رسالته بعنوان : " الدولة الحمدانية في الموصل وحلب " ، وقـد طبعت مرتين الأولى في بغـداد سنة 1953 والثانيـة في القاهرة سنة 1970 . ويقع الكتاب في جزأين .

       عمل الدكتور فيصل السامر بعد حصوله على الليسانس والماجستير مدرساً في دار المعلمين الابتدائية ، وفي ثانوية البصرة ، ثم انتقل ليصبح مدرساً لمادة التاريخ الاسلامي في دار المعلمين العالية ( كلية التربية حالياً ) ببغداد .

      اتجه إلى العمل السياسي وكان يسارياً وتقدمياً في تفكيره وتوجهه،وليس ثمة دلائل على انتماءه إلى الحـزب الشيوعي ، كما أشيـع لكن مواقفـه المناوئة للحكـم الملكي ولارتباطات قادة العراق آنذاك ومنهم نوري السعيد بالغرب ومشاريعه كحلف بغداد أدّت إلى أن يفصل من الخدمة الحكومية مع عدد من زملائه ولم يكتفِ النظام السياسي السائد آنذاك بفصلـه بل ألحقه وزملائه بالخدمـة العسكرية الالزامية وأدخـل دورة ضباط الاحتياط العاشرة التي خصصت للمفصولين سنة 1955 ، وبعد تسريحه اضطر للسفر إلى الكويت وقام هناك بالتدريس في بعض معاهدها التعليمية ولم يعد إلى العراق إلاّ بعد انفجار ثورة 14 تموز 1958 التي قام بها الضباط الأحرار بمؤازرة الأحزاب السياسية    تحت راية ما كان يسمى بـ ( جبهة الاتحاد الوطني ) التي تأسست سنة 1957 ، وقد أصبح الدكتور السامر ، رحمه الله ، من رجالات ( العهد الجديد ) فتسنم مناصب عديدة منها ( مدير التعليم العام ) في وزارة التربية ( المعـارف ) ، وفي سنة 1958 اختاره الزعيم ( العميد ) الركن عبد الكريم قاسم القائد العام للقوات المسلحة رئيس الوزراء وزيراً للارشاد ( الاعلام ) .. وعندما يذكر السامر ، يتذكر الناس في العراق دوره في إنشاء وكالة الأنباء العراقية ، ودوره في تأسيس نقابة للمعلمين ، وقد أصبح أول رئيس لهذه النقابة . في1961 عيّن سفيراً للعراق في اندونوسيا و ماليزيا، وبعد سقوط النظام القاسمي يوم 8 شباط 1963 ترك السامر العراق وذهب إلى ( جيكوسلوفاكيا ) السابقة حيث عمل أستاذاً في جامعة براغ، أكاديمية العلوم في براغ. وفي تموز 1968 عاد إلى العراق والتحق بأعضاء هيئة التدريس بجامعة بغداد كلية الآدآب قسم التاريخ، ثم أعيد إلى قسم التاريخ بكلية الآداب ليعمل أستاذاً ، وقد انتخبه زملائه رئيساً للقسم ، وبقي كذلك سنوات ، ثم تفرغ للبحث العلمي والتدريس والإشراف على طلبة الدراسات العليا .
       ليـس من السهولة إحصاء ما كتبه وترجمه وحققـه السامر مكن كتب ودراسات وبحوث باللغتين العربية والانكليزية ، فانتاجه العلمي كبير ، شكلاً ومضموناً ، لكن التوثيق يقتضي منّا أن نشير إلى أن من أو اصدارات السامر كتاب نشر سنة 1948 بعنوان : " صـوت التاريخ ". وضـمَّ الكتاب موضوعـات عن أثينـا والديموقراطية ، والاسلام ، والحركة البروتستانتية ، والثورة الفرنسية . وفضلاً عن رسالتيه للماجستير
( ثورة الزنج ) وللدكتوراه ( الدولة الحمدانية في الموصل وحلب ) ، له من الكتب :

1 ـ  الأصول التاريخية للحضارة العربية الاسلامية  في الشرق الأقصى ( بغداد ،
       1977 ) .

2 ـ  العرب والحضارة العربية ( بغداد ، 1977 ) . 3 ـ  ابن الأثير ( بغداد ، 1983 ) .

             ومن بحوثه المنشورة:

1 ـ  موقفنا من المدنية الغربية ( الكويت ، 1959 ) . 2 ـ  السفارات العربية إلى الصين في العصور الوسطى الإسلامية ( بغداد ،1971 ). 3 ـ  ملاحظات في الأوزان والمكاييل وأهميتها ( بغداد ، 1971 ) . 4 ـ  التسامح الديني والعنصري في التاريخ العربي الاسلامي ( بغداد ، 1972 ) . 5 ـ  الفكر العربي في مواجهة الفكر الغربي ( بغداد ، 1972 ) .

6 ـ  حركة التجديد الديني والعلماني في اندونسيا ( بغداد ، 1972 ) . 7 ـ  خواطر وذكريات عن طه حسين ( بغداد ، 1974 ) . 8 ـ  الأهمية الاجتماعية والاقتصادية للمكاييل والأوزان الاسلامية ( باريس،1975 ).

9 ـ  جوانب جديدة من حياة الملك فيصل الأول ( باريس ، 1976 ) . 10 ـ  اليهود العراقيون ، لمحات تاريخية ( بغداد ، 1977 ) . 11 ـ  مواد الكتابة عند العرب ( تونس ، 1979 ) . 12 ـ  العـراق ( اكستر ، 1981 ) .

13 ـ  نهضة التجارة العربية في العصور الوسطى ( بغداد ، 1981 ) . 14 ـ  الحياة الحزبية في الوطن العربي بعد الحرب العالمية الثانية ( بغداد،1978 ).   
      كما انصرف لتحقيق بعض كتب التراث منها على سبيل المثال كتاب ( عيون التواريخ ، لابن عساكر ، ثلاثة أجزاء ) وطبع ببغداد بين سنتي 1977 و 1984 .

      وله ترجمات عن اللغتين الفرنسية والانكليزية منها على سبيل المثال كتاب ( أزمة الحضارة ) لجوزيف أ . كاميليرس ( بغداد ، 1984 ) ، وكتـاب ( النظم الاسلامية ) تأليف موريس ، غ . ديمومبين . 

      كتب صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعته ( اعلام العراق في القرن العشرين ) الجزء الثاني عن الدكتور فيصل السامر ، وقال أنه " عالم بالتاريخ " كانت له " مواقف وطنية " وقد " أسهم في الحياة الثقافية اسهاماً لامعاً " ونقل عنه رأيه في التاريخ والمؤرخين وقال " أن المؤرخ ، في رأي الدكتور السامر، لا يكون مجرد راوية أمين لأحداث الماضي فقط ، فهذا واجب من واجباته فحسب ، أن الواجب الأكثر أهمية وأصالة في أن يكون المؤرخ طرفاً نشيطاً في تفسير أحداث عصره تفسيراً واعياً ". وفي رأيه أيضاً " إذا كان من واجب المؤرخ أن يكون بين القوى المنظمة للحياة الحاضرة والمساعدة على دفعها إلى الأمام ، فإن مؤرخينا مدعوون إلى أن يسلطوا الضوء على الحلقات المضيئة والعلامات الدالة على حيوية الحضارة العربية كي نجعل التاريخ حافزاً من حوافز نضالنا ونهوضنا الحديث " .
      لقد كان هم السامر هو أن يطلع القاصي والداني على منجزات العرب والمسلمين  في حقول الحضارة والثقافة والآداب والفنون ، وكثيراً من هذه المنجزات ذات علاقة مباشرة بحمية المسلمين في نشر دينهم في كل بقعة يستطيعون الوصول إليها باعتبار ذلك جزءاً من رسالة الإسلام .كما أن تلك المنجزات ، برأي الدكتور السامر ، ارتبطت بهدفٍ ثانٍ هو النشاط الاقتصادي الذي رافق توسع الدولة العربية الاسلامية ، وامتداد أقاليمها ، فمع أن التاجر العربي كان يسعى للحصول على الربح ، إلاّ أنه لم يألُ جُهداً في نقل عقيدته وإيصالها إلى جميع أولئك الذين يقدر له أن يتعرف عليهم في رحلاته في الأقاليم التي يذهب إليها .

      توفي ، رحمه الله ، صباح يوم 14 كانون الأول سنة 1982 ، وترك بيننا ثروة علمية تعطي الدليل على أنه كان مؤرخاً شجاعاً ومنصفاً وصادقاً إلى جانب كونه انساناً وطنياً مناضلاً أفاد بلده وأمته والعالم أجمع .

المؤرخ الدكتور فيصل الوائلي 1922 ـ1982

     لا اعرف السبب الذي منع الكثير من الكتاب والباحثين من الكتابة عن المؤرخ والآثاري البارز المرحوم الأستاذ الدكتور فيصل الوائلي مع انه كان من الذين أسهموا إسهاما فاعلا ليس في مجال التدريس الجامعي وإنما في وضع أسس بنيان المدرسة الاثارية العراقية المعاصرة .

    لقد عرفته منذ أن كان يدرسنا مادة التاريخ القديم عندما كنتُ طالبا في قسم التاريخ بكلية التربية / جامعة بغداد مطلع الستينات من القرن الماضي .. وكان آنئذ مديرا للآثار العام ، وقد تعودنا على أن نستمع لمحاضراته بعد انتهاء دوامه الرسمي ، أي بعد الظهر .. وكان رحمه الله ، من الأساتذة البارزين الذين يلقون محاضراتهم ونحن بدورنا نسجل كل كلمة يقولونها .. ولازلت حتى كتابة هذه الأسطر احتفظ بدفترين كبيرين من ذوات آل (100) ورقة ، يتناول الأول محاضراته في تاريخ العراق القديم في حين يضم الثاني محاضراته في تاريخ مصر القديمة  ، وتاريخ العبرانيين القديم وتاريخ الرومان وتاريخ فارس .. ويقينا إنني اعتز شديد الاعتزاز بهذه المحاضرات لما تمثله من قيمة علمية لا أجدها في أي مصدر آخر .

     كتب صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعته أعلام العراق في القرن العشرين عن الدكتور فيصل الوائلي بضعة اسطر ومما قاله أن الدكتور فيصل الوائلي باحث اثاري ، دكتوراه في الآثار من الولايات المتحدة الأمريكية ولد في النجف الاشرف سنة 1922 وقد ظهرت لديه ميول أدبية وشعرية منذ أن كان تلميذا في المدرسة الثانوية . اسهم في النضال السياسي القومي وهو في مرحلة الدراسة الجامعية الأولى .. كما اشترك وخطط لمؤتمرات ثقافية واثارية عديدة وخاصة في منتصف الستينات من القرن الماضي ..

     رأس تحرير مجلة سومر الاثارية الرائدة وكتب لها افتتاحياتها للمدة من 1963 وحتى 1965 .   طبع من كتبه (من أدب العراق القديم) طبعتين في بغداد الأولى سنة 1964  والثانية سنة 1967 .   كما أن له كتاب ( آثار العراق ومشاريع الري) طبعه في القاهرة سنة 1965 وله أيضا ( الكاشيون في العراق) ولم يظهر عليه تاريخ النشر .. ذكره الأستاذ المعجمي كور كيس عواد في ( معجم المؤرخين العراقيين) الذي نشره بعدة أجزاء سنة 1969 . وقد قام الوائلي بترجمة ملحمة كالكامش من النص البابلي وقارن الترجمة بثلاث ترجمات في اللغة الإنكليزية وقد ترك هذا النص مخطوطا ..  وكانت ترجمة فريدة ورائدة وأصيلة .كما ترجم كتاب( السومريون : تاريخهم وحضارتهم وخصائصهم) ، تأليف عالم السومريات المعروف صموئيل نوح كر يمر ، وقد طبعته دار غريب للطباعة في القاهرة سنة 1973 .

   ومن دراساته المنشورة :

    1 . تاريخ العراق القديم في النصوص الآشورية 853 ـ630 ق . م : الذكرى والتاريخ ، ( الكويت ،1978)

    2 . منطقة الدلتا في بلاد ما بين النهرين : إعادة النظر في ( دراسة ليس وفالكون) تأليف كيرتس أي لارسين ، وقد نشرته مجلة الآداب والتربية ، الكويت ، العدد (9) ، حزيران 1979 .

       في مجلة الأقلام ، والتي صدر عددها الأول في أيلول سنة 1964 من قبل وزارة الثقافة والإرشاد (الثقافة حاليا) ولاتزال تصدر حتى يومنا هذا ، شارك الدكتور فيصل الوائلي خلال العقد الأول من عمرها والممتد من 1964 حتى 1975 في هيئة تحريرها وادارتها مع نخبة من الأساتذة والباحثين أمثال الأستاذ الدكتور احمد مطلوب والأستاذ الدكتور جميل سعيد والأستاذ سعدي يوسف والأستاذ الباحث عامر رشيد السامرائي والأستاذ الموسوعي عبد الحميد العلوجي والدكتور عبد الرحمن خالد القيسي والفنان مدحت الجادر والأستاذ عبد الكريم فرحان والشاعر عبد الوهاب البياتي والقاص عبد الرحمن مجيد الربيعي والعلامة الدكتور مصطفى جواد وآخرين .. ومما كتبه فيها على سبيل المثال مقالتين مهمتين عن الأدب العراقي القديم ، العدد 1 ، 1964 والعدد 2 ، 1964 وفيهما قدم نماذج من هذا الأدب وقام بتحليلها بعمق ومعرفة تنم عن قدرة عالية جدا في فهم خبايا التاريخ الثقافي العراقي القديم . 

     كان للدكتور فيصل الوائلي آراء أصيلة في التاريخ العربي القديم وخاصة تاريخ العراق وتاريخ مصر وكثيرا ما كان يقارن بين أحداث هذين التاريخين وتأثيرات تلك الأحداث وانعكاساتها على شخصية الفرد العراقي والفرد المصري .. ومن تلك الآراء التي سمعناها منه مباشرة خلال محاضراته علينا عندما كنا طلابا . إن العلاقة بين العراقي والسلطة كانت تقوم على ( الخوف) بينما العلاقة بين المصري والسلطة كانت تقوم على (الاحترام) .. ولهذا سبب يرجع إلى البيئة والمناخ ، فمناخ العراق عنيف ودجلة والفرات يفيضان في أوقات لا يحتاجها الفلاح وهما يضران الزرع والضرع بينما النيل يفيض بهدوء وفي أوقات يحتاجها الفلاح ومن هنا نشأت عادة تكريم النيل بفتاة جميلة تلقى فيه أيام الفراعنة وبعيد شم النسيم الذي يحتفل به المصريون اليوم .

     كان يقول إن التاريخ المصري ارتبط وتأثر إلى حد كبير بطبيعة مصر الجغرافية فمصر تقع في الزاوية الشمالية من القارة الأفريقية وتتصل بالبحر المتوسط شمالا وتمتد على طول البحر الأحمر شرقا ولها قسم صغير يقع في آسيا وهو شبه جزيرة سيناء وكانت متصلة بأرض مصر قبل حفر قناة السويس سنة 1869 . وهذا الموقع مهم من الناحية الاستراتيجية فمصر تسيطر على طرق المواصلات التي تربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط ، وقد دفع الموقع الكثير من الغزاة إلى محاولة الاستيلاء على مصر .. وكان الدكتور الوائلي يقول أن العامل الجغرافي المهم لمصر مكن الناس هناك من الحياة والناس هم الذين يصنعون التاريخ وهكذا نجد ارتباط مصر بهذه الظاهرة الجغرافية .. كما أن هذا الموقع في الوقت نفسه وحدود مصر المغلقة أعطت للمصريين منذ العصور القديمة شعورا بالثقة والاطمئنان والاعتزاز بالنفس فإذا نظر المصري غربا فانه لايجد إلا الصحراء أما إذا نظر إلى الشمال والشرق ، فسوف لايجد إلا البحر ، وهذا ما جعل المصريين يعتقدون منذ القدم إن بلدهم مركز الكون .. وإذا ما قارنا ذلك بالعراق فسوف نرى إن حدود العراق مفتوحة وهو دائما عرضة للغزو .. ومن هنا فالعراقي لا يخشى السلطة فحسب بل يخشى الطبيعة ووجد ذلك سبيله إلى قصص أدب العراقيين المتأثر بروح الحزن ، فهو دائما يتلقى الصدمات ويواجه التحديات الخارجية . 

     بعد أن انتهى الدكتور من تدريسنا تاريخ مصر القديم انتقل ليدرسنا تاريخ سوريا وقال ان سوريا هي الوحدة الجغرافية التي عرفت ببلاد الشام وتاريخ هذه المنطقة معقد ومتشابك وللجغرافية كذلك اثر واضح ، ويقصد بالجغرافية الموقع والمناخ والحدود والتقسيمات الطبيعية ومما قاله إن سوريا تشهد عندما تظهر في المنطقة دولة قوية أو دول قوية صراعا بين هذه القوى فسوريا ((ميدان لالتقاء تلك القوى المختلفة)) ولهذا نتائج مهمة على تاريخها فعلى أرضها مثلا التقت حضارة العراق مع حضارة مصر فكانت سوريا البوتقة التي انصهرت فيها تلك الحضارات ، لهذا فإننا لم نجد في سوريا حضارة سورية أصيلة بالمعنى الضيق ، بل إن حضارتها متأثرة بهذا المزيج ، وقد أصبحت حضارتها تعكس طابع الحضارات المختلفة ، لكن السوريين استطاعوا بسبب ذكائهم وقدراتهم وحذقهم التجاري في أن يصبغوا تلك الحضارات بصبغتهم .. كما أن موقع سوريا القريب من ثلاث قارات مكنها من أن تكون جسرا وحلقة وصل بين القارات أوربا وأفريقيا واسيا .

    وقف عند الاموريين والكنعانيين والفينيقيين والآراميين والعبرانيين والفلسطينيين واثر الفينيقيين في ما اسماه ( تحضير) العالم الغربي .. وهكذا بدا الدكتور الوائلي ، من وجهة نظري ألان ، مؤرخا من الطراز الأول مع انه لم يكن متخصصا بالتاريخ بل بالآثار ..

     كان منهج الدكتور الوائلي التاريخي لا يختلف كثيرا عن منهج زملائه المؤرخين العراقيين المعاصرين أمثال عبد العزيز الدوري وصالح احمد العلي وطه باقر وزكي صالح وجعفر خصباك وغيرهم .. فهو يعتمد التهميش والتنصيص والعودة إلى الأصول .. يحلل ويعلل ويفسر ويصل إلى نتائج مهمة دون أن يكون متأثرا برؤية مسبقة أو نظرية جاهزة .. فهو يغوص في الوقائع ليستخلص القواعد التاريخية .

    لقد تعرض الدكتور الوائلي للاعتقال مرات عديدة في تاريخه وخاصة في العهد الملكي (1921 ـ1958) ، وتدل الأدبيات التاريخية العراقية المعاصرة انه كان يشارك زملائه من الأساتذة في تقديم مذكرات الاحتجاج والانتقاد للسلطة آنذاك ..   وقد سمعت من أستاذي الدكتور فاضل حسين مرات عديدة إشادته بمواقف الدكتور فيصل الوائلي ويمكننا في هذا الصدد أن نشير ، على سبيل المثال لا الحصر إلى عرائض الاحتجاج التي تقدم بها الدكتور فيصل الوائلي و54 من زملائه أساتذة الجامعة  في العاشر من تشرين الثاني 1956 احتجاجا على موقف الحكومة العراقية من حوادث السويس في مصر .. وقد فصل مع ثمانية من زملائه من وظائفهم وهم الدكتور جابر عمر والأستاذ عبد الرحمن البزاز والدكتور حسن الدجيلي والدكتور محمد علي البصام والدكتور عباس الصراف والدكتور عبد القادر احمد اليوسف والدكتور عبد الجليل الطاهر والدكتور مصطفى كامل ياسين كما أحيلوا إلى المجلس العرفي وحكم على الآخرين بالنفي والنقل وكان من نتائج موقف نتائج موقف الأساتذة ذلك ، أن تعاظم الوعي الوطني وتشكلت جبهة الاتحاد الوطني سنة 1957 ومهد ذلك كله لسقوط النظام الملكي يوم 14 تموز 1958 .

  رحم الله الدكتور فيصل الوائلي وجزاه عنا كل خير فلقد خدم شعبه ووطنه وامته.

المؤرخ الدكتور كمال مظهر احمد

من المؤرخين العراقيين المعاصرين المتميزين .. له حضور فاعل على الساحة الثقافية العراقية منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي .. أستاذ جامعي ومؤرخ وباحث من الطراز الأول . له كتابات ودراسات نشر بعضها في الصحف العراقية والعربية والأجنبية . كما أجريت معه حوارات صحفية كانت معظمها تدور حول القضية الكوردية ولكونه كورديا كان يؤكد باستمرار على مبدأ ثابت عبر عنه أكثر من مرة وملخصه انه ((إذا لم أكن كرديا أصيلا فلن أكون عراقيا أصيلا )) .

         ولد الدكتور كمال مظهر احمد الحاج رسول في قرية اخجلر وهي في ناحية تابعة للواء كركوك سنة 1937 . كان والده ضابط شرطة . أنهى دراسته الثانوية سنة 1955 ودخل دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد )  ببغداد وتخرج فيها سنة 1959 . وقد حصل على البكالوريوس في التاريخ بمرتبة الشرف سنة 1959 .

          سافر الى الاتحاد السوفيتي السابق لإكمال دراسته العليا وحصل على الدكتوراه سنة 1963 من معهد الاستشراق التابع لأكاديمية العلوم السوفيتية ولم يقف عند هذا الحد ، بل استمر للحصول على دكتوراه ناؤوك من المعهد ذاته سنة 1969 وهي أعلى شهادة معروفة في الاتحاد السوفيتي آنذاك .

             عاد الى العراق وعمل مدرسا في قسم التاريخ بكلية الآداب ورقي إلى مرتبة الأستاذية سنة 1981 .  أعيرت خدماته الى المجمع العلمي الكردي وشغل منصب الأمين العام ومساعد رئيس المجمع للشؤون العلمية بين سنتي 1971 و1975 . كتب عنه صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين (الجزء الأول ، بغداد ، 1995) .

              اشرف على العديد من رسائل وأطروحات الدراسات العليا في جامعات عديدة وكانت معظم هذه الرسائل والاطروحات تدور حول الشؤون الإيرانية وقضايا تاريخ العراق المعاصر والسياسة التركية ومسائل الفكر والاستشراق والشخصيات التي قدر لها أن تقوم بدور مهم في  تكوين العراق الحديث والمعاصر .

          كان الأستاذ الدكتور كمال مظهر احمد يؤكد باستمرار على أهمية الأخوة العربية الكوردية ليس على مستوى الوطن فحسب وإنما على المستوى القومي .  ومما كان يصرح به باستمرار أن الكورد كسبوا بعد دخولهم الدين الإسلامي الشيء الكثير فلقد ((تحولوا إلى عنصر مهم . من عناصر بناء الحضارة العربية الإسلامية والشواهد في هذا المضمار أكثر من أن تحصى ومنها مثلا جيش صلاح الدين الأيوبي ، فالمؤرخ عماد الدين الكاتب والمؤرخ ابن الأثير الذي قلما يلتقي مع عماد الدين كاتب صلاح الدين الأيوبي في هكذا قضايا يؤكد أن نحو نصف جيش صلاح الدين الأيوبي كان من المتطوعين الكورد وهناك شواهد أخرى كثيرة ...)) .

          للأستاذ الدكتور كمال مظهر احمد مؤلفات عديدة وخاصة باللغتين العربية والكوردية .  ومن مؤلفاته المطبوعة:

·        كردستان في سنوات الحرب العالمية الاولى ( طبعتان 1977 ـ 1984 )

·        ثورة العشرين في الاستشراق السوفيتي 1977

·        اضواء على قضايا دولية في الشرق الأوسط 1978

·        دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقية 1978

·        النهضة  1979

·        الطبقة العاملة العراقية 1981

·        ميكافيلي والميكافيلية 1984

·        صفحات في تاريخ العراق المعاصر 1987

·        كركوك وتوابعها : حكم التاريخ والضمير 2004

وكل هذه المؤلفات باللغة العربية . كما ان له مؤلفات اخرى باللغتين الكوردية والروسية

    حول ميله للتاريخ واهتمامه به قال بانه أحبب التاريخ بتأثير مدرس اسمه محمد حوييس درسه في كويسنجق وقد أصبح هذا فيما بعد عضوا في المجلس التشريعي لكوردستان العراق .

     وفي المرحلة الجامعية تأثر بمجموعة من أساتذة التاريخ المعروفين أبرزهم الأستاذ الدكتور زكي صالح والأستاذ الدكتور مجيد خدوري . كما تعلم من علي حيدر سليمان ، وأعجب بكتاباته وخاصته كتابه الذي ألفه سنة 1929 وكان كتابا مدرسيا لطلبة الصف الثالث المتوسط وعنوانه ( المدنية الأوربية) .

     مؤخرا أجرت معه ( ذكرى محمد) حوارا في القناة الفضائية ( الشرقية) بثت على حلقتان بعنوان ((صفحات من تاريخ العراق مع الدكتور كمال مظهر احمد في برنامج ذاكرة )) . وقد أكد في هذا الحوار انه يعكف حاليا على تقويم ما تعارف عليه المؤرخون وخاصة فيما يتعلق بتاريخ العراق المعاصر ومن ذلك مثلا أن هناك شخصيات عراقية خدمت العراق لكنها تعرضت للظلم وأبرزها شخصية الملك فيصل الأول وشخصية نوري السعيد وشخصية الدكتور محمد فاضل الجمالي .  ويحمل الدكتور كمال مظهر احمد كل القوى السياسية الفاعلة خلال المدة الواقعة بين سنتي 1958 و2003  مسؤولية التقاتل والاختلاف وأضاف ((كان ينبغي ان يبقى الجميع في خندق واحد لان ما يجمعنا هو اكثر من الذي يفرقنا  )) . ويعيب الدكتور كمال مظهر احمد على تلك القوى بانها اندفعت باتجاه الانفعال وابتعدت عن المساومة ، والمساومة لاتنتقص من الكرامة ونحن اليوم بحاجة الى الحكمة ، وعندما اقتضت الحاجة ومصلحة الاسلام دخل الرسول محمد صلى الله عليه وسلم في مفاوضات مباشرة مع قريش ( من دخل دار ابو سفيان فهو آمن ) على الرغم من ان عم الرسول قد قتل من قبل ابي سفيان ، فالرسول الكريم دخل في المساومة من اجل رفعة  الدين الاسلامي فلا سياسة دون مساومة .. التكتيك في العمل اليومي والثبات في الاستراتيجية .

       اهتم الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد بتوثيق جوانب مهمة من التاريخ الكردي الحديث ،وابرز دور الصحافة الكردية ومن ذلك كتابته عن جريدة (تكيشتن اراستي) أي فهم الحقيقة (بالكردية) وهي صحيفة أصدرها الإنكليز بعد احتلالهم بغداد في 11 آذار 1917 .

      يؤكد الدكتور كمال مظهر احمد على الوثائق ولا يغفل أهمية المذكرات وقد ساعد في إصدار مذكرات كل من احمد مختار بابان وفؤاد عارف لكنه يحذر طلابه وقرائه من الوقوع تحت تأثير أصحاب المذكرات فالمذكرات مصادر أصيلة ومهمة ولكن على الطالب والباحث ان يكون سيد مادته وليس عبدا لها .

       فيما يتعلق بسقوط الدول يقول الدكتور كمال مظهر احمد انه كمؤرخ يؤمن بان العوامل الداخلية هي الأساس لخلق الحدث التاريخي .  اما العوامل الخارجية فلا يمكن الا ان تكون عوامل مساعدة وفي حال توفر الظروف المناسبة او التربة المناسبة لكي تفعل العوامل الخارجية فعلها .  ويضرب على ذلك مثلا فيقول : (( عندما يحاولون اليوم إلقاء تبعة انهيار الاتحاد السوفيتي السابق على شخص غورباتشوف او المخابرات الامريكية ..فإنني أقول من خلال المتابعة الدقيقة أن المخابرات السوفيتية كانت أقوى بكثير من المخابرات الأمريكية حتى انه شخصا مثل وزير الدفاع الفرنسي في عهد ميتران كان على ارتباط بالمخابرات السوفيتية او فيلبي البريطاني المعروف ، ومع  ذلك تمكن الغرب من النيل من الاتحاد السوفيتي لان النيل كان في الانهيار الداخلي .. علينا ان نعيد النظر في مواقفنا )) .

     ويؤكد الدكتور كمال مظهر احمد ان المصالح المشتركة تجمع عادة مجموعة من القوميات في إطار شعب واحد .. ((وما يجمعنا نحن العرب والكورد أكثر بكثير مما يفرقنا وان بسطاء الناس يدركون هذه الحقيقة بصورة جيدة )) .

     في مقابلة أجراها معه محرر في جريدة العراق ( البغدادية) ونشرت في العدد الصادر يوم 21 تموز 2001 يقول الدكتور كمال مظهر احمد (( إن التاريخ الكوردي لم يدرس بعمق وبعلمية على صعيد الوطن العربي إلا ما ندر ، بينما نحن بحاجة إلى دراسته بصورة عميقة ، والمصلحة تقتضي ذلك وإننا بحاجة إلى إعادة بناء الجسور .. ومع ذلك فانا متفائل وأتوقع ان كل هذه الأمور ستتحول إلى الماضي والى دروس وعبر )) ويشير الدكتور كمال مظهر احمد إلى بيان 11 آذار 1970 المتعلق بحل القضية الكوردية في العراق ويقول ((بأنه نقطة تحول مهمة  ))  .

      يقول السيد زهير كاظم عبود في مقال له عن الدكتور كمال مظهر احمد منشورا على الموقع الالكتروني (البوابة العراقية ) يوم 14 تموز2005(( ان الدكتور احمد ليس صاحب تجربة كبيرة في الدراسات التاريخية ، وانما صاحب تجربة فكرية وسياسية خاضها ضمن تفاصيل العمل السياسي العراقي )) . والباحث يتلمس بحق تمسكه الوطني من خلال اعتزازه القومي بالكورد والذي يشكل رافدا من روافد النسيج الوطني العراقي .

        كرم الدكتور كمال مظهر في العراق من بيت الحكمة وهو مؤسسة فكرية كبيرة ( تشرين الثاني 2002) مع نخبة من المفكرين والعلماء والمبدعين أمثال الدكتور عبد الصاحب حسن علوان (الدراسات الاقتصادية) والدكتور فاضل زكي محمد ( الدراسات السياسية) والأستاذ حكمت عبد الله البزاز (الدراسات التربوية) ومما قالته جريدة الثورة (البغدادية) في حينه (24 تشرين الثاني 2002) (( وتظهر الشخصية العلمية الكوردية المعروفة الأستاذ الدكتور كمال مظهر الحاج رسول لتسلم جائزته بتواضع العلماء وقد مضى على حصوله على شهادة الدكتوراه أكثر من خمسة وثلاثين عاما وهو لا يزال طالبا وأستاذا فهو يقرأ بقدر أو أكثر مما يقرأ طلاب العلم وفي ذات الوقت فهو أستاذ في كلية الآداب ـ جامعة بغداد ، اشرف على عشرات الرسائل والأطاريح وناقش المئات منها .. ولا يزال يعتقد انه في بداية طريق العلم )) .

    الخلاصة فان صديقنا وزميلنا المؤرخ الأستاذ الدكتور كمال مظهر احمد يعد معلما من معالم المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة ، وقد عرفناه منذ سنوات بعيدة ، أستاذا مقتدرا ، وباحثا أصيلا ، والاهم من ذلك كله إنسانا فاضلا.

              المؤرخ الدكتور عادل محمد البكري

      لعل أبرز ما يميز الأستاذ الدكتور عادل محمد البكري الطبيب ، والباحث ، والصحفي ، والأستاذ ، والشاعر ، أنه من الرواد الاوائل الذين اهتموا بالتراث ليس الموصلي وحسب بل والتراث العراقي والعربي والاسلامي وخاصة في مجال الطب والفلسفة ، فضلا عن أنه من الباحثين الدؤوبين الذين لم يسقط القلم من بين أيديهم ، على الرغم من العقبات والعراقيل والمحن والمشكلات التي واجهوها .. ويقينا انني اردت منذ زمن بعيد أن أكتب عن هذا الرجل الرائد ، لكن دأبه ، واستمراريته كانت تحول دون قدرتي على ملاحقة الكثير من محطات حياته ، وانتاجه العلمي ، والثقافي ، والفلسفي والطبي الغزير .. ومن واجب اولادنا واحفادنا ان نقوم بدورنا في توثيق سير وحياة واعمال الرجال والنساء من الذين قدموا ولايزالون ، الخدمات العلمية لبلدهم ، ومدينتهم ، وامتهم ..  وقد اجتذبت اعمال عادل البكري ، وما قدمه، اهتمام بعض الباحثين والموثقين ومعدي موسوعات الاعلام والشخصيات نذكر منهم على سبيل المثال صديقنا الاستاذ حميد المطبعي ، ففي الجزء الاول من  موسوعته: ( موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين)، والتي اصدرتها دائرة الشؤون الثقافية العامة العائدة لوزارة الثقافة والاعلام العراقية سنة 1995 ، ورد اسم الدكتور عادل محمد البكري على انه طبيب ، وباحث ، ولد في مدينة الموصل سنة 1930 ،وتلقى علومه الاولى فيها .. ثم درس الفلسفة في كلية الاداب بجامعة بغداد ، لكن استاذنا الدكتور عمر محمد الطالب كتب في موسوعته التي صدرت مؤخرا بعنوان ( موسوعة اعلام الموصل في القرن العشرين)، والتي اضطلع مركز دراسات الموصل بجامعة الموصل بطبعها قال انه تخرج من جامعة دمشق سنة 1956، كما درس ، فضلا عن الفلسفة ، الطب في كلية الطب بجامعة دمشق، والصحيح انه درس الطب في كلية الطب بجامعة دمشق وفي الوقت ذاته كان يدرس الفلسفة في كلية الاداب بالجامعة ذاتها مما يدل على قدراته المتميزة منذ وقت مبكر من حياته العملية.      سافر الى انكلترا ليحصل على الدكتوراه في الصحة العامة . شغل الدكتور عادل البكري ، بعد تخرجه مناصب عديدة لعل من ابرزها أنه عين رئيسا لصحة الموصل (محافظة نينوى حاليا) سنة 1963 ، ورئيسا لصحة الكوت (محافظة واسط حاليا) سنة 1965 .

     واعرف ويعرف غيري انه نقل بعد انقلاب18  تشرين الثاني  الذي قاده (ألرئيس الراحل) عبد السلام عارف سنة 1963، الى الكوت منفيا مع عدد من المدرسين والمعلمين الذين لم تتطابق معتقداتهم السياسية مع السلطة انذاك . المهم ان الدكتور البكري عاد ثانية الى الموصل وتسنم رئاسة صحتها سنة 1968 ، وبعدها اصبح نائبا لرئيس مؤسسة مدينة الطب ببغداد سنة ،1970 ثم مديرا للصحة المدرسية سنة 1976 . وخلال عمله في وزارة الصحة لم يكن الدكتور البكري بعيدا عن النشاط الاكاديمي فلقد دعي لتدريس مادة (آداب الطب) في الجامعة المستنصرية ببغداد في اواخر السبعينات من القرن الماضي .. هذا فضلا عن استمراريته في حضور الندوات والمؤتمرات العلمية والاكاديمية داخل العراق وخارجه ، وآخر هذه الندوات التي اسهم فيها تلك التي اقامها قسم اللغة العربية بكلية الاداب ـ جامعة الموصل في نيسان الجاري 2008 حول: ( الملا عثمان الموصلي .. عبقرية الابداع)  ، وفي هذه الندوة كان البكري ، بحق ، نجم الندوة ومحورها الرئيس ، وكيف لايكون ذلك، وهو قد انجز منذ اكثر من 40 عاما كتابا عن الملا عثمان الموصلي بعنوان ((عثمان الموصلي الموسيقار ، الشاعر المتصوف )) وقد طبع لاكثر من مرة ، أولها كانت في بغداد سنة 1966 . وفي هذه الندوة القى الدكتور البكري بحثا قيما بعنوان : ((عثمان الموصلي وابو العلاء المعري : موازنة بينهما)) نال اعجاب الحاضرين وتقديرهم وفي مقدمة هؤلاء السيد رئيس الجامعة الاستاذ الدكتور أبي سعيد الديوه جي ، وعميد كلية الاداب الدكتور محد باسل العزاوي اللذان أشادا بالبحث أمام الحاضرين، وقدما شكرهما للدكتور عادل البكري على اسهاماته في توثيق ابداع هذا الرائد الموصلي الكبير .

     وانتاج الدكتور عادل البكري، لم يقف عند هذا الحد بل كان الرجل يغتنم أية فرصة لكي يكتب ويوثق لتراث العراق .. ولتراث العر ب والمسلمين ، فاثناء عمله في الكوت أنجز تاريخه الشهير والموسوم: (تاريخ الكوت) وطبعه ببغداد سنة 1967 ويفخر اهل واسط اليوم بهذا التأريخ ويعدونه مصدرا مهما بل ورئيسا من مصادر تاريخ مدينتهم الكوت العامرة ان شاء الله . وللدكتور البكري كتاب حول ( صفي الدين الارموي: مجدد  الموسيقى العباسية) أصدره سنة 1978 وكتاب ( المختار من النشوار) طبعه سنة 1985،وكتاب ( الفلسفة لكل الناس) 1985 وكتاب ( في هيكل الحكمة) 2004 .. واذا اردت ان احدثكم عن كتابه (الكامل في التراث الطبي العربي) الذي أصدره المجمع العلمي العراقي سنة 2005 ويقع في 1155 صفحة فأنه  بحق موسوعة شاملة لايعرف قيمتها الا من كابد مثل هذا الشوق الذي كابده صديقنا الدكتور عادل البكري حفظه الله وادامه ذخرا للتراث .

     واذا ما أردنا أن نعود الى دراسات ومقالات وتعليقات الدكتور البكري، فانها كثيرة يصعب علينا في هذه ألعجالة رصدها وهي تحتاج الى جهد ووقت كبيرين .. والدكتور البكري فوق هذا وذاك شاعر وله اكثر من ديوان ، طبع منه على حد علمنا ديوانه الذي صدر عن دار الفتى سنة 2005 بعنوان: ((الجمان المنضود)) كما انه يعد من المحققين العراقيين الافذاذ فلقد حقق مخطوطة ( نصف العيش) سنة 1969 ومخطوطة (دعوة الاطباء) سنة 2002 .. والدكتور البكري منغمس في الحياة الثقافية والسياسية العراقية منذ قرابة نصف قرن ، فهو عضو جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين (1968)، وعضو مؤسس للجمعية العراقية لتاريخ الطب وامينها العام 1989،وعضو في اتحاد المؤرخين العرب، وهو وراء الكثير من المهرجانات الادبية ، ولعل من ابرز هذه المهرجانات ، مهرجان المتنبي الذي اقيم سنة 1977 بعد ان عثر الدكتور البكري نفسه على قبره في منطقة النعمانية بالكوت ، ومهرجان اطباء الموصل سنة ،1990 ومهرجان عثمان الموصلي سنة 1973 . وللدكتور البكري جهود حثيثة وموثقة في مجال تفسير (النوتة) الموسيقية العباسية التي دونها الارموي وقام بتنفيذها موسيقيا في احدى محاضراته في جمعية الفنون والتراث سنة 1977 . وفي حقل جهوده المعرفية اثبت عروبة الارقام الاجنبية (الانكليزية) ..بارك الله بجهود الدكتور البكري ومتعه بالصحة والعافية وادامه خدمة لحركة الفكر والثقافة والادب والطب والعلم والتاريخ والموسيقى والتراث والشعر في عراقنا العظيم ..نعم عراقنا العظيم .*

* نص المحاضرة التي القيت في الندوة الموفقية (ندوة مصابيح الهدى ) التي انعقدت في دار الاستاذ حازم البرهاوي العامرة يوم الخميس  17 ربيع الثاني 1429 هجرية الموافق 24 نيسان 2008 على شرف ولديه الاستاذين الفذين ضياء وعلاء .  

المؤرخ الدكتور عادل نجم عبو  (1940-1997 )

تعرفت على الأستاذ الدكتور عادل نجم عبو ، رحمه الله، منذ أوائل السبعينات من القرن الماضي، عندما عينت مدرسا في جامعة الموصل والتقينا في قسم التاريخ بكلية الآداب وانعقدت بيني وبينه صداقة وثيقة قامت على الود والصراحة فوجدته إنسانا طيبا، وأُستاذاً جادا، وباحثا متميزا. وفوق هذا وذاك اثاريا يحق لنا أن نفتخر بانجازاته.    

حدثني عن كيفية إيفاده إلى المملكة المتحدة لإكمال الدكتوراه وقال أن الأستاذ الدكتور محمود الجليلي وكان يرأس جامعة الموصل في منتصف الستينات من القرن الماضي، رآه ببدلة العمل في احد مواقع التنقيب عن الآثار وسأله وعرف بانه يحمل ماجستير آثار من جامعة بغداد وقد عين حديثا مدرسا مساعدا في قسم الآثار بكلية الاداب فأُعجب به وبقدراته وقبل ذلك بحبه للعمل الاثاري وممارساته الحفر والتنقيب بصورة جيدة، وطلب منه ان يقابله في اليوم التالي وجاء الموعد ليجد بان الدكتور الجليلي قد رشحه للحصول على الدكتوراه وضمن (بعثة كولبنكيان) وقال له يجب ان تسافر فورا، فسافر وأكمل دراسته وحصل على شهادة الدكتوراه وفي تخصص العمارة الإسلامية من جامعة ادنبرة وعاد ليعمل في إنشاء (مركز البحوث الاثارية والحضارية) مديرا وباحثا ومنقبا عن الآثار.

ولد في مدينة الموصل سنة 1940 وقد أحب الآثار منذ صغره وكان أبوه بناءً ماهرا.. كتب عن القبب الإسلامية ونال الماجستير من كلية الاداب بجامعة بغداد، وقد أصبح (أستاذا) في 29 نيسان سنة 1989. نشر بحوثا عديدة في مجلات عراقية وعربية وعالمية واشرف على رسائل ماجستير ودكتوراه  عمل معاونا لعميد كلية الاداب للشؤون العلميـة ثـم

رئيسا لقسم التاريخ 1988- 1991 ولعل ابرز ما كان يتحدث عنه، رحمه الله، رئاسته لهيئة تنقيبات جامعة الموصل هذه الهيئة التي عملت في أماكن عديدة منها: (مشروع سد حمرين)، و(ومشروع سد الموصل) أوفد ضمن البعثة التدريسية الجامعية العراقية الى المملكة المغربية للمدة من 1984- 1987. ثم ذهب ثانية للعمل في ليبيا وقد تعرض لحادثة غرق أثناء ممارسته للسباحة في البحر فتوفي في تموز 1997، ودفن هناك.. له مؤلفات منها تاريخ العراق وتاريخ اليونان وتاريخ الرومان.. وله بحوث ودراسات وترجمات.. كانت وفاته خسارة فادحة للحركة الاثارية والتاريخية العراقية، وعزاءنا انه ترك ما يساعدنا على تذكره..

*المصدر: wwwallafblogspotcom.blogspot.com

 

           المؤرخ عباس العزاوي 1890 -1971

   من المؤرخين العراقيين الرواد، مع انه لم يتلق تعليما أكاديميا متخصصا بعلم التاريخ ،إلا انه قدم خدمة عظيمة لحركة التاريخ العراقي واسهم في وضع أسس المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة .

       ولد عباس بن محمد الثامر العزاوي في البادية من لواء ديالى (محافظة ديالى) سنة 1890 ودخل المدرسة الابتدائية ثم الرشدية العثمانية (المتوسطة) وكانت ثقافته الأولى دينية ،حيث درس على يد عدد من علماء الدين منهم الشيخ عبد الرزاق الاعظمي والشيخ عبد الله الموصلي والسيد محمود شكري الالوسي .. ونال الإجازة العلمية من الحاج علي علاء الدين الالوسي. دخل مدرسة (كلية الحقوق) في بغداد (القانون حاليا) والتي كانت قد تأسست في أيلول سنة 1908 ، سنة 1919 وتخرج فيها سنة 1921 وبدا يمارس المحاماة واستمر كذلك حتى وفاته رحمه الله في تموز /يوليو 1971 .

       اتجه عباس العزاوي نحو دراسة التاريخ معتمدا على نفسه. ويبدو ان لولعه بهذا النوع من الدراسات علاقة برغبته في خدمة المجتمع والعلم. والى شيى من هذا القبيل يشير العزاوي نفسه فيقول : "ولما كانت الحياة أنفاسا معدودة فخيرها ما يصرف فيما ينفع، وقد رأيت في التاريخ ما يفيد فوجهت جهودي إليه … ولاعتقادي أن الكتب التاريخية ذات علاقة بالمجتمع وكلها لا تخلو من توجيه ". وهنا  يمكن القول أن عباس العزاوي كان متأثرا بالنزعة الأخلاقية التي كانت سائدة في القرن التاسع عشر والتي تصور التاريخ كما يقول (اكتون )، على انه فيصل للمنازعات، وشد للحيارى ونصير للقيم الأخلاقية ".

     لقد كان العزاوي يرى أن الأمة في حاجة دائمة الى  إثارة تاريخية تذكر بالماضي       القريب والبعيد في حيلتها السياسية والثقافية .وذهب العزاوي ابعد من ذلك حينما اخذ يدعو الى اتخاذ التاريخ منبرا للوعظ والإرشاد .

    وكان منهج العزاوي التاريخي يرتكز على المقولة التي تذهب إلى أن إدراك الحوادث التاريخية إذا كان صعبا فلا ريب أن توجيه الوقائع اصعب وبعبارة أخرى كان العزاوي يتوخى الحقيقة فهي عنده مقدسة. أما الواقعة التاريخية فقد بقيت عنده مصدر اهتمامه. كان يقول : "هدفنا تدوين الوقائع بوجه الصحة ولا امل لنا غير ذلك ".

      اما طريقته في كتابة التاريخ وتدوين أحداثه فتقوم على أساسين هما تعيين المراجع ودرجة الانتفاع بها، والتوثق من صحتها ومع انه كان مطلعا على جميع المدارس التاريخية ،إلا انه اختار طريقة (الحوليات)، وعني بتدوين المادة الخام دون تحليلها التحليل العلمي الدقيق.

       إن عباس العزاوي، بمؤلفاته العديدة، يعد الرائد الأول في ميدان البحث في تاريخ العراق الحديث. لقد ترك العزاوي كثيرا من المؤلفات المطبوعة والمخطوطة ويأتي في مقدمة الكتب المطبوعة كتابه المشهور "تاريخ العراق بين احتلالين" في ثمانية مجلدات، طبع المجلد الاول سنة 1935 والمجلد الثامن سنة 1956، والذي يعد باكورة مؤلفاته التاريخية ويدور هذا الكتاب حول تاريخ العراق الحديث بين الاحتلال المغولي 1258 والاحتلال البريطاني لبغداد 1917. ويليه في الأهمية كتاب "عشائر العراق " في أربعة مجلدات طبع المجلد الاول سنة 1937 والمجلد الرابع طبع سنة 1956 .

      وللعزاوي مؤلفات أخرى منها "تاريخ اليزيدية " 1936 و "الكاكائية في التاريخ "1949 و "والموسيقى العراقية في عهد المغول والتركمان "1951 و "تاريخ علم الفلك في العراق وعلاقاته بالأقطار العربية والإسلامية "1958 و "التعريف بالمؤرخين "1957 و "ذكرى أبى الثناء الالوسي "1958 و "تاريخ النقود العراقية "1958 و "تاريخ الضرائب العراقية "1959 و "تاريخ الادب العربي في العراق " بمجلدين 1960 _1961 و "النخل في العراق "1926 ومجموعة عبد الغفار الأخرس "1949 و "منتخب المختار في علماء بغداد "1938. كما ترجم عن التركية كتاب "فيلسوف العرب الكندي "وعن الفارسية "رحلة المنشى البغدادي ".

        ونشر العزاوي كتبا تراثية منها تفضيل الأتراك لابن حسول " 1941 و "سمط الحقائق في عقائد الإسماعيلية " هذا فضلا عن نشره الكثير من المقالات والدراسات في الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية.

       وللعزاوي مؤلفات مخطوطة يزيد عددها عن (25) كتابا تدور حول موضوعات تتعلق بالأدب والشعر والعلوم والرياضيات والمدارس والطباعة والعقائد والتصوف والتفسير منها على سبيل المثال "تاريخ التفسير في العراق " و"تاريخ اربيل " و "تاريخ كركوك ".
       ونظرا للسمعة العلمية التي كان يتمتع بها العزاوي، رحمه الله ، فقد انتخب عضوا في العديد من المجامع العلمية كالمجمع العلمي العراقي والمجمع العلمي العربي في دمشق ومجمع اللغة العربية في القاهرة ومجمع اللغة التركية في استنبول. كما اصبح عضوا في الجمعية التاريخية المصرية .

        قارن الأستاذ الدكتور عبد العزيز سليمان نوار وهو أستاذ مصري متخصص بتاريخ العراق الحديث عندما كان يدّرسنا في كلية التربية بجامعة بغداد في مطلع الستينات من القرن العشرين بين المؤرخ العراقي العزاوي والمؤرخ المصري عبد الرحمن الرافعي المعروف بمؤلفاته العديدة عن تاريخ مصر الحديث فقال ان كلا المؤرخين اول من كتبا تاريخا موسعا لبلده وكلاهما استخدم المخطوطات واخرجا منها دراسات موثقة لذلك نالا  مكانة محترمة في الدوائر العلمية العربية والعالمية وكلاهما عمل في المحاماة ولكن الشيء الذي فرق بينهما هو أن الرافعي خاض غمار السياسة في حين ظل العزاوي بعيدا عنها.
       كان العزاوي يطمح الى المزيد من العمل وكان يردد بان "العمل ضئيل، والامة في حاجة الى الاشتغال كثير، والعمر قصير، أرجو أن لا تضيع ساعاته وان تصرف لخير المجتمع …وخير الناس ".
        لقد وضع العزاوي أمام الباحثين والمؤرخين في تاريخ العراق الحديث مراجع مهمة تساعدهم في فهم التاريخ وتفسير حوادثه وكتبه، برأينا، تمثل مادة خام ذات أهمية كبيرة للمؤرخ الذي لا يقف عند العملية التسجيلية بل يذهب الى النظر الى وقائع التاريخ نظرة شمولية تضع العملية التاريخية في سياقها الصحيح وأي منصف لا يمكنه أن يتجاهل الجهد الكبير الذي قدمه العزاوي رحمه الله وجزاه خيرا على ما قدمه لبلده وأمته.

                        المؤرخ الدكتور عبد الجبار الجومرد ( 1909 ـ 1971 )

              حظيت الموصل بعد الحرب العالمية الأولى وتشكيل الدولة العراقية سنة 1921 وتعاظم الحركة الوطنية بنخبة طيبة من المؤرخين الذين اتخذوا من التاريخ وسيلة من وسائل التوعية الوطنية والقومية . وفي الوقت نفسه أخذ هؤلاء المؤرخون على عاتقهم تحقيق التواصل مع المؤرخين الموصليين الذين سبقوهم وخاصة في مجال التأريخ لمدينتهم وحفظ اسمها عبر العصور وابراز دورها الحضاري ، وكان من نتائج هذا التوجه صدور كتابات تاريخية متنوعة والتطرق إلى موضوعات دقيقة ومهمة لم نشهدها في المؤلفات التاريخية السابقة. وقد وقفت وراء هذه النهضة التاريخية عوامل عدة أبرزها :

 1 ـ  وجود تنظيمات سياسية وثقافية ، اهتمت بالتاريخ واحتضنت المؤرخين
       وشجعتهم على تأليف الكتب ونشر الدراسات التاريخية ، ومن هذه
       التنظيمات جمعية العلم ، وجمعية العهد ، والنادي العلمي ، والنادي
       الأدبي ، ونادي الجزيرة  .

 2 ـ  صدور مجلات أدبية متعددة وبخاصة خلال الفترة من سنة 1926
       وحتى 1958 ، كان من ابرزها مجلة ( المجلة ) التي صدر عددها
       الأول في الأول من تشرين الأول 1938 . وقد وضعت هذه المجلة "
       التاريخ " في مقدمة اهتماماتها ، حتى أنها خصصت صفحات خاصة
       بعنوان : " صحيفة التاريخ " قدمت فيها دراسات تأريخية مختلفة ،
       وأسهم في تحريرها عدد من مؤرخي الموصل أمثال سعيد الديوه جي
       وعبد المنعم الغلامي .

 3 ـ  وفي أعقاب الحرب العالمية الثانية ، ومع تنامي الأفكار الديمقراطية ،
       وازدياد اهتمام الدولة بإرسال بعثات دراسية إلى الجامعات الأوربية
       والأمريكية للتخصص في مجال دراسة وتدريس التاريخ وتنامي دور
       بعض المعاهد والكليات الجامعية العراقية،ومنها دار المعلمين العالية ،
       وكلية الآداب والعلوم بجامعة بغداد ، ووصول الطلاب المتخصصين
       بالتاريخ إلى العراق بعد انجاز دراساتهم العليا في أوربا والولايات
       المتحدة الأميركية وتأسيس أقسام متخصصة بالتاريخ ، تطور البحث
       العلمي التاريخي ، وخاصةً في مجال استخدام ( التقنية ) والسعي
       للحصول على الوثائق والمصادر الأساسية ودراستها وتحليلها وتقديم
       دراسات علمية تهتم بتدقيق الحادثة التاريخية وتفسيرها وعرضها دون
       الالتزام بنظرية معينة .
 

           برزت أهمية هذه المجموعة ، بعد الحرب العالمية الثانية ، خاصة على أثر عودة طلائع البعثات العراقية التي ذهبت إلى الغرب وهي تحمل درجة علمية متخصصة في التاريخ والآداب وكأي حرفة لابد من أن يمتلك صاحبها أدوات البحث فيها،بدأت هذه المجموعة ، من خلال الكتب الدراسات التي أنجزتها في تكريس أسس الدراسة المنهجية في التاريخ ، ومن ذلك التأكيد على العودة إلى الأصول الأولية ولاستخدام قواعد علمية دقيقة لتجميع آثار الحدث التاريخي ونقده وإعادة تشكيله كما وقع أو قريباً مما حدث دون الالتزام بتفسير أو نظرية جاهزة من تلك النظريات التي كانت سائدة
آنذاك ، وقد كان لهذه المجموعة فضل كبير في تطوير الكتابة التاريخية المعاصرة في العراق.كما ارتبطت بسعيها الدؤوب في مجال تأسيس وتطوير أقسام التاريخ في الجامعات العراقية   . ونذكر من بين رواد هذه المجموعة الاستاذ الدكتور عبد الجبار الجومرد .

                        ولد عبد الجبار الجومرد في الموصل سنة 1909 ، وأكمل دراسته الأولى في مدارسها ، ثم التحق بدار المعلمين الابتدائية ببغداد وتخرج منها سنة 1929 . وواصل دراسته في المعهد العربي للحقوق في دمشق وتخرج سنة 1935 ، وعاد إلى الموصل ليمارس المحاماة . وفي سنة 1936 التحق بالبعثة العلمية العراقية في باريس وحصل على الدكتوراه عن رسالته الموسومة : " الدستور العراقي عام 1925 بين النظرية والتطبيق " وذلك سنة 1940 ، وقد حالت ظروف الحرب العالمية الثانية دون عودته لبلده ، ليحصل على دكتوراه في الأدب سنة 19044 من جامعة باريس وكتب رسالته عن " الأصمعي "  .

     عايش الجومرد أحداث الموصل وتأثر بما كان يسود فيها من أجواء قومية بتأثير مطالبة تركيا بها . لذلك أسهم في الحملة الوطنية لتأكيد عروبتها مع مدرسيه وزملائه ، ثم سعى لتأسيس نادٍ قومي في الموصل باسم " نادي الجزيرة " ، وقد انتخب الجومرد رئيساً له سنة 1935 واستطاع من خلال نشاطاته الثقافية والسياسية أن يجعل النادي واجهة للعمل السياسي القومي شأنه في ذلك شأن نادي المثنى ابن حارثة الشيباني في بغداد  . وبعد إكماله الدكتوراه اتجه نحو الصحافة ، فكتب سلسلة من المقالات ناقش فيها مسائل حيوية تمس حياة الشعب . وقد تميزت هذه المقالات بالرصانة والدقة وبراعة الأسلوب ، وفي سنة 1946 رشح للعمل في جامعة الدول العربية ، فسافر إلى القاهرة ، لكنه استقال من عمله بعد سنتين وعاد إلى الموصل ليرشح نفسه نائباً في انتخابات أول آيار 1948 ، وكان للجومرد دور متميز في البرلمان ، وذلك من خلال تركيزه على مطالب الشعب الحيوية ، وانتقاده للسلطة الحاكمة لتجاهلها العمل على تحقيق سعادة الشعب ورفاهيته والاستجابة لمطالبه في الحرية السياسية والاقتصادية والاجتماعية . وفي 1950 استقال من البرلمان ليسهم في تأسيس حزب الجبهة الشعبية المتحدة ، وليكون مسؤول فرع الموصل . كما رشح لانتخابات سنة 1952 و 1954 وأسهم في تكوين جبهة وطنية انتخابية شعبية واسعة  .

 

      واثر ثورة 14 تموز 1958 اختير وزيراً للخارجية في أول حكومة تشكلت في العراق الجمهوري . لكنه استقال في شباط 1959 احتجاجاً على توجهات رئيس الوزراء آنذاك عبد الكريم قاسم . وعاد إلى الموصل ليكمل مؤلفاته ويعيد تنظيم مذكراته الشخصية وبقي كذلك حتى وفاته في 30 تشرين الثاني سنة 1971 .

     عُرف الجومرد حينما كان في باريس بنشاطه القومي العربي ، وبدفاعه عن قضية فلسطين والتعريف بها من خلال محاضراته وكان كتابه " مأساة فلسطين العربية " الذي نشره بالفرنسية سنة 1945 ، قد نال شهرة واسعة بين الرأي العـام وخاصة في مجال الوقوف ضد الدعاية الصهيونية في فرنسا  .

 

      والجومرد يعد رائداً من رواد كتابة السير والتراجم في العراق . وقد اتجه في محاولة منه للتعريف بمواقف بعض الشخصيات التاريخية إلى وضع مجموعة من الكتب أبرزها كتابه عن " هارون الرشيد " و " يزيد بن مزيد الشيباني " و " أبو جعفر المنصور " . وكان منهج الجومرد في كتبه هذه يعتمد الأسس العلمية في الوصول إلى الحقيقة التاريخية مع ملاحظة إبراز الدروس المستنبطة في تناول هذه الشخصيات والأحداث والوقائع،وبما يساعد القارئ على استلهام التاريخ واستحضار رموزه وعناصر البطولة فيه ، وغرس قيم الخير وخدمة الانسانية  . ولم ينسَ الجومرد أن يقوي حجته بالعودة إلى المصادر الأساسية والمراجع الحديثة "ويتبع منهجية البحث التاريخي،حيث حرص على تحري الموضوعية قدر الإمكان في خضم الروايات المتناقضة والصور المتنوعة   . والجومرد لم يبحث عصر الرشيد أو عصر أبي جعفر المنصور فحسب ، بل مهّد لهما عن الفترة التي سبقت عصرهما " إلاّ أن الجومرد مثله مثل أي مؤرخ يتأثر بالأوضاع السائدة في عصره في العراق ، كان حدياً في بعض أحكامه ، وربما حمل نصوصه أكثر مما تحتمل ، أو بالغ بعض الشيء في التفسير " . ومع هذا فإن لموقفه ما يسوغه،ولا تزال كتبه في السير والتراجم أفضل ما ألفه العراقيون في هذا المجال  .

         وللجومرد كتاب مهم في تاريخ الموصل لا يزال مخطوطاً وهو بعنوان : " الموصل والتاريخ منذ أقدم العصور حتى اليوم "  ، ويحترز عليه نجله صديقنا الاستاذ الدكتور جزيل الاستاذ في قسم التاريخ بكلية التربية –جامعة الموصل، ويتألف من (20) فصلاً . وقد قدّم له بما أسماه " تعريف " بقوله : " تاريخ مدينة الموصل قصة من أروع من كتب الزمن فصولاً طوالاً ، ومن أمتعها خبراً ، وأغناها حدثاً ، وأغزرها فجاءة وتناقضاً ، فهي من أعرق مدن الشرق الأوسط وامنعها قدماً ، عاشت أكثر من ثلاثة آلاف سنة ، ذاقت خلالها حلو العيش ومره ، وسعادة الحياة وبؤسها "  .

 

    ويتطرق الجومرد إلى الهدف من وضعه تاريخاً مفصلاً للموصل بقوله : إنّ عمله هذا ليـس إلاّ مجهوداً أراد منه " خدمـة لمن يهمـه معرفـة أمر الموصل ، وحقيقة تاريخها ، كمدينة أثرية ثمينة ، ساهمت في موكب الإنسانية على مختلف العصور،وقدّمت في أيام عزها نماذج رائعة من أبنائها في ميادين العلم والأدب والفن والفروسية ، وبعثت في مواهبهم أشعة نحو طرق الحضارة قديمها وحديثها،وصمدت أمام نكبات الزمن حتى اليوم ".  

 

     وكتاب تاريخ الموصل ، ليس كتاباً تسجيلياً لأحداث مرت بالموصل عبر العصور ، وإنما هو  كتاب علمي يعتمد التحليل والنقد ولذلك ، فإن للجومرد آراء مبثوثة في صفحاته ، فعلى سبيل المثال هناك رأي في نشوء الموصل ، ومناقشة لأخطاء المؤرخين القدامى في بعض الفترات الغامضة في تاريخ الموصل ورأي في أسباب سوء أوضاع الموصل خلال العهد العثماني،ورأي في سلوك الولاة العثمانيين ، ورأي في سياسة الملك فيصل الرامية لإقامة
" دولة عربية ذات سيادة " في العراق ورأي في انقلاب بكر صدقي ورأي في أسباب صمود الموصل بوجه التحديات ، ورأي في مواجهة مجتمع الموصل المحافظ للمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية منذ أواخر القرن التاسع عشر .

 

     ويخلص الجومرد إلى تأكيد أمرين يستلفتان النظر في تاريخ الموصل ، أولهما صمودها وعدم تلاشيها امام كل التيارات الجارفة من الأحداث الجسام، وتمسكها بأهداب الحياة إزاء تلك النوائب والأمر الثاني ، وهو أكثر غرابة من سابقه ، كما يقول الجومرد ، ذلك أن الموصل حُكمت من قبل شعوب وأقوام ودول غريبة أصلاً ولغة وعادات وتقاليد زهاء ثمانمائة سنة ، لكنها بقيت محافظة على عروبتها ولغتها العربية حتى اليوم . ويرجع الجومرد صمود الموصل واحتفاظها بعروبتها إلى عدة أسباب منها موقعها الجغرافي واتصالها من الجنوب الغربي بخط عربي عريض يمر بالعراق طولاً وينتهي بشبه الجزيرة العربية  .

 

       والجومرد الذي عُرف عنه اهتمامه بالسير والتراجم وما قدمه في هذا المجال ، يؤكد مقدرته على التحليل ورسم صورة واضحة لمن يكتب عنه ، نراه في تاريخ الموصل مولعاً بمتابعة الأسر والشخصيات الموصلية عبر العصور . فعلى سبيل المثال كتب عن الأسرة العمرية والأسرة الجليلية والأسرة العلوية، وأسرة الغلامي ، وأسرة ياسين المفتي ، وأسرة آل شويخ . كما أرخ لصفوة واسعة من علماء الموصل وأدبائها أمثال : الشيخ محمد الرضواني،والحاج أحمد الجوادي،والحاج عبد الله النعمة،وعثمان الديوه جي، والملا عثمان الموصلي ، والشيخ محمد الصوفي ، والحاج محمود شيت الجومرد ، والشيخ يوسف الرمضاني ، والسيد أحمد الفخري ، والشيخ محمد ضياء الدين الشعار ، والحاج مصطفى البكري ، وسليمان بن مراد الجليلي ، ومحمد حبيب العبيدي ، وفائق الدبوني ، ومحمود الملاح ، والشيخ محمد نوري الفخري ، والدكتور داؤد الجلبي  .

 

      إنّ كتابات الجومرد التاريخية تتميز بسماتها القومية وبحرصها على التصدي لمحاولات الانتقاص من العرب ودورهم في التاريخ  ، فالجومرد يهدف إلى كشف حقائق الأحداث ، بأسلوب علمي تحليلي ، لذلك فإنه يدافع في كل صفحة من كتبه عن العرب والعروبة ، ويسعى لتنمية  الوعي في الحاضر ، ولرسم مستقبل الأمة الحضاري ، وفي الوقت نفسه يطالب الأجيال الصاعدة بالمزيد من دراسة تاريخ العراق والأمة العربية ، ومن خلال اهتمامه بالسِيَرْ والتراجم ، فإنه رمى إلى تقديم النموذج الحي ، والقدوة الصالحة ، وبذلك عبّر في دراساته عن مبادئه القومية العربية ، وانتماءاته الوطنية الصادقة التي جعلت منه رائداً حياً من رواد حركة كتابة التاريخ المعاصرة ليس في الموصل وحسيب ، وإنما في الوطن العربي .  

 

   المؤرخ الدكتور عبد العزيز الدوري (1908 ـ   2010 )

    أجاب احد النقاد قبل سنوات على سؤال يتعلق بأهم ما أنجزه العرب في التاريخ المعاصر وطيلة القرن العشرين قائلا : أنهم قدموا إنجازات في تطوير علم التاريخ من قبل مؤرخين عراقيين مشهورين هما الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري ، والأستاذ الدكتور صالح احمد العلي . والدكتور الدوري مؤرخ متميز ومرب فاضل وإداري وقيادي جامعي من الطراز الأول . رأس جامعة بغداد ردحا من الزمن ، فكان له دور فاعل في تطويرها ووضعها في مكان لائق بين جامعات العالم .

     الدوري علم من أعلام التاريخ الإسلامي ، وصاحب مدرسة تتميز بالدقة والعمق وسعة الموضوع والاهم من ذلك هو تركيزه في دراساته على (العوامل الاقتصادية) في فهم حركة التاريخ والمجتمع .
      ولد الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري في بغداد سنة 1908، وبعد أن أكمل دراسته الثانوية ، حصل على بعثة علمية في المملكة المتحدة ، فسافر إلى لندن ونال شهادة البكالوريوس من جامعتها سنة 1940 . واستمر في دراسته وحصل على شهادة الدكتوراه سنة 1942 ولما عاد إلى بغداد عين مدرسا للتاريخ الإسلامي في دار المعلمين العالية ( كلية التربية حاليا) في بغداد . وقد بقى فيها حتى رقي إلى مرتبة أستاذ .

      أصبح رئيسا لدائرة التاريخ في جامعة بغداد ، فعميدا لكلية الآداب والعلوم من 1949 ـ 1958 ورئيسا لجامعة بغداد 1962 ـ 1966 .

     ولم تقتصر جهود الأستاذ الدكتور الدوري العلمية على بلاده ، العراق ، إنما عمل أستاذا زائرا في جامعة لندن بين سنتي 1955 ـ 1956 وأستاذا زائرا في الجامعة الأمريكية في بيروت 1959 ـ 1960 واستقر أخيرا أستاذا للتاريخ في الجامعة الأردنية بعمان .

       للدكتور الدوري مؤلفات عديدة طبع الكثير منها طبعات كثيرة منها :

      1 . العصر العباسي الأول ( بغداد 1943)

      2 . دراسات في العصور العباسية المتأخرة ( بغداد ، 1945)

      3 . مقدمة في تاريخ صدر الإسلام (بغداد ، 1950)

      4 . تاريخ العراق الاقتصادي في القرن الرابع الهجري (بغداد ، 1948)

      5 . النظم الإسلامية (بغداد ، 1950)

      6 . دراسات في علم التاريخ عند العرب ، (بيروت ، 1960)

      7 . الجذور التاريخية للقومية العربية ، (بيروت ، 1960)

      8 . تفسير التاريخ مع آخرين ، (بغداد ، لا .ت )

      9 . التكوين التاريخي للأمة العربية : دراسة في الهوية والوعي (بيروت ، 1984)

     10 . الجذور التاريخية للشعوبية ، ط1 ، ( بيروت ، 1962) وط2 (بيروت ، 1980)

     11 . ناصر الدين الأسد بين التراث والمعاصرة ، ( بيروت ، 2002) 

     12 . نشأة علم التاريخ عند العرب ( طبعة جديدة ، 2005)

            كما أن له إسهامات فاعلة في كتابة التاريخ الموسوعي العالمي .. ومن ذلك انه كتب موادا عديدة في موسوعات عالمية منها مثلا ( دائرة المعارف الإسلامية ) منها مواد (بغداد) ، (الانبار) ، ( امير) ، (ديوان) ، (عامل ) ، وغيرها . كما كلف من قبل منظمة التربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) ، لتحرير مشروع كتاب عام يتناول (تاريخ الامة العربية) والمشروع لم يستكمل بعد .

     يعتمد منهج الدوري في تدوين التاريخ على الرجوع إلى المصادر الأصلية ومحاكمتها محاكمة منطقية ، واستخلاص الحقائق التاريخية منها . لذلك اتسمت كتاباته بالدقة والعمق . وقد اهتم بالتاريخ الاقتصادي منذ بواكير حياته العملية وهو يرى بان موضوع التاريخ ، موضوع حي ، ولذلك ينتظر أن تختلف الآراء حول مفهومه ، وأسلوب كتابته وتفسيره ، هذا فضلا عن انه موضوع يتصل بصورة وثيقة بالاتجاهات الفكرية والتطورات العامة ، فيتأثر بها وقد يكون له أثره في بعضها . ويؤكد بان ثمة صلة بين المؤرخ وحقائق التاريخ ، فالمؤرخ دون حقائق لا جذور له والحقائق دون مؤرخ مجردة من الحياة والمعنى .

     ويقول الدكتور الدوري ان المؤرخين العرب القدامى قدموا تفاسير عديدة للتاريخ العربي وللتاريخ البشري كله ، فهناك من رأى بان التاريخ تعبير عن (المشيئة الإلهية) المتمثلة بتوالي الرسالات . وهناك من قال ان التاريخ تعبير عن دور ( النخبة) . وفسر آخرون التاريخ تفسيرا أخلاقيا , وأخيرا جاء عبد الرحمن بن خلدون في القرن الرابع عشر الميلادي ليفسر التاريخ تفسيرا حضاريا اجتماعيا . ويضيف الدوري الى ذك قوله ان ( التفسير الاقتصادي ) لايعني بالضرورة (التفسير المادي) . ومع انه كان يدرك بان البعض من المؤرخين ذهبوا في كتاباتهم الى التركيز على ( الوعي القومي) و(النزعة القومية) وحتى هو نفسه اتهم بذلك الا انه في نهاية الامر لايحبذ الالتزام بـ ( فلسفة تاريخية معينة وتطبيقها على التاريخ ) . فالفلسفات التاريخية ، برأيه ، رهينة بظروف نشأتها وقد يؤدي تطبيقها الى قسر التاريخ ليماشيها والى إخراجه عن نطاقه ، فنحن ، يقول الدوري ، ((حين ندرس تاريخنا نريد فهمه وبالتالي تكوين فكرة واضحة عن جذور حاضرنا ، وفهم امكانياتنا وتقدير دورنا في سير البشرية)) .

    ان مثل تلك الدراسة تتطلب ، لتكون جدية ، توفر عناصر عديدة ، منها ان لا تكون دراسة خارجية أي من قبل أناس من خارج المجتمع العربي ، وان ندرس تاريخنا بروح النقد والتفهم في أن واحد ، ومعنى هذا انه لا يريد إضفاء القدسية على هذا التاريخ فهو تاريخ بشر . وأخيرا يؤكد الأستاذ الدوري ، على ان التاريخ العربي عج بالتيارات والاتجاهات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والفكرية والنفسية وقد مر بفترات توثب وفترات ركود .

      لقد تمتع الأستاذ الدوري بمكانة متميزة ، حتى انه لقب بـ ( شيخ المؤرخين العرب) . كما نال الكثير من التكريم وقد قال عنه المؤرخ البريطاني والمتخصص بتاريخ الشرق الأوسط ، برنارد لويس ((انه أي الدوري أصبح حجة في موضوعه .. بل هو نفسه قد غدا وثيقة تاريخية )) .

     لم يكن الدكتور الدوري ، وما يزال ، بعيدا عن النشاطات الثقافية والسياسية والفكرية العربية ، بل كان يشارك فيها باحثا ومناقشا ومحاورا وقد عرف عنه انه لايتعصب لرأي حتى انه وعد في السنوات الاخيرة ومن خلال مؤتمر عالمي حضره ، انه سيعيد النظر في موقفه من الحركة الشعوبية .. وحتى دراساته ذات الطابع القومي فانها اتسمت بالبعد الانساني فكان يركز على المنجزات العلمية للعرب على المستوى الانساني .

    لقد كان الدوري في كل كتاباته يؤكد بان تاريخ الأمة العربية كل متصل مترابط ، يكون سلسلة حلقات يؤدي بعضها إلى بعض .. أما حاضر الأمة فهو نتاج سيرها التاريخي وبداية طريقها إلى المستقبل ، ولذا فلا انقطاع في التاريخ ولا ظاهرة تبدو فيه دون جذور وتمهيد . كما أن الاتصال في تاريخ الأمة لايعني ان التاريخ حركة رتيبة ، أو أن الأمة سارت بالخطوات نفسها خلال تاريخها ، بل أن فيها فترات تزخر بالحيوية والتوثب وأخرى تتصف بالحركة التدريجية والتطور الهاديء .  ولكل امة فتراتها الثورية ، هي في الواقع انطلاق صاخب لقوى تجمعت خلال فترات من الكبت أو من التطور السريع الواسع او هي تعبير عن غليان داخلي انفجر في ثورة صاخبة ، وقد تكون لهذه الفترات آثارها البعيدة في الفترات التي تعقبها او في فترات تالية . ومن هنا تتباين فترات تاريخ الامة في مسيرتها عبر العصور ، فقد يكون اثر فترة بعيدة أقوى في حاضر الأمة من فترة قريبة من هذا الحاضر ..

    وحول التطور التاريخي للأمة العربية ، يرى الدكتور الدوري ان ثمة عناصر او عوامل أسهمت في هذا التطور منها :

     1 . الحركة الإسلامية

     2 . خروج العرب بالفتوح وانتشارهم

     3 . تكوين الثقافة العربية

     4 . التحولات الاجتماعية والاقتصادية وأثرها في التكوين

     5 . مشكلة السلطة والصراع السياسي والفكري

     6 . ظهور مفهوم الأمة العربية في الإطار الثقافي كنتيجة لتشابك العناصر المذكورة ويؤكد الدكتور الدوري بان ((العروبة والإسلام كانا مصدر الحركة والحيوية في تاريخ المجتمعات العربية الإسلامية )) .

      يظل الأستاذ الدكتور الدوري ، بحق ، رائدا من رواد التحليل التاريخي ـ الاجتماعي كما يقول الدكتور غانم الرميحي . ندعو من الله عز وجل ان يمد بعمر أستاذنا الدوري ويوفقه لاستكمال رسالته التاريخية والتربوية خدمة للعراق وللأمة العربية وللإنسانية جمعاء وحسنا فعل مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت عندما أقدم على إصدار الأعمال الكاملة للدكتور الدوري ففي ذلك فائدة كبيرة لحركة التاريخ والمؤرخين . كما ان من المناسب الإشارة إلى أن منتدى عبد الحميد شومان في عمان بالأردن قد أقام ندوة موسعة تكريما للأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري سنة 1999 باعتباره ((يعد بحق من ابرز الذين وضعوا الأسس الحديثة لإعادة قراءة التاريخ العربي بمنظور جديد)) . وقد قام الدكتور احسان عباس بجمع وتحرير البحوث التي ألقيت في تلك الندوة ثم اقدمت المؤسسة العربية للدراسات والنشر (2000) ببيروت على نشرها بعنوان : ((عبد العزيز الدوري : إنسانا ومؤرخا ومفكرا )) .

      ومن البحوث التي ضمها الكتاب ، بحث المرحوم الأستاذ الدكتور صالح احمد العلي الموسوم : ((الدكتور عبد العزيز الدوري : سجاياه الأصلية وعمله )) وبحث الأستاذ الدكتور فاروق عمر فوزي الموسوم : (( محاورة منهجية حول مساهمة الدوري في تفسير التاريخ العربي الإسلامي في ضوء التفاسير التاريخية ،  وبحث الدكتور مسعود ضاهر الموسوم : (( مساهمة الدوري في تطوير الفكرة العربية )) .

     وقد اختتم الدكتور الدوري الاحتفالية التكريمية له بكلمة مهمة وقيمة تعكس رؤاه التاريخية أكد فيها ((ان كتابة التاريخ لا يمكن أن تكون خارج سياق تيارات الحاضر وهمومه ، وهذا يصدق على التاريخ الإسلامي وكتابة التاريخ الحديث ، فتلميذ التاريخ ابن بيئته في الأساس ينطلق من الماضي إلى الحاضر وبالعكس ، ويختار موضوعاته ويفسر مشاكله بمفاهيم عصره )) .
     وفي يوم الجمعة 15 كانون الأول 2000 منحت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم جائزتها التقديرية للثقافة العربية للدورة 2000 للمؤرخ الأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري نظرا ((لجهوده في دراسة الفكر القومي وجذوره التاريخية ولتأكيده على إبراز علاقات الشعوب العربية بالأمم والشعوب والثقافات الإسلامية ، ولاهتمامه بدراسة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية في الحضارة العربية والإسلامية )) . وقد ألقيت في احتفال التكريم الذي تم في بيروت كلمات منها كلمة الدكتور خير الدين حسيب مدير عام مركز دراسات الوحدة العربية قال فيها : (( ان الدوري (81) عاما هو نموذج رائع للعلم الملتزم الذي يخدم المبدأ ولا يستخدمه .. العلم الذي ينفع الناس فيمكث في الأرض لا العلم الذي يفيد صاحبه فيمكن أن يذهب جفاء ، كان الدوري نموذجا للعلم الذي يهب نفسه لخدمة قيم إنسانية ومثل عليا ، فضلا عن أن يجعل العلم باستمرار في خدمة المجتمع )) .       

      المؤرخ السيد عبد الرزاق الحسني 1903-1997

 السيد عبد الرزاق الحسني، مؤرخ عراقي رائد، قدم للمدرسة التاريخية العراقية الكثير من النتاج التاريخي الذي لا يمكن تجاهله من قبل المؤرخين المحترفين بأي حال من الأحوال. ولد في بغداد سنة 1903، وتلقى في مطلع حياته تعليما دينيا، ثم التحق بمكتب الترقي الجعفري العثماني (المدرسة الجعفرية فيما بعد )، وفيها شرع في تعلم اللغات العربية والتركية والفرنسية. وعند انتقال والده الى النجف سنة 1920، عمل مدرسا في المدرسة الرسمية هناك، ثم دخل دار المعلمين في بغداد. وفيها نمت عنده قابلية الكتابة والنشر، فبدا يكتب في جريدة المفيد، وبتأثير أستاذه الصحفي المعروف عبد اللطيف الفلاحي اولع بالتاريخ وفي مطبعة الفلاحي الخاصة طبع كتابه (المعلومات المدنية لطلاب المدارس العراقية )الذي يعد باكورة مؤلفاته .

     لقد تتابعت مؤلفات الحسني بعد ذلك حتى تجاوزت (38 ) ، بينها (تاريخ العراق السياسي الحديث ) في ثلاثة أجزاء و (العراق في دوري الاحتلال والانتداب ) في مجلدين و (العراق قديما وحديثا ) و (الثورة العراقية الكبرى ) و(الأسرار الخفية في حركة السنة 1941 التحررية ) هذا فضلا عن كتبه الأخرى ومنها كتابة عن (تاريخ الصحافة العراقية).

     إن كتابه الذي صدرت منه طبعات خمسة والموسوم (تاريخ الوزارات العراقية) في (10) أجزاء يظل من ابرز واشهر كتبه على الإطلاق. ذلك انه يعتبر من المصادر الرئيسة لتاريخ العراق الحديث .

     عمل الحسني في الصحافة، وكانت له جريدة أدبية تاريخية أسبوعية باسم (الفضيلة) صدر عددها الأول في الأول من أيلول /سبتمبر 1925 وفي الحلة اصدر جريدة علمية أدبية تاريخية باسم(الفيحاء ) منذ 27 كانون الثاني 1927، وبعد ان توقف إصدار جريدته هذه التجأ الى الوظيفة الحكومية فعين معاونا لمحاسب وزارة المالية ثم اصبح مديرا لحسابات مديرية البر يد والبرق العامة ولكن قيام ثورة 1941 واشتراكه فيها أدى إلى اعتقاله فبقي في المعتقل اربع سنوات كتب خلالها بعض مؤلفاته وبعد أن أطلق سراحه ندب للعمل منذ 1949 في ديوان مجلس الوزراء ويروي السيد هذه القصة فيقول : أن نوري السعيد وكان رئيسا للوزراء استدعاه وقال له بالحرف الواحد :علمت انك تفسد ضمائر بعض الموظفين وتحصل على الوثائق الحكومية لتستعين بها في مؤلفاتك وأنا أريد أن أنقلك إلى مجلس الوزراء لتطلع على ما كنت  تتمناه من وثائق ومستندات. وفي ديوان مجلس الوزراء عهد إليه تنظيم سجلات خاصة بتاريخ الدولة. وفي هذه الوظيفة التي أعجبته قضى (14) سنة أفاد منها كثيرا في تهيئة المصادر الأولية لمواد كتابه (تاريخ الوزارات العراقية). وفي سنة 1964 أحال نفسه على التقاعد وانصرف إلى مراجعة بحوثه وكتابه في ضوء الوثائق والمصادر الحديثة .

      بالرغم من الجهد الذي قدمه السيد الحسني فانه يعترف بأنه لم يرق الى ما قدمه المؤرخون الرواد أمثال الطبري وابن الاثير وفي هذا يختلف عن المؤرخ المصري الذي يشبهه وهو المؤرخ عبد الرحمن الرافعي 1889 - 1966 وقد كتب (16) مؤلفا في تاريخ مصر الحديث وحينما علم بعد ثورة 1952 أن ثمة دعوة لاعادة كتابة مصر الحديث قال قولته المشهورة (أن تاريخ مصر قد كتب فعلا …الم تقراوا كتبي). اما الحسني فيتواضع كثيرا وقد سمته مرة عند زيارتي له "إننا كنا نحفر بالمجرفة وانتم اليوم تحفرون بالإبرة " وعندما أحالت إليه جامعة بغداد اول أطروحة في التاريخ الحديث لتقويمها لم يكن يعرف بان هناك مركزا لحفظ  الوثائق وقال : "ساقني حب الاطلاع الى مراجعة المركز المذكور …تمهيدا لاعادة طبع كتاب تاريخ الوزارات العراقية … " وفي 1971 سافر الى لندن لمراجعة مركز السجلات العامة هناك.

    أن منهج السيد الحسني يقوم على " مراجعة الأصول وتدقيق المراجع وقابلة الوثائق مع أصولها والاتصال بأصحاب العلاقة وصانعي الأحداث آنذاك ومن ثم تكوين فكرة صحيحة عن الظروف والمناسبات " ومعنى هذا انه يهتم بالوقائع الرسمية فهو مؤرخ للسلطة او الحكومة. لم يهتم بالجماهير وحتى كتابه (تاريخ الأحزاب السياسية في العراق) اقتصر فيه على الأحزاب العلنية البرلمانية وحينما سألته عن سر الكتابة عن ( حزب البعث ) قال أن أحد المسؤولين سمع بأنه يؤلف كتابا عن الأحزاب فطلب من أن يكتب عن حزب البعث فتحجج بعدم توفر المصادر لديه وما هي إلا أيام حتى جاءه صندوق ملي بالمصادر وقال لي السيد الحسني انه وجد بين كل تلك المصادر تقريرا ضافيا عن الحزب فقرر أن يدخله ضمن كتابه مع انه لم يشر الى ذلك في الكتاب .

        اما لماذا لم يوثق للفترة التي أعقبت ثورة 1958 فاغلب الظن أن سنه لم تكن تساعده على ارتياد المكتبات والبحث عن المصادر. هذا فضلا عن أن الظروف السياسية المضطربة آنذاك لم تكن تسمح بالكتابة الموضوعية لاسيما وان المدرسة التاريخية الأكاديمية قد بدأت تشق طريقها وتتحمل مسئوليتها في الكتابة والتوثيق .

        أصيب السيد الحسني بكسور خطيرة بعد تعرضه لحادث دهس بسيارة وقد عولج على حساب الدولة ومنحته جامعة بغداد الدكتوراه الفخرية في التاريخ الحديث تقديرا لجهوده في خدمة حركة التاريخ. كما منح وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب. ألف السيد الحسني كتبا حول اليزيدية والصابئة وكتب عن مدن العراق وله كتاب عن مشكلة الحدود العراقية - الإيرانية ولعل أخر انتاجاته هو كتاب (أحداث عاصرتها) صدر جزئه الأول في حياته وصدر الجزء الثاني بعد وفاته من قبل ابنته 1999 و في الرابع والعشرين من كانون الأول /ديسمبر 1997 انتقل السيد الحسني الى رحمة الله. 

  المؤرخ الدكتور عبد الله الفياض ( 1917 ـ 1995 )

     مؤرخ عراقي دؤوب ، جمع أكثر من اختصاص ، فهو أستاذ في التاريخ الاسلامي كما أنه استاذ في التاريخ الحديث .. اهتم بمنهج البحث التاريخي عندما درّسنا في الستينات من القرن الماضي مادة ( تاريخ العراق المعاصر ) في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة بغداد . لم يكن يقبل الروايات التاريخية على علاتها ، بل كان يناقشها ويدقق مضامينها ويأتي في بعض الأحيان بآراء واجتهادات شخصية جعلته موضع نقد ليس فقط من زملائه الأساتذة المؤرخين بل وحتى من طلبته أنفسهم .. ومع هذا فقد كان مؤرخاً جاداً وصاحب رسالة علمية وتربوية .. ولد من أبويين علويين في قرية الضمينية بقضاء الرفاعي محافظة ذي قار ( الناصرية ) سنة 1917 .. وهو عبد الله ابن السيد دخيل بن طاهر ووالده من رجالات ثورة 1920 الكبرى وله اسهام فيها .

        اكمل الفياض دراستاه الابتدائية والمتوسطة في قضاء الرفاعي ، ثـم سافر إلى النجف الأشرف ودخل المدرسة الثانوية وبعد تخرجه فيها التحق بدار المعلمين العالية ببغداد وحصل على الليسانس شرف بالعلوم الاجتماعية 1943 ـ 1944، وكانت العادة الجارية أن يقدم المتخرج ( أطروحة ) صغيرة وباشراف أحد الأساتذة وقد أنجز
( الفياض ) في حينه اطروحته حول ( نكبة البرامكة ) أتيح له فيما بعد نشرها( بغداد ، 1948 ) .

    عيّن الفياض مدرساً لمادة العلوم الاجتماعية في ثانوية الناصرية ، وانتقل بعدها إلى بغداد ، وأصبح مدرساً في المتوسطة الغربية ، وخلال عمله مدرساً ، التحق بكلية الحقوق ( القانون ) المسائية ببغداد وحصل على ليسانس حقوق سنة 1950،وقد تيسرت له فرصة الدراسـة العالية عندما نال منحة فولبرايت التي خصصتها حكومة الولايات المتحدة آنذاك لجماعة من الطلبـة العراقيين وفي الجامعة الأميركية ببيروت درس التاريخ وحصل على شهادة الماجستير في الأول من حزيران / يونيو سنة 1954 وكانت رسالته بعنوان " الثورة العراقية الكبرى1920 " وبإشراف الأستاذ الدكتور نيقولا زيادة ، وعاد إلى العراق فعيّن مدرساً في دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) واستمر كذلك حتى سنة 1956 ، وفي الأول من تشرين الأول حصل على بعثة علمية ، فدرس في جامعة مشيغان وحصل على الماجستير وبعد عودته إلى العراق ، أعيد سنة 1960 إلى العمل في قسم التاريخ بكلية التربية ، وفي 28 حزيران 1964 حصل على اجازة دراسية لمدة سنة ، ليلتحق بالجامعة الأميركية في بيروت ويكمل دراسته وحصل على شهادة الدكتوراه في التاريخ الإسلامي سنة 1966 وكان عنوان أطروحته " تاريخ التربية عند الامامية بين عصري الامام الصادق والشيخ الطوسي " .

     عاد إلى العراق ودرّس في كليتي التربية وأصول الدين ببغداد منذ سنة 1966 ، وقد رقي إلى مرتبة أستاذ مساعد في الأول من كانون الثاني 1966 ثم إلى الأستاذية في الثامن من تشرين الأول سنة 1972. وقد عيّن معاوناً لعميد كلية أصول الدين ببغداد وشغل كذلك منصب عميد الكلية وكالة حتى استقال في 31 آذار / مارس 1973 .

       قال عنه الأستاذ محمد هادي الأمين في كتابه " معجم رجال الفكر والأدب في النجف خلال ألف عام " المطبوع في النجف الأشرف سنة 1964 أن الدكتور الفياض
" كاتب قدير ، ومؤرخ جليل
ومؤلف مكثر " .. ألف الدكتور الفياض كتباً كثيرة منها :

  1 ـ  تاريخ البرامكة ، ( بغداد ، 1948 ) .

  2 ـ  مشاهداتي في تركيا ، ( بغداد ، 1956 ) .

  3 ـ  الثورة العراقية الكبرى 1920 ، ( بغداد ، 1962 ) .

  4 ـ  مشاهداتي في ايران سنة 1967 ، ( بغداد ، 1967 ) .

  5 ـ  مشاهداتي في المانيا الديمقراطية ، ( بغداد ، 1972 ) .

  6 ـ  التاريخ فكرةً ومنهجاً : دراسة في التاريخ وأصول بحثه ،( بغداد ،1972 ) .

  7 ـ  تاريخ العرب ، ألفه بالاشتراك مع المرحوم محمد حسن العضاض ، وهو كتاب
         مدرسي .

  8 ـ  الاجازات العلمية عند المسلمين ، ( بغداد ، 1967 ) .

  9 ـ  مشكلة الأراضي في لواء المنتفك ، ( بغداد ، 1956 ) .

10 ـ  محاضرات في تاريخ صدر الاسلام والدولة الأموية ، ( بغداد ، 1967 ) .

11 ـ  تاريخ الامامية وأسلافهم من الشيعة منذ نشأة التشيع حتى مطلع القرن الرابع
         الهجري
، 1968 .

12 ـ  تاريخ بلادك وأمتك ، ألفه بالاشتراك مع أحد زملائه ، وهو تاريخ مدرسي .

13 ـ  تاريخ التربية عند الامامية وأسلافهم من الشيعة .

14 ـ  الحركة الفدائية في الإسلام قديماً وحديثاً .

              كما ترك بحوثاً ودراسات في عدد من المجلات ، كمجلة الأستاذ التي كانت تصدرها دار المعلمين العالية ، ومجلة رسالة الاسلام التي كانت تصدرها كلية أصول الدين ببغداد ، والمجلة التاريخية التي كانت تصدرها الجمعية العراقية للتاريخ والآثار . ومن دراساته :

  1 ـ  " تدوين التاريخ عند المسلمين " مجلة الأستاذ ، المجلد ( 4 ) ، 1955 .

  2 ـ  " التعليم في عهد الرسول والخلفاء الراشدين "، مجلة الأستاذ ،العدد ( 12 ) ،
         1964 .

  3 ـ  " العقل عند الغزالي " ، مجلة رسالة الإسلام ، العدد ( 3 ) ، 1966 .

  4 ـ  " دور الإمام الصادق في التربية والتعلم عند الإمامية "، مجلة رسالة الإسلام ،
         العددان ( 5 و 6 ) ، 1966 .

  5 ـ  " دور الإمامين الكاظم والرضا في التربية والتعليم عند الامامية " ، مجلة
         رسالة الإسلام ، العددان ( 7 و 8 ) ، 1968 .

  6 ـ  " الغلو والغلاة وموقف الشيعة الامامية منهما "، مجلة رسالة الإسلام، العددان
         ( 3 و 4 ) ، 1970 .

  7 ـ  " دور العلم وخزائن الكتب في العصر البويهي " ، المجلة التاريخية ، العدد
         ( 1 ) ، 1970 .

  8 ـ  " الحالة الثقافية في الحجاز قبيل الإسلام " ، مجلة الأستاذ ، المجلد ( 10 ) ،   
         1962 .

  9 ـ  " الزراعة والتجارة في العراق في النصف الثاني من القرن التاسع عشر " ،
         العدد ( 11 ) ، 1963 .

10 ـ  " التعليم في عهد الرسول والخلفاء الراشدين " ، مجلة الأستاذ ،العدد ( 12 ) ،
         1964 .

11 ـ  " الخلافة العباسية في العهد البويهي ، مجلة رسالة الإسلام، العددان (1 و2) ،
         1967  .

12 ـ  " الخلافة العباسية في عهد السلاجقة "، مجلة رسالة الإسلام، العددان (3 و4)،
         1967 .

13 ـ  " التعليم في المساجد عند الشيعة قبل ظهور المدارس "،مجلة رسالة الإسلام ،
         الأعداد ( 3 و 4 و 5 و 6 ) ، 1969 .

14 ـ  " الفدائيون من أهل الثغور وواجبنا نحوهم " ، مجلة رسالة الإسلام ، العددان
         ( 9 و 10 ) ، 1969 .   

     كما أسهم في مؤتمرات وندوات عديدة داخل العراق وخارجه . ومن المؤتمرات التي حضرها المؤتمر الثفافي لجمعية الرابطة الأدبية في النجف الأشرف ، والذي تعقد سنة 1966 ، وألقى في هذا المؤتمر بحثاً بعنوان " كتب الأمالي عند الشيعة " ، وفي المؤتمر الشعبي الذي عقد لمناقشة مشاكل الاصلاح الزراعي ، والذي انعقد بين 15 و 17 آب / اغسطس 1963 ألقى بحثاً بعنوان " أضواء على مشكلات الإصلاح الزراعي في لواء الناصرية " .

         كان المرحوم الأستاذ الدكتور عبد الله الفياض حريصاً على مشاركة طلابه في لهوهم وجدهم .. كان قريباً منهم .. وقد اعتاد على مرافقتهم خـلال العطل الصيفية في سفرات ينظمها بالتعاون مع عمادة دار المعلمين العالية ، ثم عمادة كليـة التربية فيما بعد ، إلى خارج العراق .. ومن الطريف أنه عندما يعود من السفرة ، يقوم بتأليف كتاب يصف فيه السفرة وما حدث فيها وما رآه الطلبة من معالم وما زاروه من كليات ومتاحف ومناطق سياحية وبأسلوب يذكرنا بما دوّنه كل من ابن بطوطة وابن جبير في رحلتيهما المشهورتين . ولحد الآن احتفظ بنسخة من كتاب " مشاهداتي في تركيا " والذي طبع في مطبعة سلمان الأعظمي ببغداد سنة 1956 وفيه عنوان فرعي يشير إلى أنه " وصف شامل لسفرة طالبات وطلاب دار المعلمين إلى تركيا في شباط الماضي(1956 ) وقد أهداني الكتاب في العاشر من مايس / مايو 1966 وعليه عبارته " للطالب ابراهيم خليل أحمد اعترافاً باجتهاده بدرس التاريخ الإسلامي " . ومما يزيد في قيمة كتب ( رحلات الفياض ) أنها تسجل وقائع السفرة الطلابية بدقة وشمولية ، فضلاً عن أنها معززة بالصور التي كان يلتقطها الطلبة أنفسهم ويظهر فيها الدكتور الفياض مع الطلاب والطالبات أمام المتاحف والمكتبات القديمة ودور الطلبة والكليات ومؤسسات الدولة التي يقوم بزيارتها . ولاشك في أن كتبه هذه بالتفاصيل المدونة فيها تعد اليوم مصادر وثائقية عن أحوال البلاد والمدن التي قام الطلبة بزيارتها، فضلاً عن تسجيلاتها لحركات الطلبة وسكناتهم ومواقفهم ونفسياتهم وآرائهم حول مختلف شؤون الحياة في العالم آنذاك .

       عندما طبع الفياض كتابه عن الثورة العراقية الكبرى 1920 طلب من سماحة العلامة الشيخ محمد رضا الشبيبي أن يكتب له تصديراً .. وقد استجاب الشبيبي ، رحمه الله ، للطلب فكتب عن ماضي الثورة وحاضرها وخصومها وعواملها ونتائجها ، وقال : " ان الثورة العراقية كانت وما زالت حادثاً خطيراً خليقاً بالدرس .. وآخر من تناولها بالبحث الأستاذ عبد الله الفياض في كتابه هـذا وهو يتضح لقارئه أي جهد مضني بذله المؤلف في تأليفه ، فلـم يفته مأخذ من المآخذ أو المظـان المحررة في هذا الموضوع باللغتين العربية والإنكليزية ، وعلاوة على ذلك فإنه ظفر بجملة من الوثائق والمستندات النادرة ، ولم يكتف السيد الفياض بهذا وإنما لاحظنا أنه قتل تلك الكتب بحثاً ونقداً فجاء ( كتابه ) بحثاً من البحوث المقارنة في تاريخ الثورة . لذلك لا يسعنا إلاّ إكبار الجهد الذي بذله " .

      وبشأن منهج الفياض التاريخي ، يمكن القول بأنه من أفضل الأساتذة الذين تعلمت على أيديهم ،التزاماً بالمنهج العلمي الموضوعي التاريخي القائم على أساس أن من أبرز وظائف المؤرخ هو أن " يعيد تشكيل الحدث كما وقع بالضبط " . ويذهب الفياض مذهب أولئك الذين رأوا في التاريخ بأنه علم يبحث في جوهره " التغير" فالحادث لا يتكرر كما هو ، وان ظروفه لا يمكن أن تنطبق على ظروف حادث مماثل . ويؤيد الفياض ما ذهب إليه المؤرخ العربي اللبناني المرحوم أسد رستم في كتابه " مصطلح التاريخ " من أن أئمة الحديث النبوي قد طبقوا المنهج العلمي على الحديث قبل أن يكتشف الغربيون ذلك بعدة قرون وذلك من خلال اهتمامهم بدراسة رجال السند أو الرواة من حيث التعديل والتجريح،كما اهتموا بالمرويات وعدّوا كل نقص فيها موجب لضعف الحديث . وقد حدد الفياض المنهجية التاريخية Historical  Methodology  بأنها الوسيلة التي تمكننا من الوصول إلى الحقيقة التاريخية . ويقف الفياض عند النقد الداخلي والنقد الخارجي للرواية التاريخية ويأتي بأمثلة مستمدة من نقده لوثائق نسبت لأبي مخنف وخاصةً في الكتاب المنسوب إليه والموسوم " مقتل الحسين " .

      وكان الفياض يعتقد بأن لأصول البحث التاريخي جانب عملي وجانب نظري ، والباحث لا يمكن أن يلم بأصول البحث التاريخي ما لم يجتهد في التطبيق العملي سواء في كتابة البحوث أو الدراسات او المقالات .. ومع أن الفياض قد اهتم بالمدرسة التاريخية الحديثة وبتقنياتها إلاّ أنه يرى بأنها اهتمت بالعوامل البشرية والطبيعية المسيرة للأحداث ،كما ركزت على العقل وأهملت العوامل الروحية وقال : " ان التفسير الديني للتاريخ أمر له أهميته ، كما أنه جزء مهم من تراثنا الحضاري ، ولا يصح والحالة هذه أن نهمله " . وأضاف أن اهتمامنا به ينبغي أن يستند على تأكيد القرآن الكريم والسنة النبوية على " دور العقل في تمحيص كل ما له علاقة في حياة البشر بما في ذلك موضوع التاريخ يضاف إلى ذلك أن طائفة من المذاهب الإسلامية جعلت للعقل سلطة كبرى في قول أو رفض الأخبار والروايات الضعيفة مهما كان مصدرها ". 

     لقد اهتم الدكتور الفياض بتمكين طلبته من " أصول البحث التاريخي ، لذلك وضع كتابه المتميز " التاريخ فكرةً ومنهجاً " والذي أصبح كتاباً منهجياً   Text  Book في أقسام التاريخ العراقية والتي اعتمدته في تدريس طلابها لسنوات عديدة ، وقد حرص في هذا الكتاب على أن يقدم لطلبة التاريخ المبتدئين ما يحتاجون إليه من مستلزمات البحث التاريخي وأبرزها طريقة اختيار الموضوع المناسب ووضع خطة البحث وكيفية جمع المادة من المصادر والمراجع وتنسيقها وكتابة البحث والأسلوب المتبع وعلامات الترقيم والتحليل والتنصيص والاشارة إلى المصادر والمراجع ومراعاة قواعد البحث وتنظيم الفهارس " وعرض المعلومات ، وأكد الفياض بأن على الطالب أو الباحث الالتزام بكل خطوات البحث التاريخي لكي يستطيع أن يقدم المادة التاريخية التي يريدها إلى الناس .. وأتذكر بأنه ، رحمه الله ، كان يلـح في تدريسه على الجانب العملي ويحرص على أن يتدرب الطالـب على استخدام المنهـج العلمي في قراءاته للتـاريخ ، وكذلك في فهمه ودراسته .. لقد ترك بحق علماً ينتفع به ، ولا نزال نحن طلبته نذكره بخير ومحبة ، توفي ، رحمه الله ، في أيلول 1995 .    

المؤرخ الدكتورعبد القادر احمد اليوسف 1921- 1993 
 
ولد الأستاذ الدكتورعبد القادر احمد اليوسف بمدينة سوق الشيخ /محافظة الناصرية بالعراق
سنة 1921. مؤرخ عراقي معروف وباحث ومربي درس في مدرسة سوق الشيوخ الابتدائية واكمل دراسته الثانوية 
في مدينة الناصرية وبعدها اصبح معلما سنة 1939 لكنه ترك مهنة التعليم ليلتحق بوظيفة باحث في دائرة 
الآثار العامة سنة 1945 وهناك برزت قدراته العلمية فلقد اسهم مع السيد حسن طه النجفي في تأليف كتاب 
(( موجز جغرافية العراق والبلاد العربية ((نشر سنة 1946 . كما ألف كتابين أولهما 
بعنوان ((الإمام الرضا ولي عهد المأمون ))وثانيهما بعنوان (الإمام الحسن وعام الجماعة )).
ولا يزال هذين الكتابين يعدان مصدرين مهمين من مصادر التاريخ الإسلامي في العراق خاصة وانهما يتضمنان آراء 
متميزة .
 
حصل الدكتور اليوسف من وزارة المعارف (التربية حاليا )على بعثة علمية الى الولايات المتحدة الأميركية، وفي 
سنة 1952 نال الماجستير من جامعة شيكاغو وذلك عن رسالته الموسومة ((ثورة 1920 في العراق)) ومنذ ذلك 
اتجه نحو جامعة ايوا، لينال منها شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث عن رسالته الموسومة ((دراسة في الحركة 
الليبرالية العراقية 1908-1924)).
عاد الى وطنه ليبدا رحلة البحث والتدريس، فعمل مدرسا في كلية التربية بجامعة بغداد وشغل رئاسة قسم التاريخ 
فيها بين سنتي 1961-1963 . اسهم في تأسيس جامعة طرابلس بليبيا ثم عاد الى العراق ليعمل أستاذا في قسم 
التاريخ بكلية التربية وحين بدأت الدراسات العليا في التاريخ الحديث بكلية الآداب بجامعة بغداد سنة 1971، 
حرص الدكتور اليوسف، وقد انتقل الى هذه الكلية على توجيه طلبته نحو موضوعات جديدة يتعلق بعضها 
بالنشاط الاستعماري الاوربي في العراق والوطن العربي ،والبعض الآخر بالتطورات السياسية التي حدثت في 
المدن العراقية ابان الاحتلال والانتداب البريطانيين .
لم يكن الدكتور اليوسف يتوانى عن تقديم النصح لطلابه بان يلتزم المؤرخ بالقيم العلمية والانسانية وابرزها 
الصبر والشجاعة والدقة والموضوعية والجدية والامانة والمرؤءة. كما كان يغرس في نفوسهم حب الوطن 
والاخلاص له، وقد حرص على ان يكون قدوة لهم وخاصة في مجال التمسك بالمبادى والدفاع عنها وعدو 
التزحزح عنها قيد شعرة ايا كانت النتائج، ومن هنا فقد اتسمت شخصيته بالصرامة والحزم والجدية .
 
شعر الدكتور اليوسف من خلال محاضراته بوجود حاجة الى سد بعض الثغرات في "اشكالية العلاقة بين 
العرب والمسلمين من جهة والغرب من جهة اخرى "،ويبدو ان لانحيازه الواضح والقاطع نحو قضايا 
وطنه وامته ،اثر كبير في هذا التوجه الذي ابتدا به منذ مطلع الستينات من القرن العشرين، وقد قامت فلسفته في 
هذا المجال على ان الصراع بين الشرق والغرب، هو صراع دائم وحتمي فهو ليس وليد الظروف التي قادت 
الى الحروب الصليبية في العصور الوسطى، وانما له جذور 
في العصور القديمة كذلك ،وقد تجدد بعد ظهور الاسلام واستونف الصراع على جبهتين هما الجبهة البيزنطية في 
الشرق والجبهة الاسبانية – الفرنسية – الايطالية في الغرب، ثم ورث العثمانيون النزاع في صراعهم مع البيزنطيين،
 ومن ثم العثمانيين والدول الاوربية، وبعد ذلك بين العرب والقوى الامبريالية ولا يزال الصراع قائما حتى يومنا هذا.
 
ويرى الدكتور اليوسف، ان وراء الصراع تكمن عوامل عديدة يتعلق معظمها بمطامع الغرب ورغبته في التوسع 
والسيطرة والحيلولة دون نهضة المنطقة .ولقد اشار الدكتور اليوسف، الى ان المؤرخين المسلمين الاوائل 
ادركوا هذه الاشكالية حين عدوا مثلا "الحروب الصليبية " وكانوا يسمونها "حروب الفرنجة " من مظاهر 
"الفكر التعصبي " الغربي، وانها رد فعل على "الفتوحات الاسلامية " وانتشار الدين الاسلامي .
وفي العصور الوسطى، يرى الدكتور اليوسف ،ان الغرب اندفع نحو الوطن العربي، للتفتيش عن اراضي جديدة 
تتوافر فيها الخيرات، وتكون مجالا لحل مشاكل اوربا الاقتصادية، وخاصة بعد ازدياد فعاليات مدن ايطالية التجارية 
منذ اوائل القرن الحادي عشر فكانت "الحروب الصليبية "خير وسيلة لغزو مناهل الشرق الاقتصادية، 
والمتبصر في تاريخ اوربا خلال هذه المرحلة، يدرك سر اهتمام تلك الدول الايطالية بتهيئة السفن ونقل الغزاة 
الى الشرق. ولقد استفاد الغرب من تدهور الاوضاع الداخلية في المشرق العربي، وكذلك من اتساع ظاهرة
الصراعات الاسرية، والتمزق السياسي اذ نجم عنه انحسار السيادة الاسلامية في الجهات الغربية من البحر المتوسط .
 
ومن اجل الوقوف على تفسير الاشكالية العلاقة مع الغرب ،اخذ الدكتور اليوسف بدراسة الفترة الواقعة بين القرنين 
الخامس والخامس عشر الميلاديين ،وذلك خلال ثلاثة كتب اصدرها
بين سنتي 1966و 1969، وهذه الكتب هي : "الامبراطورية البيزنطية " (بيروت ،1966 ) و "العصور الوسطى 
الاوربية " (بيروت ،1967 )، و "علاقات بين الشرق والغرب بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر 
"(بيروت ،1969 ). وقد انجز كتابا مكملا لهذه السلسلة التي حملت عنوان (دراسات تاريخية )حول "الامبراطورية 
العثمانية" وارسله الى بيروت لكن احداث الحرب الاهلية اللبنانية ،حالت دون طبعه ،اذ قيل ان المطبعة التي كانت 
ستتولى طبعه قد احترقت.
لقد تضمنت الكتب الثلاثة اراء وتفسيرات لطبيعة العلاقة مع الغرب ،وفي جميعها لا تخرج عن نظرته الاساسية في 
وجود بواعث دينية وسياسية واقتصادية وعسكرية وراء الاندفاع الغربي نحو الارض العربية ،وانه قد نجم 
هذا الاندفاع نتائج كان لها اثرها الفاعل في مجرى التاريخ الانساني، ولعل في مقدمتها ان العرب اسهموا في حركة 
النهضة الاوربية، وخاصة في النواحي الثقافية باساليب مبلشرة وغير مباشرة،  ومهما كانت العلاقات من 
نواحيها السلبية والايجابية ،فقد ازداد اطلاع الغرب على التراث العربي الاسلامي. 
كما ان الضغط العثماني المتواصل على الغرب منذ النصف الثاني من القرن الرابع عشر كان من الامور التي 
ساعدت على احياء التراث الكلاسيكي في الجهات الايطالية .
لقد ابرز الدكتور اليوسف حقيقة اساسية وهي :ان الاحتكاك بين الشرق والغرب ،عن طرية الاراضى المقدسة 
والاندلس وصقلية وبيزنطة ،قد عجل في عملية النهوض الاوربي ومن ثم النهوض الانساني .
للدكتور اليوسف مقا لات وبحوث عديدة منشورة في مجلات عربية وعراقية واجنبية، كما اشرف على عدد كبير 
من طلبة الماجستير والدكتوراه في التاريخ الحديث ،وحضر ندوات ومؤتمرات علمية ،وكان كاتب هذه السطور 
واحدا من طلابه الذين اشرف عليهم ،وقد وجدنا في المرحوم الدكتور اليوسف ،استاذا قديرا ،وصاحب مدرسة 
متميزة في التاريخ تتسم بالعلمية والموضوعية والشمولية والتعددية في تأشير العوامل التي تصنع الحدث التاريخي، 
ولكن تبقى مسالة لابد من اقرارها ،وهي ان ما ترك الدكتور اليوسف من علم ينتفع به واخلاق يعتز بها، يجعله في 
مصاف العلماء والمفكرين والمؤرخين الذين ينبغي على الامة ان تتذكرهم وتدعوا الى الاقتداء بهم والسير على 
منوالهم.

                        المؤرخ الشيخ علاء الدين السجادي 1907 ـ 1984

      مع أنه كان عالما دينيا ، الا أنه اشتهر مؤرخا وباحثا وموثقا للتراث الشعبي الكردي ، وعندما توفي ، رحمه الله يوم 13 كانون الاول سنة 1984 ، حزنت الاوساط الثقافية والفكرية والتاريخية والتراثية والدينية عليه  كثيرا وكتب عنه زملاءه واصدقائه وتلاميذه ، وقد كنت أراه اواخر الخمسينات وحتى السبعينات من القرن العشرين قد ملأ الدنيا ، وشغل ألناس، فهو استاذ لتأريخ الادب الكردي في كلية الاداب بجامعة بغداد ، وهو عضو عامل في المجمع العلمي العراقي الكردي .فضلا عن أن كتبه ودراساته وبحوثه قد ذاع صيتها . كما ان علاقاته مع قادة الفكر والثقافة والتأريخ والادب في العراق كانت ممتازة وحية ، خاصة، وانه كان يحرص على ذلك لهذا تمتع بتقدير واحترام مجايليه  وزملائه وتلاميذه ومحبيه .

   لم يكن علاء السجادي مقتصرا في توجهاته الثقافية والفكرية على جانب واحد من المعرفة الانسانية ، وانما كان  متعدد الاهتمامات ، فهو كاتب ،وباحث ، وقاص ، وصحفي ، ومؤرخ ، واديب ، ونذهب ابعد من ذلك لنردد ، مع الاستاذ ابراهيم باجلان الذي كتب عنه في صفحة (ثقافة كردية) والتي كانت تنشرها جريدة العراق (3 آذار 1986) في بغداد مقالة طويلة .. ان علاء الدين السجادي كان بحق ((شخصية اجتماعية بارزة ارتقى بجهوده المخلصة، وكفاحه الدؤوب الى ذرى المجد والفخر ، ذلك انه سعى وناضل، وبكل السبل، لتكون لشعبه مكانته اللائقة تحت الشمس فاكتسب نظير اخلاصه وتفانيه حب واعجاب وتقدير ابناء شعبه وكل الذين عرفوه واطلعوا على نتاجاته )) .

   ولد علاء الدين السجادي في مدينة سنندج بكردستان ايران سنة 1907 وبدأ دراسته الدينية وبعدها جاء سنة 1927 الى مدينة السليمانية، ودرس في مدرسة الشيخ جلال ثم في جامع الملا رسول ونال الاجازة العلمية سنة 1938، ثم سافر الى بغداد وعين اماما وخطيبا في ( جامع نعيمة خاتون) في محلة الميدان ، ولم يقف عند هذا الحد، بل درس العلوم الشرعية بمرحلتها  المتقدمة على يد العالمين الكبيرين الشيخ امجد الزهاوي ، والشيخ محمد القزلجي، وبعد تخرجه اصبح عالما متمكنا من علوم القرآن والتفسير والفقه .

   كتب عنه الكثير من الباحثين والمؤرخين منهم الدكتور عز الدين مصطفى       رسول في كتابه: ((الواقعية في الادب الكردي)) والدكتور كمال مظهر احمد في كتابه الموسوم ((فيزوو)) أي التأريخ، وعندما كان يصدر له كتاب فان الصحف والمجلات العراقية وغير العراقية سرعان ما تمتلأ بتقاريظ ومراجعات لابرز ما تضمنته تلك الكتب .. وفي اربعينية وفاته اقيم له حفل تأبيني مهيب في ( جمعية الثقافة الكردية) ببغداد .. ولم يكن الاستاذ علاء الدين السجادي يحظى باهتمام الباحثين والمؤرخين والادباء العراقيين وحسب ، بل كان مثار اعجاب نظرائهم من العرب والاجانب خاصة من اولئك المهتمين بالدراسات الكردية وبالتراث الكردي ،ولعل في مقدمة اولئك محمد مهري من ( تركيا) وادموندس من (بريطانيا) . ولم يقتصر الاعجاب على الكتب والمؤلفات التي يقدمها ، بل كان يتسع ليشمل آرائه وافكاره التي كثيرا ما كانت تستند، فضلا عن المصادر الموثوقة ، على ابرز الكتب والمخطوطات ذات الشأن في مجال التراث والفكر والثقافة الكردية .

   لقد ترك الاستاذ علاء الدين السجادي ،الكثير من الكتب والمؤلفات والدراسات المنشورة وغير المنشورة ، وليس من الهين رصدها ولعل ابرزها كتابه الموسوم: (ميزوى ئه ده بي كوردي) أي (تاريخ الادب الكردي) وقد طبع سنة 1952 ، واعيد طبعه سنة 1971 . كما ان له رحلة في كردستان (كه شتييك له كوردستانا) صدرت سنة 1956 . وموسوعته ((رشته ى مرواري)) أي عقد اللؤلؤ وصدرت بثمانية أجزاء خلال السنوات الواقعة بين 1957 و1983 . ويعد المتتبعون لتراثه ان كتابه : (تاريخ الادب الكردي) ليس الا موسوعة وثق فيها للادب الكردي عبر مراحله ، وازمنته المختلفة ، ويقع في اكثر من (700) صفحة وتتناول معلومات قيمة عن أصل الاكراد ،وتاريخهم ،وتراثهم ، وتقاليدهم . وقد أولى الناقد العراقي المعروف الاستاذ الدكتور عز الدين مصطفى رسول هذا الكتاب اهتمامه ووضعه في مكانة بارزة عندما اكد بانه ليس تاريخا للادب بل دائرة معارف شاملة في مجال التراث الكردي ، تاريخا وأدبا ، واجتماعا وثقافة ، وبدون شك فان الكتاب يعد اليوم ، مصدرا ثرا من مصادر الثقافة الكردية المعاصرة لاسيما وانه جمع فيه سير حياة مئات من الشعراء والادباء فضلا عن تحليته بنصوص من أعمالهم . ومما زاد في قيمته انه احتوى على ملاحق مهمة حول الصحافة الكردية، والقصة الكردية .

     وفيما يتعلق بكتابه الاخر: ( عقد اللؤلؤ )، فيعد من أبرز المصادر في مجال التراث الشعبي ( الفولكلور) الكردي ان على مستوى تدوين الحكايات والقصص والمأثورات الشعبية الكردية ، أو على مستوى التوثيق لسير بعض الشخصيات التراثية التي برزت خلال المائة سنة الماضية .

   وتزداد قيمة ( رحلته في كردستان) في الوقت الراهن ،لانها دونت ووثقت لاماكن ومواقع ومواضع لايعرف عنها الان الكثير من الناس . وقد كان الاستاذ السجادي على حق عند اصداره لهذه الرحلة وتأكيده بانه لم يكتبها ليومه انذاك بل ان قيمتها ستظهر في المستقبل .

    لم يكن الاستاذ السجادي من المثقفين الذين يستقرون في أبراج عاجية  ، وانما كان منغمسا في حياة ابناء شعبه ، يحلم احلامهم ، ويتألم لاوجاعهم ، وكان كتابه المشهور: ( الثورات الكردية) واحدا من أهم الكتب التي تناولت هذا الموضوع ، ففيه أرخ لحركة التحرر الوطني في كردستان العراق ، مهما وفر مادة طيبة للباحثين ،والكتاب ، وطلبة الدراسات العليا ، وقد قيم الاستاذ الدكتور كمال مظهر احمد ، المؤرخ العراقي المعروف هذا الكتاب عندما قال في كتابه الموسوم : ((فيزوو)) أي التاريخ والمطبوع في دار آفاق عربية ببغداد سنة 1983 ، ان كتاب الثورات الكردية (شورشه كاني كورد) والذي صدر سنة 1959 ، وتناول فيه الحركات المسلحة الكردية حتى ثورة 14 تموز1958 العراقية التي اسقطت النظام الملكي ، ليشكل مصدرا مفيدا احتل مكانته اللائقة في المكتبة التاريخية الكردية ، خاصة وان معظم استنتاجات المؤلف التاريخية واجتهاداته كانت صحيحة، وتنم عن ثقافة واسعة وقد جاء صدور هذا الكتاب كذلك وكتبه التي اشرنا اليها في وقت لم يكن هناك فيه باحثون ، ومؤرخون ، واكاديميون مهتمون بالتأريخ الكردي مثلما عليه في وقتنا هذا.

  ولعلاء الدين السجادي كتب اخرى منها كتابه الموسوم : (كورده واري)) أي التقاليد الكردية وصدر سنة 1947 في بغداد ، وكتاب الاسماء الكردية (ناوي كوردي) وكتاب زهرة الاقحوان (هه ثيسه به هار) وهومجموعة قصص شعبية (1960) وفي سنة 1967 اصدر ببغداد كتابا مهما حول (الادب الكردي الحديث) باللغة الكردية ،وبعدها بسنتين اصدر كتاب (نرخ شناسي) ، أي النقد والتقييم  ، واصدرت له جامعة صلاح الدين في اربيل سنة 1978 كتاب (خو شخواني) أي البلاغة  . وعندما كان عضوا في المجمع العلمي الكردي سنة 1978 ، صدر له كتاب (ده قه كان ئه ده بي كوردي) أي نصوص الادب الكردي  . وعن مؤسسة اراس للطباعة والنشر في اربيل صدر له سنة 2000 ، كتاب ( ميز ووي به خشاني كوردي) أي ( تاريخ النثر الكردي). وللاستاذ السجادي كتاب في الشعر يضم قصيدتي نالي وسالم صدر ببغداد سنة 1973 بعنوان (( دوو جامه كه ى نالي وسالم)) .

 ولم يبخل الاستاذ السجادي على أحد، فقد كان انسانا معطاء ، ففضلا عن اشرافه على طبع كتب عديدة للشعراء والكتاب الاكراد ، كما يقول الاستاذ كريم شارزا ، في مقالته عن الاستاذ علاء السجادي والمنشورة في العدد (178) الصادر في 16 كانون الثاني 2008 من مجلة الصوت الاخر (الاربيلية)، فانه كتب مقدمات لكتب واعمال موسوعيه منها مقدمته لمجموعة الشاعر (كوران) ،وكتاب الاستاذ الملا عبد الكريم المدرس،وكتاب الاستاذ شاكر فتاح، وكتاب الاستاذ عبد الرقيب يوسف .

    وكان علاء الدين السجادي ، صحفيا ، ذلك انه أصدر مجلة ( كه لاويز) ومجلة ( نزار) وتولى ادارتهما وتحريرهما. وكانت كه لاويز تصدر باللغتين الكردية والعربية سنة 1948، ولهذه المجلة دور كبير ليس في خدمة الادب والفكر والثقافة واللغة الكردية وحسب بل في توسيع دائرة الوعي الوطني العراقي والقومي الكردي.

   أما مجلة نزار، فكانت هي الاخرى من المجلات المهمة التي أفردت لتراث وتاريخ وثقافة الكرد الكثير من اهتمامها، وكان السجادي يكتب فيها مقالات عديدة باسمه الصريح وباسماء مستعارة ، ومما كان يؤكد عليه بأستمرار فكرة الاخوة بين العرب والكورد والجوامع   الكثيرة التي جعلتهما يعيشان جنبا الى جنب متآخين متحابين عبر العصور وقد جاء الاسلام ليعزز هذه الجوامع فضلا عن روابط الجيرة والعيش المشترك على أرض واحدة ، وافردت مجلتا كه لاويز ونزار صفحاتهما للحديث عن الرموز العربية والكردية المشتركة ، وفي مقدمة هذه الرموز صلاح الدين الايوبي ، وكوران ، ومحمد امين زكي ، وغيرهم ممن نذروا انفسهم من اجل ارساء قيم الخير والعدل والتسامح والمحبة .

    أما عن رؤيته للتاريخ ، فقد كان الرجل ، رحمه الله ، يؤمن باهمية التأريخ في بناء الامم والاجيال ، فهو فضلا عن اسهاماته في تأسيس المجمع العلمي الكردي ، واصدار المجلات باللغة الكردية ، ووعظه وارشاده ، ومقالاته العديدة التي كان يستنهض فيها همم الشعب الكردي ، واصالته ، وجذوره الموغلة في الحضارة الانسانية ، فانه خصص في مجلتي كه لاويز و نزار الصفحات العديدة للتأريخ عموما وللتأريخ الكردي خصوصا .  وكان يدعو الى اعادة النظر في التاريخ ومناهجه باستمرار في ضوء ما اكتشف حديثا من مصادر وما استجد من تحليلات وتفسيرات جديدة . وكان يرى :((بان التاريخ هو الحد الفاصل بين الماضي والحاضر ، فيساعدنا عما مضى ، على فهم ما نكون فيه ، او بالاحرى التاريخ قصة الانسانية والبشرية في حال تطورها ونشوئها منذ ان اردنا ان نعلم ونفهم وضعنا الحاضر ، ان نرجع الى سير الاحقاب التي مضت ونأخذ من جذورها دروسا لكي نصل الى شاطيء الحقائق التي لعبت بها البشرية لتكوينها في القرون التي رقت فيها او تقهقرت وبواسطته ، نستطيع ان ندرك الانظمة السياسية والاجتماعية والعلمية والدينية التي مرت علينا في الايام الغابرة )) .

    كنت اعرف الاستاذ علاء الدين السجادي انسانا صادقا ، ومؤرخا فذا ، واديبا رائعا ، وقد حظي باحترام زملائه ومحبيه في العراق وحسب بل وفي اماكن كثيرة من العالم فاستحق التقدير لما بذله من جهود مخلصة وصادقة في خدمة وطنه ، وتراث الشعب الكردي ، ولغته وادبه ، ومما زاد في قيمته انه كان متسامحا ، سهلا ، لايعرف ، كما قال صديقه الاستاذ محمد جميل الروز بياني في اربعينيته ، التزمت ولا التعصب ، بل كان يدعو الى سيادة قيم الاخوة والحبة والصدق والعدل وتلك ، بحق ، من الصفات التي رفعت من شأنه وجعلته قدوة للاجيال الحاضرة واللاحقة .    

المؤرخ الدكتور عبد المنعم رشاد (1934 ـ   2008 ) 

     الاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد ، استاذ جامعي ، وباحث ومؤرخ متميز ، كان له دور فاعل في وضع اللبنات الاولى لجامعة الموصل ففي الاول من نيسان 1967 ، وعندما تاسست الجامعة شغل منصب عميد هيئة الانسانيات التي تحولت فيا بعد واصبحت كلية الاداب .

    قبل سنوات عقدت جمعية المؤرخين والآثاريين فرع نينوى ، ندوة خاصة كرست لتكريم الاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد . وقد القيت ، بصفتي آنذاك ، رئيسا للجمعية كلمة بعنوان : ((عن موسوعية المؤرخ الدكتور عبد المنعم رشاد واهتماماته)) , وكان لها وقع طيب لدى كل من كان حاضرا ذلك التكريم .. وفي الكلمة قلت : (( عذرا لعبد المنعم رشاد .. لاستاذنا الفاضل في ان اذكره بعيدا عن الرسميات والالقاب العلمية ، فهذه اول مرة انطق اسمه مجردا من اللقب العلمي .. الدكتور عبد المنعم رشاد ، وساعترف الان ، وبعد مضي ما يقرب ال (37) سنة ، انني قابلته عندما كان عميدا لكلية الاداب وقدمت اليه طلبا للتعيين كعميد حيث كنت قد تخرجت من كلية التربية ببغداد بدرجة شرف سنة 1967 ـ 1968 ، فوافق فورا ولكن اشترط علي العمل اولا في مكتبة الكلية الفتية التي كان يشرف عليها انذاك حسبما اتذكر موظفا واحدا هو السيد امير الرواس وقد رشح للسفر الى خارج العراق  واكمال دراسته والحصول على الدكتوراه في علم المكتبات . وقد خرجت من عند الدكتور عبد المنعم رشاد بانطباع حسن .. بخلاف ما كنت اسمع من بعض الذين لايعجبهم الانضباط والالتزام ، من انه كان يثور بسرعة وحاد الطبع وما شاكل ..

    وبعد هذه الحادثة ، التي اجزم بانه لايتذكرها ولم اتحدث معه طيلة السنوات الماضية ، اقول بعد هذه الحادثة بسنوات قليلة ، جئت الى قسم التاريخ بكلية الاداب وعينت في ايلول 1975مدرسا مساعدا ، ثم اختارني القسم مقررا له ، وبعدها صرت استاذا في كلية التربية ، وازداد احتكاكي بالدكتور عبد المنعم رشاد وتعمقت معرفتي به فوجدت فيه انسانا فاضلا ، ودودا ، قوي الشخصية ، عالما ، موسوعيا في ثقافته ، لاتكاد تتحدث في موضوع الا وله فيه رأي .. واضافة .. لا اقول اضافة الرجل المثقف بمعنى واسع ، وانما اضافة المتخصص .. فحين يجري الحديث عن الحياة ، الكون ، الارض ، الازهار ، الصناعة ، الزراعة ، الكتب ، السياسية ، الجامعات ، الاحزاب ، فللدكتور عبد المنعم معرفة ممتازة حول كل هذه الشؤون انه موسوعي في ثقافته ، وشمولي في نظرته ودقيق في آرائه .. ورصين في حديثه .

    ولد الاستاذ الدكتور عبد المنعم رشاد في مدينة الموصل سنة 1934واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ثم سافر الى بغداد ، والتحق بكلية الاداب قسم التاريخ وتخرج منها بعد حصوله على شهادة البكالوريوس سنة 1957 , وقد اكمل الدكتوراه في جامعة لندن / المملكة المتحدة سنة1963 وباشراف الاستاذ الدكتور برنارد لويس المعروف بكتاباته عن الاسلام والشرق الاوسط ، والذي يعمل الان في جامعة برنستون بالولايات المتحدة الامريكية . واكنت اطروحته حول الخلافة العباسية575 ـ656هـ وعاد الى وطنه ، وعمل في قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد ثم نقل الى الموصل بعد انشاء جامعتها او قبل ذلك بقليل عندما كانت كليات ومعاهد الموصل تابعة لجامعة بغداد (1959 ـ 1967) واصبح سنة 1967 ، كما قلنا عميدا لهيئة الدراسات الانسانية ومؤسسا لكلية الاداب .

    ألف عددا من الكتب مع زملائه ، ومن هذه الكتب الاسلام في جنوب شرقي اسيا ) و ( تاريخ الدولة العباسية في عصورها المتأخرة ) .. وتاريخ الرومان ، كما نشر العديد من البحوث في المجلات العلمية ومن بحوثه ( احتلال المغول لبغداد ) ونشر في مجلة آداب الرافدين / كلية الاداب / جامعة الموصل العدد

(1) ،1971 و( قصة مقتل آخر الخلفاء العباسيين) و( الرعب الذي احدثه الغزو المغولي ) المنشور في( مجلة آداب الرافدين ، كلية الاداب / جامعة الموصل ، ج2 ، 1971)

    كما شارك في اعداد موسوعات مهمة ابرزها موسوعة الموصل الحضارية التي اصدرتها جامعة الموصل سنة 1992 وتقع في خمسة مجلدات ومن البحوث التي كتبها في المجلد الثاني من الموسوعة :

1.                       ( الدولة العربية الاسلامية وظهور الدويلات )

2.                        ( الموصل في عهد الادارة الاتابكية )

3.                         المظاهر الحضارية في الموصل في عهد الادارة الاتابكية .

4.                       الموصل في عهد السيطرة المغولية الايلخانية .

   كما شارك في تحرير موسوعة ( حضارة العراق ) ب (13 ) مجلدا وموسوعة ( العراق في مواجهة التحديات) بـ ( 3 ) مجلدات وغيرها من الموسوعات .

   وقد اشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراه وحضر ندوات ومؤتمرات خارج وداخل العراق .. وتفرغ سنة 1974 علميا في جامعة كارديف بانكلترا .. ترأس جميعة المؤرخين والاثاريين لسنوات .. وصار عضوا في مجلس جامعة الموصل ورئيسا لتحرير مجلات علمية اكاديمية مثيرة ولفترات طويلة ، مثل مجلة آداب الرافدين التي تصدرها كلية الاداب ـ جامعة الموصل .. وله اسهام فاعل في انشاء مؤسسات ومراكز علمية كثيرة منها مركز البحوث الاثارية والحضارية في جامعة الموصل ، ومركز دراسات الموصل ، في جامعة الموصل كذلك والمركز الوطني لحفظ الوثائق ( دار الكتب والوثائق) ببغداد في الستينات من القرن الماضي وكان اول الامر تابعا لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي ثم اصبح تابعا لوزارة الثقافة والاعلام وعلى يديه واثنين من زملائه وهما الاستاذ الدكتور ياسين عبد الكريم رحمه الله والاستاذ الدكتور عبد الامير محمد امين ، بني المركز والذي ضم عند تاسيسه وثائق البلاط الملكي التي اكتشفت بعد سقوط النظام الملكي في 14 تموز وتاسيس جمهورية العراق . وكانت هذه الوثائق نواة المجاميع الارشيفية النادرة التي لاتزال دار الكتب والوثائق ببغداد تتحفظ عليها ..

    التاريخ عند الدكتور عبد المنعم رشاد ، تاريخ واحد ، فهو مجرى الحياة .. فليس ثمة فوارق وحدود فاصلة بين التاريخ القديم والتاريخ الاسلامي والتاريخ الحديث ، ولذلك فهو ينظر الى الحدث التاريخي بكل ابعاده .. ويدعو طلابه الى ان يتعمقوا في فهم التاريخ واستكشاف بواطنه .

   اهتم الدكتور عبد المنعم رشاد بالفترة المظلمة وهي الفترة الواقعة بين سقوط بغداد على يد المغول سنة 656هـ/1258م ووقوع العراق تحت السيطرة العثمانية 1516 . وقد عمل على تدريب عدد من طلابه للكتابة حول هذه الفترة  والاهتمام بها وبمصادرها .. وكثيرا ما كان يؤكد على ضرورة دراستها ففي ورقة عمل حول دراسة تاريخ الوطن العربي 1256 ـ 1534  غير منشورة لدي نسخة منها قال ان هناك عصورا من تاريخنا لم تحظ بالعناية الكافية من قبل الدارسين والباحثين ، ومنها الفترة المظلمة اما لقلة المصادر والمراجع او لاضطراب وتشابك اخبارها . واضاف ان فهم هذه الفترة يساعدنا في معرفة اسباب استكانة العرب للمحتلين وابعاد تخلفهم وقال ان هذه الفترة تميزت بأنها كانت فترة فوضى سياسية وعسكرية عارمة ، فضلا عن انها شهدت ضعف وتدهور المؤسسات الحكومية . وقد صاحب ذلك كله تخلف علمي واضح .

    واخيرا فالدكتور عبد المنعم رشاد رجل وطني عميق الشعور بوطنيته .. عربي عميق الاحساس بقوميته .. انساني .. عميق الشعور بانسانيته ، ليس منغلقا على نفسه .. نوافذه مفتوحة .. بل هو نافذة طلابه وزملائه على العالم .. فلطالما حرص على نقل تجربته الرائعة الغنية في بلاد الغرب وتحدث عنها .. حديث العارف الناقد الذي خبر الحياة هناك وسبر غور بواطنها .. وليس حديث الذي ذهب الى هناك .. ليدخل من باب ويخرج من آخر .. دون ان تترك تجربة الغرب عليه وعلى سلوكه وثقافته أي أثر.

المؤرخ عبد المنعم الغلامي 1904-1967

   
   
حظيت مدينة الموصل، مطلع القرن العشرين، بطليعة طيبة من الرجال الذين وضعوا الوطن والامة فوق كل اعتبار من اعتبارات الحياة ، وقد عرف هؤلاء بجهادهم السياسي والثقافي من خلال سعيهم للتخلص من النفوذ الاستعماري ، وتأكيد حق العراق في الاستقلال الناجز وتكوين دولته الوطنية القوية . ولعل من أبرز اولئك الرجال ( عبد المنعم الغلامي ) ، الذي ينتمي الى اسرة السادة الغلامية التغلبية الموصلية ، وهي اسرة معروفة بالعلم والادب . وقد ظهر منها شعراء ومؤرخون منهم الشيخ محمد بن مصطفى الغلامي (ت 1772 ) صاحب كتاب ( شمامة العنبر والزهر المعنبر ) والذي يترجم لخمسين شاعراً وادبياً من رجال القرن الثامن عشر ، اربعين منهم من اهل الموصل ، فمن هو عبد المنعم الغلامي ؟ ولد سنة 1904 في الموصل ، واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والاعدادية فيها . دخل دار المعلمين خلال العام الدراسي 1915ـ 1916 وبعد تخرجه منها عمل في مهنة التعليم حتى تقاعد سنة 1958 . وكانت ( مدرسة النجاح ) أول مدرسة مارس التعليم فيها ثم نقل الى المدرسة العراقية . وفي 15 ايلول 1924 ، تزوج من السيدة بتول بنت السيد قاسم اغا العريبي الاعرجي الحسيني ، وقد توفيت بعد سنوات قليلة وعمرها لم يكن يتجاوز الـ ( 38 ) سنة ، كما توفي ابنه وائل وهو في عمر الشباب وقد ترك هذان الحدثان اثرهما على الغلامي ، اذ لم تبق له سوى ابنته ( وائلة ) ، فانصرف الى البحث والتأليف والكتابة في الصحف والمجلات ، الموصلية والبغدادية ، وكان لأسرته ، وخاصة أخاه محمد رؤوف الغلامي دور كبير في توجهه نحو العمل السياسي الوطني
والقومي ، فاسهم مع اخيه وعدد من رفاقه في تأسيس جمعيتي العلم والعهد العراقي فرع الموصل واللتين قامتا بدور سياسي خلال الاحتلالين العثماني والبريطاني . تولى عبد المنعم الغلامي إدارة مكتبة الخضراء في نيسان 1922 وتعود ملكية هذه المكتبة الى الحاج ابراهيم العزو وتقع في شارع نينوى وعند مكان قريب من محلة السراجخانة . وكانت هذه المكتبة بمثابة واجهة للعمل السياسي ، حيث ان مؤسسيها ، ومنهم محمد رؤوف الغلامي ، حرصوا على ان تضم امهات الكتب والنشريات التي تروج للفكرة القومية العربية وتعمل على نشرها بين الشباب آنذاك 0 وبالفعل فقد قامت منذ تأسيسها في 4 من كانون الثاني 1919 بتوفير الكتب والمجلات والصحف وذلك من اماكن كثيرة ، لذلك شددت سلطات الاحتلال الرقابة عليها وطلبت من ادارتها تقديم قائمة بما يصل اليها من كتب الى ( ناظر المعارف ) الكابتن فارل لاستحصال موافقته على بيعها 0 وقد ظلت المكتبة تمارس دورها حتى سنة 1946 ففي العدد (408) من جريدة نصير الحق الصادرة في 24 حزيران 1946 نشرت مقالة بعنوان ( مكتبة الخضراء واهدافها ) جاء فيها ان المكتبة ، مكتبة علم وادب وفضيلة . وكان لعبد المنعم الغلامي اسهام في تأسيس مدرسة اهلية بأسم ( دار النجاح مع مجموعة طيبة من المربين منهم : محمد سعيد الجليلي ، وعبد المجيد شوقي البكري )  وقد افتتحت في 10 شوال 1337 ( 1921م ) وذلك في بناية مدرسة آل الخياط الدينية الواقعة في محلة الامام ابراهيم ثم انتقلت الى بناية اوسع تعود ملكيتها الى مصطفى الصابونجي في محلة باب النبي جرجيس وقد اتجهت المدرسة اتجاهاً وطنياً اقلق السلطة البريطانية المحتلة التي قامت بالحاق المدرسة بمديرية المعارف ( التربية ) . ولم يهدأ للوطنيين بال ، اذ انهم سارعوا الى تأسيس تنظيمات ثقافية كمواجهة للعمل السياسي ، ومن هذه التنظيمات ( مقهى الحمراء المؤسس في 29 حزيران 1921 ) ، والنادي الادبي الذي قام بحملة لمحو الامية واول صف فتحه لهذا الغرض كان في يوم 2 كانون الاول 1921 0 انضم الى حزب الاحرار / فرع الموصل وعمل في صحافته كاتباً ومحرراً . ألف عبد المنعم الغلامي كثيراً من الكتب التي تتناول تاريخ الموصل المعاصر ، ومن اوائل كتبه : ( السوانح في الاحداث الوطنية ) الذي اصدره سنة 1932 ، وهو يضم بعض المقالات عن الحركة القومية العربية في الموصل قبيل الحرب العالمية الاولى وبعدها ، اما كتابه الثاني فهو ( اسرار الكفاح الوطني في الموصل 1908ـ 1925 ) بعدة اجزاء صدر الجزء الاول منه ببغداد سنة 1958 . وله كتب اخرى منها ( ثورتنا في شمال العراق ) و ( خروج العرب من الاندلس ) و ( بقايا الفرق الباطنية في لواء الموصل ) و ( الضحايا الثلاث ) و ( جغرافية جزيرة العرب ) و ( الانتساب والاسر ) وله كتب غير منشورة منها : ( التآمر على وحدة العراق ما بين 1918ـ 1933 ) ، و ( معارف الموصل في زمن الاحتلال وما بعده ) ، و ( تراجم معاصرة ) . هذا فضلاً عن مئات المقالات التي نشرها في صحف ومجلات الموصل وبغداد . كان عبد المنعم الغلامي في مقدمة الذين عملوا في النشاط السياسي الوطني والقومي في الموصل منذ اواخر العهد العثماني وقد انعكس توجهه هذا في كتاباته وقد حرص على توثيق الاحداث والعمل على احكام الربط بينها وبين الاشخاص الذين قاموا بدور مهم في صنع الاحداث ، وكثيراً ما كان ( يتجاوب مع الحوادث ، ويتبادل مع عقول العاملين فيها بفكر عربي اسلامي ) على حد قول الاستاذ المرحوم ( معن العجيلي ) : وكان من أبرز ما اكد عليه كتاباته قدرة هذه المدينة : الموصل على مواجهة المحن والنكبات ، والمخاطر التي تعرضت اليها وآخرها محنة الموصل اثر فشل ثورتها في آذار 1959 ضد حكم عبد الكريم قاسم ، وكذلك فان كتاباته اصطبغت بالصبغة الوطنية والقومية ، وكان كثيراً ما يلجأ الى النشر باسم مستعار ، خوفاً من الملاحقة ، ومن الاسماء التي استعارها ( مؤرخ ) في جريدة صدى الاحرار و( موصلي ملاحظ ) في جريدة المزمار و( تغلبي ) في جريدة العراق و( ابو وائل ) في جريدة نصير الحق و( مكاتبكم ) في جريدة البلاد ، و( الخميس ) في جريدة الاستقلال و( الحافظ ) في صحف جمعية الهداية الاسلامية . ومن المجلات التي نشر فيها ( مجلة الميثاق ) البغدادية ومجلة ( المجلة ) الموصلية ومجلة ( المعرفة ) البغدادية . اننا نعتقد ، بان عبد المنعم الغلامي ونشاطه التربوي والسياسي والثقافي يستحق اهتمام الباحثين والمؤرخين . توفي في 23 تشرين الثاني سنة 1967 رحمه الله وجزاه خيراً عن كل ما عمله.

 

المؤرخ الدكتور عماد الدين خليل

      ليس من السهولة، رصد كل ما قدمه الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل إلى المدرسة التاريخية العراقية، والعربية، والإسلامية ، فإنتاجه ، أطال الله عمره ، غزير ، ومتعدد الجوانب . ففضلاً عن تخصصه بالتاريخ الإسلامي، فهو كاتب مسرحي وناقد وأديب . ولد في مدينة الموصل سنة 1939 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ، ثم تخصص بالتاريخ، وحصل على شهادة البكالوريوس بدرجة الشرف من قسم التاريخ بكلية التربية ، جامعة بغداد سنة 1962 ولم يقف عند هذا الحد بل واصل دراسته، وأكمل شهادة الماجستير في التاريخ الإسلامي من كلية الآداب جامعة بغداد سنة 1965 وعاد ليصبح عضواً في هيئة التدريس بقسم التاريخ _ كلية الآداب / جامعة الموصل. وفي سنة 1986 حصل على شهادة الدكتوراه بمرتبة الشرف الأولى من جامعة عين شمس بمصر . في مايس-أيار 1989 نال الأستاذية، ولا يزال يعمل في قسم التاريخ بكلية الآداب _ جامعة الموصل . له من الكتب التاريخية المؤلفة العديد الى جانب كم كبير من البحوث والدراسات والمقالات ،ومن كتبه المنشورة :

1.     ملامح الانقلاب الإسلامي في خلافة عمر بن عبد العزيز .

  1. عماد الدين زنكي .
  2. التفسير الإسلامي للتاريخ .
  3. الإمارات الارتقية في الجزيرة والشام .
  4. حول إعادة كتابة التاريخ الإسلامي .
  5. المستشرقون والسيرة النبوية .
  6. تحليل للتاريخ الإسلامي .. إطار عام .
  7. في التاريخ الإسلامي ، فصول في المنهج والتحليل .
  8. دراسة في السيرة .

      مع أن الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل ،تفرغ في السنوات الثلاثين المنصرمة لقضايا الدعوة والعقيدة الإسلامية ، إلا انه ظل على صلة وثيقة بالتاريخ والدراسات التاريخية ، كما انه استفاد من خلفيته الفكرية التاريخية لتعميق دراساته في النقد والمسرح الإسلاميين .          وقد أنجز روايات تاريخية أبرزها روايته الشهيرة التي وثق بها لأحداث ثورة الشواف في الموصل سنة 1959 والموسومة: ( الإعصار والمئذنة )، والتي نشرت ولأكثر من مرة أولها في سنة 1982 وأخرها في سنة 1987 . ويعد الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل، اليوم ،حجة في تاريخ الجزيرة والشام أبان العصور الوسطى . ومما يميز كتاباته، انه لم يقتصر على معالجة الأحداث سياسياً ،بل كان يتناولها بأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فيكسبها رونقاً وسلاسة تجعل القارئ يقبل عليها بنهم ولذة وسعادة .. ولربما جاء ذلك من اهتماماته بالنواحي التربوية، ومعرفته بخبايا وخفايا النفس الإنسانية وطرق الولوج إليها بيسر وسهولة .. وقد أعطت هذه الميزة ،كتابات الدكتور عماد الدين خليل، شهرة واسعة خاصة بين الشباب وغيرهم .

     كما أن الدكتور عماد، فوق هذا وذاك، مهتم بفلسفة التاريخ، والمهتمين بهذا النمط من الدراسات قلة ، لما يتطلبه ذلك من معرفة بعلوم النفس، والتربية ،والاقتصاد، والاجتماع . فعلى سبيل المثال، عندما يقدم التاريخ الإسلامي إلى القارئ ،نراه قادراً على اختيار ونحت المفاهيم والمبادئ الأساسية التي تتحكم بمجرى الفعل الحضاري الإنساني.. فثمة مبدأ الاستخلاف ،ومبدأ التوازن، ومبدأ التسخير، ومبدأ الارتباط بين الخلق والخالق .. وفي هذا المجال يحرص على ما يمكن تسميته بـ ( أسلمة المعرفة ) ويقصد من وراء ذلك ممارسة النشاط المعرفي كشفاً وتجميعاً وتوصيلاً ونشراً، من زاوية الرؤية الإسلامية للكون والحياة والإنسان .

      ويذهب إلى تحديد مستويات هذه الرؤية بأربع مجالات هي على التوالي: الضرورة العقيدية، والضرورة الإنسانية، والضرورة الحضارية، والضرورة الإنسانية .

وينتقد الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل مناهج المستشرقين، ولكن يحترم في الوقت نفسه انجازات بعضهم وخاصة المنصفين منهم .

    ففي كتابه المستشرقون والسيرة النبوية يقيم دراسة مقارنة لمنهج المستشرق الانكليزي المعروف ( مونتغمرى وات ) وخاصة في كتابه ( محمد في مكة ) وينتقده لإسقاطه الرؤية المعاصرة على السيرة ، ويخلص إلى أن ( وات ) ،وان عرف بالموضوعية والحيادية ،إلا انه وغيره من المستشرقين غير قادرين على فهم روحية السيرة ،لذلك فهم يمارسون نوعاً من التمزيق لنسيجها الحي .

    اهتم الأستاذ الدكتور عماد الدين خليل بقضايا حساسة في التاريخ الإسلامي أبرزها مسألة الحكم ، وانتشار الرسالة ، ومغزى الجهاد ، وعالمية الإسلام ، والصراعات الأسرية ، وعناصر المجتمع الإسلامي . وفي كتابه( التفسير الإسلامي للتاريخ) ، يجد في القران الكريم ، كما يقول أستاذنا الدكتور عمر محمد الطالب رحمه الله ،في كتابه ( الكتاب والمؤلفون في الموصل في القرن العشرين )، المساحة التاريخية واسعة .

لهذا نجد أن هناك حشداً من الوقائع التاريخية عن طريق الآيات والمواقف القرآنية التي يحدثنا بها المفسرون عن أسباب النزول والتي وردت في أعقاب عدد كبير من أحداث السيرة التي تعلق وتفند وتلامس وتبين وتوجه وتصوغ انطلاقا من هذه الأحداث .. إلى جانب سور كاملة ومقاطع مهمة تبين أبعاد المساحة الشاسعة التي أعطاها القران الكريم للمسألة التاريخية وببعديها الديني والدنيوي .

    وينتقد الدكتور عماد الدين خليل، المناهج التقليدية في دراسة التاريخ ويأخذ عليها أنها تعتمد التبدل والتغير  في الأسر والحكام، والرؤية التجزيئية التي تدرس التاريخ أشتاتا مبعثرة ، وحرصها على التأكيد المتضمن على الجوانب السياسية والعسكرية وإهمالها للتأثيرات الإسلامية العميقة في النسيج الاجتماعي ،وأخيرا تقطيعها للظواهر التاريخية الكبيرة، وبعثرتها من خلال المعالجة الأفقية المتزامنة التي تدرس كل عصر على حدة بدلاً من المتابعة العمودية لكل ظاهرة عبر مجرى التاريخ الإسلامي . ويقدم الدكتور عماد الدين خليل، منهجاً بديلاً يقوم على أساس فهم التاريخ الإسلامي من خلال وحدة الحركة وكسر القشرة الخارجية للأحداث والمتغيرات والتحقق برؤية شمولية تلم التفاصيل والجزيئات ومتابعة الظواهر التاريخية الكبرى عمودياً وتسليط الضوء على العلاقة المتبادلة بين الدين والتاريخ وأخيرا تحقيق التوازن المطلوب في البحث بين الجوانب العقيدية من جهة والجوانب السياسية والاقتصادية والثقافية من جهة أخرى ..

      الخلاصة أن الكتابة عن منهجية الدكتور عماد الدين خليل ورؤيته للتاريخ بأنماطه المختلفة لا يمكن أن تكتمل وهو لا يزال في عز عطائه العلمي وقد يذهب البعض ومنهم الدكتور عمر الطالب إلى انه لو تفرغ للكتابة التاريخية الصرف بدلاً من توزيع اهتماماته لكان قد قدم خدمة أوسع لدارسي التاريخ ، إلا أننا نرى بان اهتماماته تلك وخاصة في مجالات الأدب والنقد قد عمقت رؤيته التاريخية وجعلته في مصاف فلاسفة التاريخ ، أكثر من كونه مؤرخاً أكاديميا تقليدياً .. فضلا عن أننا نعتقد بان ما قدمه على صعيد الكتابة التاريخية يرقى إلى مستويات عالمية تجعله يمثل مكانة بارزة في المدرسة التاريخية الإنسانية .

 

المؤرخ عطا ترزي باشي

    مؤرخ ، وكاتب ، وباحث ، وشاعر من كركوك ، ابتدأ الكتابة منذ اواسط الاربعينات من القرن الماضي ، وكانت كتاباته الاولى ، كما يقول صديقه ومجايله الاستاذ وحيد الدين بهاء الدين ، تنصرف لمتابعة موضوعات تتعلق بتراث كركوك ، وتاريخها ، ومبانيها ، ومدارسها ، وجوامعها ، وقشلاتها ( المدنية والعسكرية) من قبيل مقالاته عن ( حالة المدارس في كركوك) ، و (عمارات المعارف في كركوك) ، و ( جسر كركوك) ، و ( شركة النفط في كركوك) و ( قشلة كركوك القديمة) .

      ولم يقف عطار ترزي باشي عند تلك الموضوعات ، بل اتسع اهتمامه ليتناول موضوعات تتعلق بجغرافية كركوك ، وتركيبتها السكانية ، واوضاع الصحافة والادب والفن فيها ، وقبل فترة خرج علينا بموسوعته الموسومة (شعراء كركوك) وكتابه ( التاريخ الشعري للعمارات والمؤسسات بكركوك) . ويقصد بالتاريخ الشعري هنا التأريخ بحساب الجمل المعروف في العصور الاسلامية .

   ان عطار ترزي باشي ، في توثيقه لاصول كركوك وجذورها الضاربة في اعماق التاريخ والحضارة، وباللغتين العربية والتركمانية، يقول الاستاذ وحيد الدين بهاء :((أصيل أصالة كركوك كيانا ووجدانا وزمانا ومكانا ، واقعا وطابعا ، كركوك هذه الحاضرة التاريخية هي موطنه وموطن أبائه ، نبع الهامه ، يستمد منها القوة والقدرة ))، لذلك شغلت ( كركوك) مساحة واسعة في فكر وذهنية وهواجس هذا المؤرخ ، كما شغلت ( الموصل) من قبل فكر وذهنية وهواجس المؤرخ سعيد الديوه جي .

    عمل عطار ترزي باشي في الصحافة ، وكتب لها منذ الاربعينات من القرن الماضي . وقد حظيت ( جريدة كركوك) بالقسط الاعظم من مقالاته ودراساته ، فلقد بلغ عدد ما نشره في هذه الجريدة ، على سبيل المثال ، (28) مادة باللغتين العربية والتركمانية . ولم تكن المقالات تقليدية  ، وانما كانت متطورة تدعو الى التحديث والتغيير ، وتركز على ضرورة تطوير كركوك وتغيير احوالها العمرانية وجعلها مدينة تليق بتاريخها وارثها الحضاري الموغل في القدم .   

      بعد ثورة 14 تموز 1958 أصدر في كركوك ، وعدد من زملائه في الاشهر الاولى من الثورة ، جريدة جديدة باسم ( البشير)، وكان الى جانبه كل من حبيب الهرمزي، ومحمد الحاج عزت ،وجاء في ترويستها انها جريدة ادبية ثقافية ناطقة باللغتين العربية والتركمانية . وقد تولى عطار ترزي باشي تحرير القسم التركماني، وصدر العدد الاول من الجريدة في 23 ايلول 1958، وكان صاحب امتيازها ( محمد امين عصري) وسكرتير تحريرها  عطا ترزي نفسه، ثم انضم الاستاذ الاديب وحيد الدين بهاء الدين الى هيئة تحريرها وكانت الجريدة تطبع في كركوك، وصدر منها (26) عددا خلال الستة اشهر التي اعقبت الثورة . وأولت الجريدة اهتماما بكركوك وتراثها وتاريخها ، لكنها نشرت مقالات لم ترض السلطة الحاكمة انذاك، فصدر أمر الحاكم العسكري العام احمد صالح العبدي بأغلاقها . وفوق هذا تعرض رئيس تحريرها عطا ترزي باشي الى الاعتقال ثم اطلق سراحه بعد ذلك .. ويبدو ان التصاقه بهموم بني جلدته التركمان والتعبير عن مشكلات مدينته وشعبه وبلاده كانت وراء المشاكل التي تعرض لها .

   مارس عطا ترزي المحاماة ، وتولى رئاسة ( غرفة المحامين) في كركوك التابعة لنقابة المحامين العراقيين فترة من الزمن .

   ولد عطا ترزي باشي سنة 1924 ، واكمل دراسته فيها، ثم ذهب الى بغداد ودخل كلية الحقوق ( القانون حاليا) في جامعة بغداد وتخرج فيها .. ولم يمارس المحاماة بعد تخرجه كثيرا بل انغمس في عالم الصحافة والتأليف والبحث في التأريخ والتراث .

   كتب الاستاذ نصرت مردان في الحوار المتمدن ( العدد 728) 29 كانون الثاني 2004 مقالا عن عطا ترزي بعنوان: ((عطا ترزي باشي (يوثق) تاريخ الطباعة والصحافة في كركوك 1879 ـ1985)) قال فيه ان الباحث القدير الاستاذ عطا ترزي باشي يعد مؤرخا رائدا، ومما كتبه ، مقالاته ودراساته ومؤلفاته التي وثق فيها لتاريخ الصحافة الكركوكية وبواكيرها الاولى ..

    ولعل من اولى مقالاته في هذا المجال مقالته الموسومة : ((الصحافة عندنا)) في صحيفة الشورى يوم 22 تشرين الثاني 1947 ، وفي تموز 1952 كتب سلسلة مقالات عن ((تاريخ الصحافة في كركوك)) في جريدة كركوك . وخلال المدة من 1959 حتى 1963 ، كتب مقالات عديدة عن الصحافة الكركوكية في صحف ومجلات عراقية وعربية من ابرزها مقالته عن: (تاريخ الطباعة في كركوك) نشرتها له مجلة ( الثقافة الجديدة ) البغدادية يوم 1 كانون الاول 1962 و(تاريخ الصحافة في كركوك) نشرتها مجلة المكتبة التي كانت تصدر عن مكتبة المثنى ببغداد ( عدد حزيران 1963) . و( في تاريخ الرقابة على الصحف) التي نشرتها له (مجلة الحديث) السورية سنة 1959 .

   كما اهتم عطا ترزي بالشعر والشعراء ، وفي موسوعته ((شعراء اربيل في القرون الثلاثة الاخيرة)) ، أرخ لسير وقصائد (48) شاعرا تركمانيا منهم الشعراء عبد الله افندي وعبدي ماثل وعبد الله نامي وغريبي يوسف افندي اربيللي ، وعبد الجبار كاني ، وعبد الله غوثي، ويحيى نزهت،وكمال صفوت ،ومحمد سعد بن محمد سعيد النقشبندي، وابنه الشيخ علي، وابراهيم حقي حيدر ، ومحمد حمدي، ويونس ناجي، وصنعان احمد، ونسرين اربيل، وجرجيس باغجه جي، وعدنان قصاب اوغلو، ومحمود قصاب اوغلو، وشمس الدين ولي، وعثمان اغا العثماني، وعبد الله ( قاصد)،وحافظ، واغا حاج قاسم دزدار، وخضر محمد، وسداد اربيللي، ومحمد حرابي ،وملا ياسين، واحمد ثريا، وعبد الرزاق اغا .

     من كتب عطا ترزي باشي المنشورة ( موسوعة شعراء كركوك) كركوك شاعر لري (10 اجزاء) و (تاريخ الصحافة والمطبوعات في كركوك 1879 ـ1985 ) (كركوده باصين ومطبوعات تاريخي) ، وكتاب(اغاني كركوك (خويرات كركوك) ، وكتاب الامثال الشعبية في كركوك (كركوده اسيكر سوزي)  وكتاب (الانغام الكركوكلية) ( كركوك هوالري) وكتاب (كركوده عماره وتأسيسلرك، منظوم تاريخلري، ( كركوك ،2005) . وليس من السهولة رصد كل ما كتبه عطا ترزي باشي فذلك يحتاج الى وقت وجهد وتخصص في علم المكتبات لكن جمع ما كتب يظل ضرورة يحتاجها الباحث وعسى ان يتصدى أحد تلامذته أو اصدقائه لهذا المشروع العلمي الكبير والذي نحا فيه عطا ترزي باشي نحو العلماء والمثقفين العراقيين الذين حرصوا على كشف مكنونات تاريخ وتراث بلادهم دون ان يكون لديهم اي هدف اخر فاستحقوا الذكر والتقدير .

    لقد كرم الاستاذ عطا ترزي باشي مرات عديدة داخل بلده وخارجه وكان آخر ما كرم به منحه شهادة الدكتوراه الفخرية من( جامعة  فوكتور) الاذربيجانية العالمية يوم 8 تشرين الاول 2007 تقديرا لما اسداه من خدمات للثقافة التركمانية خصوصا وللثقافة العراقية عموما .    

المؤرخ الدكتور عواد مجيد ألأعظمي  1928 ـ 1986

           كان المؤرخ الأستاذ الدكتور عواد عبد المجيد الاعظمي (1928ـ 1986) من أساتذتي في مرحلة البكالوريوس ـ (كلية التربية ـ جامعة بغداد) مطلع الستينات من القرن الماضي . وكنت وزملائي نحبه ونحترمه ونحرص على ان نتعلم منه طريقته في تحليل النصوص التاريخية . واتذكر انه تمرض فترة من الزمن ، فافتقدناه وعاد إلينا ، ومع أن حياته الشخصية على ما كنا نرى ونسمع ، اتسمت بالاضطراب إلا أن ذلك لم يحل دون قيامه بواجباته التدريسية والتربوية .

     كتب عنه تلميذه الأستاذ الدكتور محمد جاسم المشهداني مقالة ممتازة نشرت في مجلة المؤرخ العربي (العدد 56 ،1998) ومما قاله أن الأستاذ عواد ألا عظمي قد ولد في ألا عظمية ببغداد سنة 1928 وهو عواد بن مجيد بن سعيد ألا عظمي .  

      اكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ثم قبل في دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد) وتخرج فيها مدرسا لمادة الاجتماعيات ( التاريخ والجغرافية) .. وبعد أن درس في بعض مدارس العراق الثانوية ، قرر الاستقالة من التدريس وأصر على إكمال دراسته والحصول على الدكتوراه وكان ذلك في الثاني من أيلول سنة 1959 وقد سافر إلى المملكة المتحدة ( بريطانيا) والتحق بجامعة سانت اندروز باسكتلنده وحصل على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي وكان عنوان أطروحته (تاريخ مدينة القدس) وقد نشرتها وزارة الإعلام العراقية فيما بعد (1972) في كتاب .

       لم يعد الدكتور ألا عظمي الى العراق بعد إكماله الدكتوراه بل سافر إلى المملكة العربية السعودية ، وقد درس في قسم التاريخ بكلية التربية ، جامعة الملك عبد العزيز ( فرع مكة المكرمة) من 21 كانون الأول 1963 وحتى العشرين من حزيران سنة 1964 . وقد عاد إلى العراق ، فعين مدرسا في قسم التاريخ بكلية التربية بجامعة بغداد اعتبارا من 31 آب سنة 1964 .. وبعد سنوات انتقل إلى كلية الآداب بجامعة بغداد ليمارس التدريس في قسم التاريخ فيها وبقي هناك حتى وفاته رحمه الله سنة 1986 .

       بالرغم من الصعوبات التي اعترضت حياة ألا عظمي الشخصية وعدم استقراره ، فانه كان دؤوبا نشيطا ، وكنا نفاجئ بإنتاجه الغزير وخاصة في سنواته الأخيرة التي شعر على ما يبدو فيها بنوع من الاستقرار والطمأنينة المادية والمعنوية .. وليس من السهولة رصد إنتاجه العلمي ، لكن مما لابد من ذكره أن الدكتور ألا عظمي ، كان من الباحثين والمؤرخين المهتمين بما يدور حوله ، فمنذ وقت مبكر اصدر كتابه الشهير ((نزعات في الفكر الأوربي)) وذلك سنة 1954 ( منشورات دار البصري) مطبعة اسعد ، بغداد) . وفي هذا الكتاب أرخ للاتجاهات الفلسفية والأوربية وكمـا اسماها هــو ( نزعات)  ، وابرزها

( التنويرية) و( الإنسانية) و(الرومانسية) و ( البر ناسية) و ( الوجودية)  وعندما اصدر ألا عظمي كتابه هذا كان يعمل مدرسا في المدارس الثانوية ويحمل كما ورد في صدر الكتاب ( ليسانس شرف بالاجتماع)) . وفي هذا الكتاب أشار ألا عظمي إلى انه منذ سنوات خلت ((دفعتني رغبة صادقة ، وحفزني شعور عميق على أن اخوض معترك الفكر الأوربي ، لانقلها بأمان واخلاص من عالمها الغربي إلى عالمنا العربي متحديا بذلك كل الصعوبات ومذللا كل العوائق .. على أنى رايتها شائكة وأفكارا معتدة ، فآليت أن لا أتسرع بالحكم عليها ، فتريثت وصممت أن ابسط المعقده منها ، واوضح ما هو غامض منها ، وأنا اضفي عليها آرائي ... وانتقد ما يستوجب النقد منها ...)) . وقد أشار إلى انه نشر بعض ما كتب في مجلة الأديب البيروتية ، وكانت تلقى ((صداها الكبير واثرها العظيم في نفوس القراء وكل هذا شجعني على الاستمرار ... حتى توصلت إلى إنجاز بعض هذه النزعات))  . اعتمد ألا عظمي مصادر بالعربية والفرنسية والإنكليزية عند تأليفه هذا الكتاب . وقد دل ذلك كله على سعة ثقا فتة ورقيها في تلك المرحلة المبكرة من حياته العلمية .

     توالى إنتاج ألا عظمي التاريخي والفكري وتزايد على مر السنون ، فبعد قرابة (15) سنة اصدر كتابه الآخر ( بحث في الجذور التاريخية لمدينة القدس)

      في سنة 1972 اصدر ببغداد كتابه ( تاريخ مدينة القدس)وفي سنة 1975 اصدر كتابه ( معالم التراث العربي ـ الإسلامي في فلسطين) ، ثم كتابه ( الزراعة والإصلاح الزراعي في صدر الإسلام والخلافة الأموية ) ( بغداد 1978) وكتاب

( الأمير مسلمة بن عبد الملك بن مروان )  ( بغداد ، 1980) ثم كتاب ( دراسات في تاريخ الاقتصاد العربي الإسلامي ) بالمشاركة مع الأستاذ الدكتور حمدان الكبيسي ( بغداد ،1998)

     رصد الأستاذ صباح نوري المرزوك في كتابه القيم ( معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970 ـ2000) جانبا من مؤلفات الدكتور عواد مجيد ألا عظمي فذكر أن له كتابا بعنوان ( الخلافة الأموية) وكتاب (معالم التراث العربي والإسلامي في فلسطين ) الذي أصدرته الجمعية التاريخية العراقية ببغداد ســنة 1975 وكتاب

 ( تاريخ الري في سهول وادي الرافدين من صدر الإسلام حتى نهاية العصر العباسي) وقد نشر ببغداد سنة 1985 . 

     كما كان له كتاب بعنوان ( الجذور التاريخية في تطلعات العرب المسلمين لفتح مدينة القدس ) ونشرته دار الحرية ( بغداد ، 1985)

     وللاعظمي دراسات وبحوث تاريخية تتسم بقدر كبير من الدقة والتوثيق والأهمية منها على سبيل المثال

    1 . ((نشوء مذهب الكرامية في خراسان )) ، وقد نشر في المجلة التاريخية

          العراقية ( بغداد ، 1972)

    2 . ( تراث العرب الفكري والعلمي في فلسطين في ظل الحكم الإسلامي )) ،

         وقد نشر مجلة المؤرخ العربي ، العدد (2) ، سنة 1975 .

    3 . الجذور التاريخية للتراث العربي في فلسطين 3000 ق . م ـ636))

        ونشر في كتاب وقائع المؤتمر الدولي للتاريخ والذي انعقد ببغداد سنة

          1972 .

    4 . ((كيف ساد اسم بغداد على اسم مدينة السلام)) ، ونشر في مجلة

           المؤرخ العربي ، العدد (19) ، 1981

    5 . (( الأسماء الأخرى التي نعتت بها بغداد )) ، وقد نشر في مجلة

           المؤرخ العربي ، العدد (23) ، 1983 

    6 . ((تراث العرب العمراني في فلسطين في ظل الحكم الإسلامي )) ونشر في

          المجلة التاريخية ( بغداد) العدد 3 ، 1974

    7 . ((مشاريع الري والزراعة في صدر الإسلام)) وقد نشر في مجلة التراث

          العلمي العربي ، سنة (11) ، العدد (1)، 1982

    8 .  ((المواجهة العربية للتحدي البيزنطي خلال العصور السياسية )) قدمه

           إلى الندوة التي نظمها اتحاد المؤرخين العرب بعنوان ( العرب في

           مواجهة التحديات ، 1985 .

     انطلق الدكتور ألا عظمي في كتبه ودراساته ومحاضراته من أن على كل عربي ومسلم الاعتزاز بقيمة التراث العربي الإسلامي وابراز معالمه وقد اعتمد لتحقيق ذلك المنهج العلمي التاريخي المعتمد على التحليل والتعليل والاستنتاج .

          وكان همه في كل كتاباته إلقاء الضوء على الموضوعات التي لم تنل الاهتمام الكافي من لدن  الباحثين والمؤرخين الذين سبقوه .. وكانت لغته قوية وواضحة تعكس إلى حد كبير ثقافته الواسعة وحسه الأدبي المرهف .. توفي رحمه الله وغفر له سنة 1986 .

المؤرخ الدكتور مجيد خدوري ( 1908 ـ        )

         مؤرخ عراقي معروف ، ولـه حضور فاعل في ساحة الكتابة التاريخية حول العراق المعاصر منذ أكثر من نصف قرن ، ولـد مجيد خـدوري في الموصل في 27 أيلول سنة 1908 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والأعدادية فيها ثم تخرج من دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) ، ببغداد سنة 1928 ، وحصل كذلك على البكالوريوس في الآداب من الجامعة الأميركية في بيروت سنة 1932 ، وحصل على الدكتوراه من جامعة شيكاغو سنة 1938 عن رسالة الموسومة : " الانتدابات في عصبة الأمم " . ثم عاد بعدها إلى العراق ليعمل مدرساً لمادة تاريخ الشرق الأدنى الحديث في دار المعلمين العالية ببغداد .

       وخلال السنة الدراسية 1947 ـ 1948 ، عمل استاذاً زائراً في جامعة انديانا ، وبين سنتي 1949 و 1980 استقر في جامعة جونز هوبكنز ، كما تولى إدارة مركز دراسات الشرق الأوسط فيها خلال الفترة من 1960 و 1980 . وقد زار القاهرة ، وعمل استاذاً في الجامعة الأميركية فيها بين كانون الأول 1972وكانون الثاني1973 . كما زار بغداد وألقى في كلية الآداب فيها محاضرات سنة 1976 . وفي آذار 1978 زار جامعة البصرة وألقى فيها محاضرات في تاريخ العراق المعاصر .

     أسهم مجيد خدوري في نشاطات علمية ودبلوماسية ، ففي سنة 1945 عمل في وزارة الخارجية العراقية ، وكان عضواً في الوفد العراقي إلى مؤتمر الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو سنة 1945 ، وعضواً في عدة لجان في وزارة التربية العراقية ، وخاصةً بين سنتي 1939 و 1947 . وقد كان له دور في تأسيس الجامعة في ليبيا ، وشغل منصب رئاسة الجامعة هناك سنة 1957 ، وحينما ذهب إلى الولايات المتحدة ، اختير كمستشار في بعض نشاطات وزارة الخارجية الأميريكية ، خاصةً بعد أن أصبح مواطناً أميركياً سنة 1954 .

       اهتم مجيد خدوري بتاريخ العراق المعاصر ، وبدأ باصدار سلسلة من هذه الكتب وأولها كتاب صغير لا تتجاوز صفحاته الـ ( 72 ) صفحة من القطع المتوسط بعنوان: " أسباب الاحتلال البريطاني للعراق " وقد طبعه بمطبعة الشعب بالموصل سنة 1933. والكتاب بالأصل عبارة عن دراسة حاز فيها خدوري على جائزة " هوردبلس " الأولى في مباحث المباراة العلمية للسنة الدراسية 1930 ـ 1931 في الجامعة الأميركية ببيروت. وقد أدخل عليها بعض التعديلات ونشرها بناءً على طلب الأستاذ ابراهيم بيثون مرشد جمعية التوفير في المدرسة الثانوية في الموصل ، وهي التي كان يعمل فيها مدرساً . وقد خصص ريع الكتاب للجمعية المذكورة .

       ويناقش خدوري في هذا الكتاب ، أسباب الاحتلال البريطاني للعراق ، ويرى بأنها تنحصر في أسباب سياسية وأسباب اقتصادية . وفي النقطة الأولى يدرس ثلاثة أمور هي :

         1 ـ  وضع العراق الجغرافي والعسكري .

         2 ـ  الصراع بين بريطانيا وألمانيا على السيادة في الشرق الأدنى .

         3 ـ  الحرب العالمية الأولى كسبب من أسباب الاحتلال .

       أما النقطة الثانية المتعلقة بالأسباب الاقتصادية فيرى خدوري أنها تنحصر بما يلــي :

         1 ـ  العراق كسوق للمنتوجات البريطانية .

         2 ـ  العراق كمورد للمواد الأولية .

         3 ـ  العراق كمحل لاستثمار رؤوس أموال بريطانية .

    ويشير خدوري في ختام دراسته إلى أن تقسيمه للأسباب التي أدت إلى الاحتلال البريطاني ، إلى سياسية واقتصادية لغرض الدراسة ولتسهيل البحث . وينفي خدوري أن تعمل نلك الأسباب منفصلة الواحدة عن الأخرى في دفع بريطانيا لاحتلال العراق ، وإنما كانت هذه الأسباب مشتبكة بعضها مع البعض .

       وفي سنة 1935 أصدر كتاب " تحرر العراق من الانتداب " ولم تكن التجرية العملية تنقص مجيد خدوري ، ذلك أن وزارة الخارجية العراقية هيأت له هذه الفرصة حينما استدعته ووضعت بين يديه ما لديها من وثائق لاعداد ما سمي ب " الكتاب الأبيض " الذي كان من المؤمل صدوره في أيار 1941 ليعالج " التطورات التي أدت إلى الاعتداء البريطاني الغاشم على العراق في أيار سنة 1941 " . وفي سنة 1946 أصدر كتابه " نظام الحكم في العراق " ، وفي سنة 1951نشر كتابه " العراق المستقل : دراسة في السياسة العراقية منذ 1932 " . ثم نقّح وأعيد طبعه ثانية في مطبعة جامعة اكسفورد سنة 1960 وبعنوان " العراق المستقل : دراسة في السياسة العراقية منذ 1932 حتى 1958 " . وفي سنة 1969 نشر كتاب " العراق الجمهوري : دراسة في السياسة العراقية منذ ثورة 1958 "  وبعد ذلك بعشر سنوات نشر كتابه
" العراق الاشتراكي : دراسة في السياسة العراقية منذ ثورة 1968 " .

      ونالت قضايا الوطن العربي ، وتطور الاتجاهات السياسية فيه ، ودور قادته في السياسة الكثير من اهتمامات مجيد خدوري . ذلك أنه يعد من المؤرخين العراقيين الرواد الذين كتبوا بحوثاً ودراسات في التاريخ العربي المعاصر . ففي سنة 1934 نشر في الموصل كتابه : " المسألة السورية " وفي سنة1939خطط لنشر كتاب عن " قضية الاسكندرونة " تأخر طبعه حتى سنة 1953 . وفي سنة 1963 أصدر كتابه : " ليبيا الحديثة : دراسة في التطور السياسي " . ووضع خدوري كتابين مهمين ، اولهما يتناول : " الاتجاهات السياسية في العالم العربي " ، وثانيهما يدرس " أدوار القادة في السياسة العربية " . وقد انطلق في تأليفه هذين الكتابين من أجواء النقاش والجدل الذي كان يدور بين المثقفين العرب حول فلسفة الإصلاح السياسي ، في الوقت الذي كان فيه الزعماء والقادة العرب يسعون إلى التوفيق بين الأيدلوجيات المتصارعة والتقاليد العربية الاسلامية . ويعد كتاب  " حرب الخليج " الذي اصدره سنة 1988 آخر اصداراته ، حيث لقي هذا الكتاب صدىً واسعاً بين القرّاء ، وبهذا الكتاب بلغ مجموع مؤلفاته باللغة الانكليزية ( 15 ) كتاباً ، فضلاً عن عشرة كتب صدرت باللغة العربية أثناء وجوده في العراق.

       ولخدوري اهتمامات واسعة أخرى بمسائل الشريعة الاسلامية والقانون الدولي ، وله في هذا المجال كتب عديدة منها كتابه : " قانون الحرب والسلام في الإسلام " ونشر في لندن سنة 1941 ، وكتابه " المفهوم الاسلامي للعدالة " ونشر سنة 1984 .

      ولم يقف انتاج خدوري عند حدود الكتب ، وإنما له بحوث كثيرة نشرت في مجلات عراقية وعربية ودولية ، ويمكن القول أن أولى بحوثه ظهرت في مجلة المجلة الموصلية التي صدرت سنة 1938 ، وقد دارت بعض هذه البحوث حول " النظم القيصرية الحديثة " و " الصلات الدبلوماطيقية  بين الرشيد وشارلمان " . كما أن له مساجلات عديدة على صفحات مجلة المجلة ، مع زميله المؤرخ الموصلي سعيد الديوه جي والتي تعكس حيوية هذين المؤرخين الموصليين وحرصهما على تقديم الحقيقة التاريخية إلى قراءهما ، ومن بحوثه التي نشرها في مجلات عالمية : " مشروع الهلال الخصيب : دراسة في العلاقات الداخلية العربية ( 1951 ) " و " ضباط الجيش ودورهم في سياسة الشرق الأوسط ( 1955 ) " . وقد أسهم مع مؤرخين آخرين في اصدار وتحرير بعض الكتب ومن ذلك بحثه عن: " دور الجيش في السياسة العراقية " ضمن كتاب س . ن . فشر " الجيش في الشرق الأوسط " . كما كتب خدوري عدداً من المواد في دائرة المعارف البريطانية ودائرة المعارف الاسلامية ودائرة معارف الدين وقاموس العصور الوسطى ودائرة معارف القانون الدولي ودارت هذه المواد حول " الجهاد " ، " حلف بغداد " ، " المصلحة " ، " القانون الدولي الاسلامي " ، " الموصل " ، " ملكية الأراضي في الاسلام " ، " الشافعي " .

      ان خدوري يجهد نفسه من خلال كتبه وبحوثه في التحري عن المقاييس الموضوعية والقيم والتأثير ( مثالية ) ، ويحاول بعد ذلك أن يطبق مقاييس كمية
( واقعية ) ويميل إلى المدرسة التعددية في التفسير التاريخي . ويهتم خدوري بما يسمى بـ ( التاريخ الجديد ) ، وهو الذي يراد منه أن يعالج التطورات الاجتماعية والحضارية والسياسية والاقتصادية . ويرى خدوري أنه لا توجد فواصل بين التاريخ والسياسة والاجتماع وقبول تقسيمات اصطنعها العلماء لغرض تسهيل الدراسة .. وأن الحياة ، بتشابك احداثها وتعقدها ، ولا يمكن أن تفسر بعامل واحد . ويعتمد خدوري في تأليف كتبه على مبدأ إجراء المقابلات الشخصية مع الذين كان لهم دور في الأحداث السياسية    لا بقصد التدقيق في ما هو منشور أو معروف ، وإنما التحقيق في النشاطات المغلقة أو السرية التي لا توجد قيوداً وسجلات تتحدث عنها .

      ومجيد خدوري ، كان خلال نصف القرن الماضي ، مساهماً جاداً في دراسة الشرق الأوسط الحديث . لذلك احتلت كتاباته عن الشريعة الاسلامية ، والفكر العربي ، والشخصيات العربية ، والعراق المعاصر ، مكانةً متقدمةً خلال هذه الفترة .

      وبالرغم من أن كتاباته ، تعود إلى أوقات مختلفة وانها كتبت في أماكن عديدة ، إلاّ أن هناك ( وحدة طبيعية ) تجمع هذه الكتابات ، فهي تتناول : التاريخ العربي ، والشريعة الاسلامية ، ونظريات الحكم،والعلاقة بين مؤسسات الدولة ، والعلاقات الدولية والتاريخ الفكري للعرب وأثره في تاريخهم السياسي .

      ويعد خدوري نفسه عنصراً موازناً بين وجهتي النظر العربية والغربية ، فلقد وجد في الغرب أفكار ووسائل تؤثر في حضارته العربية الاسلامية ، وهو في هذا لا يختلف عن زملائه ، وخاصةً من أبناء جيله الذين درسوا في الجامعة الأميركية ببيروت وتأثروا بأجواء الوعي القومي التي سادت فيها خلال الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي ، ومن هنا فإن خدوري شأن هؤلاء ، أظهر حماساً للإتجاه القومي العربي ، وعمل من أجل هذا الإتجاه سواء في بيروت أو في بغداد عندما أصبح عضواً في جمعيات قومية ذات واجهة ثقافية مثل نادي القلم البغدادي ، وقد قاده هذا إلى أن يصبح معارضاً للانتداب البريطاني على العراق ، وكان اهتمامه بمسائل القانون الدولي ، والمؤسسات الدستورية ، والمجتمع السياسي، بتأثير من معارضته تلك ولرغبته الجامحة في فهم هذه الموضوعات ومعرفة أبعادها وسبل انقاذ بلده من وهدة الخضوع لبريطانيا، ولهذا فإن مجيد خدوري يبدو في نظر بعض النقاد أنه كان في كتبه " معلماً " أكثر مما كان " كاتباً " ومهما يكن من أمر فإن مجيد خدوري قد خدم بلـده وأمته بطريقة تجعله يحتل موضع تقدير وإعجاب الكثير من مواطنيه .

المؤرخ محمد أمين زكي (1880 ـ 1948)

        من المؤرخين  العراقيين الكورد ، لم يتلق تدريبا على مهنة كتابة التاريخ والبحث فيه ، كان رجلا عسكريا ، لكنه اهتم بالتاريخ والدراسات التاريخية ، وألف ، وكتب ، وحاضر  في عديد من موضوعات التاريخ . وخاصة المتعلقة منها بتاريخ الكورد وكوردستان .. لقد كان مؤرخا هاويا شأنه في ذلك شأن الكثيرين من المؤرخين العراقيين الرواد امثال : عباس العزاوي ، وعبد الرزاق الحسني ، ومحمد أمين العمري ، وسليمان الصائغ ، واحمد علي الصوفي ، واحمد عزت الأعظمي والشيخ فريق مزهر الفرعون ، وحامد علي البازي .

      ولد محمد امين زكي بن عبد الرحمن بن محمود سنة 1880 في محلة (كويزة) التي تقع في مدينة السليمانية . وقد أدخله والده الكتاب ، حيث قرأ القرآن الكريم وحفظ ، آياته وسوره ، وفي سنة 1892 ، التحق بالمدرسة الابتدائية الرسمية التي كانت قد افتتحت في السليمانية آنذاك ، وأمضى فيها عاما وحدا ، انتقل بعدها إلى (المدرسة الرشدية العسكرية) التي تأسست في مدينة السليمانية لتخريج الضباط . وفي سنة 1896 ، دخل الاعدادية العسكرية في بغداد وبعد تخرجه فيها تم قبوله في المدرسة الحربية في استانبول ، وبعد تخرجه سنة 1902 ، انضم إلى واحدة من الفرق العسكرية للجيش العثماني السادس ( التنجي اوردو) . وكانت بغداد مقره آنذاك . ادخل مدرسة الاركان العثمانية وتخرج فيها برتبة رئيس ( رائد ركن) .

       كتب عنه صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في جريدة الزوراء ( البغدادية) (العدد الصادر يوم 20 تموز /يوليو 2000) . كما كتب عنه الأستاذ عمر إبراهيم عزيز في جريدة العراق (العد الصادر في 20 تموز/يوليو 1995) لمناسبة مرور (47) سنة على وفاته .   وكتب عنه الدكتور حسن كريم الجاف دراسة قيمة في مجلة المؤرخ العربي (العدد 56 الصادر سنة 1998) ، وركزت الكتابات على دوره كعسكري ، وكمؤرخ ، وكمفكر كردي كبير ، كانت له نشاطات متميزة على صعيد التاريخ للكورد عبر العصور .

       الذي يهمنا في مجال التعرف على سيرته الذاتية أن محمد أمين زكي عمل من خلال كونه ضابطا متخصصا بالهندسة العسكرية عضوا في لجنة تأسست في استانبول سنة 1907 ، تهتم بإعداد الخرائط ، لهذا تم اختياره بعد سنة عضوا في لجنة تحديد الحدود بين الدولة العثمانية وبلغارستان( بلغاريا) ، وكذلك في لجنة تحديد الحدود بين الدولة العثمانية وروسيا القيصرية ، . وعندما اندلعت حروب البلقان 1912 ـ 1913 ، اوفد إلى فرنسا مع عدد من الضباط في الجيش العثماني للتدريب . وقد رفع الى رتبة مقدم ركن ، وارسل في ايلول / سبتمبر من سنة 1915 ، ليلتحق بقيادة أركان الجيش العثماني المرابط في العراق ، وقد شارك في معارك الكوت المعروفة ، وبعد ذلك عين مديرا لشعبة الاستخبارات العسكرية ، وفي أعقاب الاحتلال البريطاني لبغداد في 11/آذار /مارس 1917 ، انسحب محمد أمين زكي مع قطعات الجيش العثماني إلى مدينة الموصل . ومنها عاد إلى استانبول ، ونظرا للصداقة التي كانت تربطه مع مصطفى كمال ، فقد اختاره ليكون معاونا لرئيس أركان الجيش السابع المرابط في استنبول . وقد اشترك في كل المعارك التي خاضها العثمانيون في جبهات فلسطين وقفقاسيا . وفي اواخر سنة 1918 نقل إلى شعبة هيئة تدوين التاريخ العسكري في وزارة الدفاع التركية ، وأتيحت له الفرصة لتدريس مادة تاريخ الحرب في كلية الأركان في استانبول . وبعد تأسيس الدولة العراقية الحديثة سنة 1920 ، عاد إلى العراق فعين أستاذا في المدرسة العسكرية وآمرا للكلية العسكرية وبقى كذلك حتى سنة 1925 ، حين ترك الخدمة في الجيش ، وانخرط في العمل السياسي ، وانتخب نائبا عن مدينة السليمانية في مجلس النواب العراقي لأكثر من مرة ، وفي 14 تشرين الأول 1925 عين وزيرا للأشغال والمواصلات في وزارة السيد عبد المحسن السعدون الثانية ( 26 حزيران 1925 ـ 1 تشرين الثاني 1926) ثم وزيرا للأشغال والمواصلات في وزارة الفريق جعفر العسكري الثانية (21 تشرين الثاني 1926ـ 8 كانون الثاني 1928 ) وفي 28 نيسان / مايو 1929 أصبح وزيرا للدفاع في وزارة توفيق السويدي (28 نيسان 1929 ـ 25 آب 1929) وبين 1929 و1942 تسنم وزارات عديدة في بغداد ، وكسب سمعة طيبة لما كان يتمتع به من كفاءة ، ونزاهة ، وحب وإخلاص للوطن ، ودور متميز في تعزيز التلاحم الأخوي المصيري بين مكونات الشعب العراقي المختلفة . في 9 شباط /فبراير 1942 أحال نفسه على التقاعد لاعتلال صحته . وفي 10 تموز/يوليو 1948 توفي رحمه الله عن عمر ناهز ال (68) عاما ، وقد دفن في مقبرة (كردي سيوان) بمدينة السليمانية وبجوار قبر احد القادة العسكريين الكورد المعروفين .

        ترك محمد امين زكي مؤلفات كثيرة باللغات التركية والكردية والعربية ، فضلا عن دراسات وبحوث متميزة ، ومما ساعده على ذلك إتقانه لغات عديدة منها الفرنسية والإنكليزية والفارسية إضافة إلى اللغات الثلاث التي اشرنا إليها آنفا . كان باحثا مدققا غايته الوصول إلى الحقيقة ولم يكن يبخل على نفسه عندما يريد أن يحوز وثيقة أو كتابا . كما كان يتردد باستمرار على المكتبات الخاصة والعامة .

       يقول في مقدمة كتابه (( مشاهير الكورد  وكوردستان)) ((ولا اخفي على القاريء الكريم أن لي مزاجا يبدو غريبا في التأليف ، فاني أود أن يكون الموضوع الذي اكتبه صعبا معقدا بحيث يدفعني إكماله إلى زيارة المكتبات الخاصة والعامة لمراجعة مئات الوثائق والمستندات ....)) .

           من كتبه المنشورة (بغداد وصوك حادثة صنياعي) 1338هـ (1919) أي حادثة سقوط بغداد وباللغة التركية ، وكتاب (عراق سفري) 1336هـ (1917) أي حرب العراق باللغة التركية ، وتاريخ الدول والإمارات الكردية في العصر الإسلامي (باللغة الكردية) وهو الجزء الثاني من كتاب (خلاصة تاريخ الكورد وكوردستان) ونقله إلى العربية محمد علي عوني (طبع في القاهرة سنة 1945) ، وكتاب (تاريخ السليمانية وأنحائها ) ونشر ببغداد سنة 1951 وكتاب ( مشاهير الكورد  وكوردستان في الدور الإسلامي) جزءان ونقلتهما إلى العربية ابنته الدكتورة سانحة أمين زكي ، طبع الجزء الأول في القاهرة سنة 1945 والثاني بالقاهرة سنة 1947 .

         ليس من السهولة رصد كل نتاجات المؤرخ محمد زكي أمين لتنوعها ، واختلاف موضوعاتها وتعدد محاورها .. ألف في التاريخ العسكري ، وكتب عن السير والشخصيات ، وتناول التاريخ المحلي (البلداني) .. وقد كان شاعرا وأديبا .. نشر بعضا من قصائده  وخاصة في مجلة (كه لاويز) الكوردية المعروفة . يقول الأستاذ عمر إبراهيم عزيز في المقالة التي اشرنا إليها آنفا : ((لولا تفرغ محمد أمين زكي للتاريخ والتاريخ الكوردي على الأخص لكان في مقدمة الأدباء لما اتصف به من لطف العاطفة ، ورقة التعبير ، وسمو الخيال)) . وفيما يتعلق بمنهجه التاريخي ، فلقد كان رحمه الله حريصا على الالتزام بالموضوعية ، والحياد ، والابتعاد عن المبالغة .. كان أمينا وصادقا وممحصا .. يحترم آراء غيره .. وقد أحبه الناس كافة لسجاياه النادرة وكثيرا ما استشاره زملائه من السياسيين والعسكريين والمثقفين عموما وكان مجلسه عامرا يغص بالفضلاء من العرب والكورد ممن يرغبون بنهل المعارف والعلوم وكان يمتاز بطيبته وبالابتسامة التي لاتفارقه .

        كان محمد امين زكي يعد من ابرز الباحثين العراقيين المعاصرين الذين اهتموا بالتاريخ الكوردي عبر عصوره المختلفة .. فهو أول من كتب بلغة الكورد عن اصل الشعب الكوردي ، وموطنه ، وكتابه (خلاصة تاريخ الكورد  وكوردستان) كان النواة الأولى التي اعتمد عليها المؤرخون في تدوين تاريخ الشعب الكوردي بعد كتاب الشرفنامة للأمير شرف خان البدليسي الذي كتبه بالفارسية عن تاريخ الكورد . أما كتابه ( مشاهير الكورد وكوردستان) فقد جمع فيه سيرة عدد كبير من العلماء والشعراء والأدباء الكورد الذين خدموا الحضارة العربية والإسلامية .

           ولمحمد أمين مؤلفات مخطوطة منها ذكرياته عن بعض تجاربه وسني حياته منها ( دفتري خاطراتم) وهي مذكرات تتألف من أربعة دفاتر .. نأمل في أن ترى النور قريبا لأهميتها ..

          كان محمد أمين زكي أديبا ، ومؤرخا ، وعسكريا ، وسياسيا ، وشاعرا ، والاهم من ذلك كله كان إنسانا ، أحب وطنه العراق وخدم بني جنسه الكورد بكل إخلاص ومحبة ، ولم يقعده المرض عن الدرس والتحصيل لذلك فهو يحتل في قلوب العراقيين عامة والكورد خاصة مكانة كبيرة ، وحين يتوارد اسمه على الخاطر ، أو يذكر اسمه في مجلس فأن أول ما يقال عنه انه كان بحق ( أبو التاريخ الكوردي ) .   

       المؤرخ محمد توفيق حسين 1922 _1998

  من أعلام المؤرخين العراقيين المعاصرين ،عرف ليس في العراق وحسب بل في الوطن العربي كله

.ولد في الموصل سنة 1922 ،وكان والده توفيق ال حسين أفغان (اغوان )كاتبا وشاعرا ،عمل في

الحركة العربية القومية واسهم مع زملائه محمد سعيد الجليلي ومحمود الملاح آل زيادة

والشيخ قاسم الشعار في تأليف كتاب ( الأناشيد الموصلية للمدارس العربية ) سنة 1914 بهدف

إذكاء نار الحماسة في أفئدة النشى العربي خلال العهد العثماني والتشجيع على أحياء

كيانهم السياسي ولغتهم القومية ومواجهة التسلط العثماني .

  عاش محمد توفيق حسين في أجواء مدينة الموصل العلمية ،فتخرج من مدرستها الثانوية سنة1939

،أرسل ضمن البعثة العراقية الى الجامعة الأميركية ببيروت وحصل على شهادة البكالوريوس في

التاريخ سنة 1943 ،وعاد الى العراق وعين مدرسا في كلية الملك فيصل أرسل ثانية لاكمال

دراسته في جامعة اكسفورد البريطانية ،وحصل على شهادة الماجستير وكان مشرفه المستشرق

البريطاني هملتون جب GIBB

  عاد الى العراق واصبح مدرسا في قسم التاريخ في كلية الآداب _جامعة بغداد .و عمل كأستاذ

زائر في الجامعة الأميركية في بيروت عشر سنوات قبيل ثورة 14 تموز 1958 وبعد الثورة بسنة

شغل منصب مدير عام الصحافة في وزارة الثقافة والإرشاد كما كانت تسمى آنذاك ،لكنه اثر

العودة الى التدريس وظل حتى وفاته رجمه الله أستاذا للتاريخ الإسلامي والحضارة العربية

في كلية الآداب _جامعة بغداد .

  اسهم محمد توفيق حسين في مشاريع علمية تاريخية عديدة ،ولعل من أبرزها الكتاب الذي أصدره

بالتعاون مع الأستاذ الدكتور نبيه أمين فارس والموسوم : "هذا العالم العربي "وطبع

ببيروت سنة 1958 ويتناول دراسة شاملة لعوامل التقدم والتأخر والوحدة والتجزئة في الوطن

العربي .كما اصدر مع نخبة من المؤرخين العرب كتابا متميزا بعنوان : "ماساهم به المؤرخين

العرب في المائة الأخيرة في دراسة التاريخ "وطبع ببيروت ونشرته الجامعة الأميركية هناك

سنة 1959 .

  وفي السنة ذاتها نشر محمد توفيق حسين كتابين مهمين لا يزالان يمثلان مرجعين مهمين من

مراجع تاريخ العراق المعاصر هما : "نهاية الإقطاع في العراق " ،و "عندما يثور العراق "

.وقد عبر من خلال هذين الكتابين عن وجهة نظره في أحداث العراق السياسية أبان العهد

الملكي 1921 _1958 .ولعل ابرز ما يميز وجهة النظر هذه ،أنها كانت "وطنية " ،و "قومية "

و "تقدمية " .

  اهتم محمد توفيق حسين بالتاريخ للحضارة العربية والإسلامية وكتب في فلسفة التاريخ وركز

على فلسفة العصور الوسطى ،وقد ترجم كتبا عديدة في هذا الميدان منها على سبيل المثال

"نماذج بشرية في العصور الوسطى "

  و "الفلسفة الإسلامية " .وحقق كتاب "المقابسات "لابي حيان التوحيدي ونشره ببغداد سنة

1970 .وله مقالات عديدة ودراسات وبحوث منشورة في مجلات عراقية وعربية وأجنبية ،أخر

مؤلفاته : "نظرة على تاريخ العرب والمسلمين في القرن الرابع الهجري :العاشر الميلادي " .

كان محمد توفيق حسين يقول لنا بأنه يفخر بان له طلابه الذين انشغل بأعدادهم وتزويدهم

بما يساعدهم على إتقان صنعة البحث ومهنة التدريس وكان يوصينا بان نهتم بالتوثيق وجمع

مادة تكفي لثلاثة اطروحات وليس لأطروحة واحدة لن ذلك سيفيدنا في قابل أيامنا عندما

نتخرج ونعمل أساتذة .

  اشرف على رسائل واطروحات كثيرة ومنهجه يتسم بالدقة والرصانة والموضوعية (الرانكوية

)نسبة الى ليبولد رانكة المؤرخ الالماني المعروف والذي يؤكد بان مهمة المؤرخ هي إعادة

تشكيل الحدث كما وقع بالضبط ) .كان محمد توفيق حسين يحرص على تحري الصدق واكتشاف

الحقيقة وهذا هو ديدن المؤرخين العراقيين المعاصرين .

  اما اسلبه فيتميز بالوضوح والروعة في تقديم المادة التاريخية .ومم يلحظ عليه اهتمامه

بحركة التاريخ البشري عموما ،فالتاريخ لديه "عملية متواصلة ولا يمكن فهم أي حقبة

تاريخية ،الا بمعرفة الحقبة التي تسبقها .ومن ارائه : "ان تاريخ العراق لايمكن ان يفهم

،ولا ان تقوم منجزات حضارته تقويما سليما إلا في إطار التاريخ الإنساني العام " .وان

"التاريخ الإنساني تاريخ علاقات وإنجازات ،وان العلاقات الإنسانية متنوعة ،معقدة

،متشابكة …وفي حركة دائمة …قد تكون بطيئة كما كان الحال في التاريخ القديم والوسيط ،وقد

تكون مذهلة السرعة ،كما الحال في عصرنا الراهن .توفي في مطلع شباط /فبراير ببغداد سنة

1998 رحمه الله فقد كان مؤرخ متميزا ومربيا فاضلا وانسانا نبيلا .

المؤرخ الدكتور محمد صالح القزاز 1928 ـ1979

         الدكتور محمد صالح القزاز، رحمه الله ، من المؤرخين الذين  كانت المدرسة التاريخية العراقية والعربية تنتظر منهم المزيد ، لكن الموت سرعان ما اخترم الرجل وهو في عز نشاطه الاكاديمي . توفي في حادث سيارة ، فافتقده زملاءه واصدقاءه وتلاميذه لانه كان باحثا متمكنا، واستاذا ملتزما بالصدق ومعروفا بالتقوى والاستقامة .. وقد رأيته في قسم التاريخ بكلية الاداب بجامعة بغداد يحظى باحترام الجميع ومحبتهم .

   ومن حسن الحظ ان احد زملائه وهو الاستاذ الدكتور بدري محمد فهد ، قد كتب عنه دراسة جيدة في مجلة المؤرخ العربي ( العدد56،1998) وفيها تحدث عن ولادته ونشأته ومؤلفاته ووقف عند رسالته للماجستير واطروحته للدكتوراه ليقول انه لم ينشر غيرهما ،باستثناء بعض المقالات في الصحف والمجلات، لان الزمن لم يمهله .

    ولد الدكتور محمد صالح القزاز في مدينة الموصل سنة 1928 واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية فيها ثم دخل( كلية الاداب والعلوم) بجامعة بغداد وتخرج فيها  سنة 1953 . وقد عمل بعد تخرجه مدرسا في المدارس الثانوية ، في السليمانية وكربلاء والنجف الاشرف وسامراء وبغداد . وفي سنة 1962 حصل من وزارة المعارف على اجازة دراسية للحصول على الماجستير خارج العراق فسافر الى مصر والتحق بجامعة القاهرة وقد نال الماجستير سنة 1965 . وقد وافقت وزارة التربية على تمديده للاجازة الدراسية. وبعد ثلاث سنوات حصل من جامعة عين شمس على الدكتوراه، وبعد عودته الى بغداد نقل خدماته الى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وعين مدرسا بكلية الاداب ـ جامعة بغداد في شهر تشرين الثاني 1968، واستمر في الكلية ذاتها حتى توفي يوم 19 تموز سنة 1979 .

   كانت رسالته للماجستير بعنوان (الحياة السياسية في العراق في العصر العباسي الاخير 512 ـ656هـ )، وقد طبعت في مطبعة القضاء بالنجف الاشرف سنة 1971 وكانت باشراف الاستاذ الدكتور احمد حسـن محمود .

  أما اطروحته للدكتوراه فكانت مكملة لرسالته للماجستير وحملت عنوانا هو  (الحياة السياسية في العراق في عهد السيطرة المغولية) ، وقد طبعت في النجف الاشرف وفي المطبعة ذاتها سنة 1970 .. واشرف على اطروحته للدكتوراه المشرف نفسه الذي أشرف على رسالته للماجستير

   لقد جاءت انجازات الدكتور القزاز العلمية وخاصة في رسالته للماجستير واطروحته للدكتوراه منسجمة مع توجه جديد قاده الاستاذ الدكتور جعفر خصباك في قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد واستهدف تقصي الحقائق حول وضع العراق في الفترة التي سبقت الغزو المغولي والفترة التي اعقبت الغزو .. لذلك وقف عند حالة انتعاش الخلافة العباسية قبيل الغزو والتي تمثلت بمحاولة البحث في مسألة نهضة الخلافة، واعادة بناء الجيش، واصلاح الوضع الاقتصادي، وكسب الرأي العام، والتحالف مع امراء الاطراف ، لكن ذلك جاء بعد فوات الاوان ، لاسباب عديدة يتعلق معظمها بضعف البنية الداخلية للدولة العباسية، وتنامي المعارضة وتفاقم الخلافات بين مراكز القوى ثم جاءت الضربة الخارجية سهلة عندما تمكن المغول من دخول بغداد سنة 656هـ ـ 1258م ليسقطوا الدولة العباسية ..

     وفي اطروحة الدكتوراه ، تابع الدكتور القزاز ظهور المغول واتخاذهم لقرار غزو بغداد ومواقف الامارات الاسلامية سواء في الموصل او اربيل ، من الغزو ولم يكتف الدكتور القزاز بذلك بل تعرض بالتفصيل لانظمة الحكم المغولية الايلخانية وتشكيلاتهم ونظمهم ومواقفهم من طوائف الشعب والامارات الداخلية وعلاقاتهم مع المماليك والاوربيين .. ويقول الاستاذ الدكتور بدري محمد فهد ان جهد الدكتور القزاز رحمه الله، يتجلى في قدرته على تتبع أمر  المغول في امتدادهم من الصين الى الشام عبر العراق غزاة ثم حكاما للبلاد العربية والاسلاميةوخاصة بعد اعتناقهم الاسلام وتفانيهم في خدمة الحضارة العربية الاسلامية  .. وقد عد القزاز واحدا من رواد المؤرخين المهتمين بهذا اللون من الدراسات التاريخية لاسيما وانه انتهج في بحثه منهجا علميا موضوعيا ، فلقد كان همه بعد رجوعه الى المصادر والمراجع ، اعادة كتابة الحدث التاريخي كما وقع من هنا استحق الدكتور القزاز كل تقدير واحترام ويقينا ان كتاباته تشكل اليوم قيمة كبيرة  لمن يروم دراسة هذه المرحلة المظلمة من تاريخنا الاسلامي الحديث . 

المؤرخ الدكتور محمد عطا الله (1945-2007 )

       مع انه كان قد شغل الناس بمتابعة نشاطاته التاريخية، والأدبية ، والتربوية، طيلة الأربعين سنة الماضية، إلا انه رحل بصمت، وللأسف لم تتوفر لنا الفرصة للكتابة عنه أو التذكير به، بسبب الظروف الصعبة التي مر بها العراق ولا يزال، لكن الأمر ينبغي إن لا يظل هكذا، فرجل مثل الدكتور محمد عطا الله محمد سعيد لايمكن إن ينسى .. ويقيناً إن الأستاذ الدكتور عمر محمد الطالب قد سعى لإنصافه حين كتب عنه في موسوعته:( موسوعة أعلام الموصل في القرن العشرين) ،والتي أصدرها مركز دراسات الموصل سنة 2008 بضع صفحات،ومما يحمد عليه الطالب، رحمه الله، أنه وقف قليلاً عند إنتاجه القصصي المتمثل بمجاميعه  التي نشرها، وكذلك برواياته التي أحدثت صدى كبيراً في حينه.

        ولد محمد عطا الله في مدينة الموصل سنة 1945، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية في مدارسها " وقد جايلته ، فهو وانأ من مواليد السنة 1945، وقد سافرنا إلى بغداد لنلتحق بكلية التربية وبقسم التاريخ بالذات.. وقد تخرج محمد عطا الله بدرجة الشرف سنة 1969، وعاد إلى الموصل ليعمل مدرسا في إحدى المدارس المتوسطة، وقد اختير ليكون معاونا للمدير العام للتربية في محافظة نينوى ثم مديراَ لمحو الأمية بعد ذلك .. ولم يقف عند هذا الحد بل أصر على إكمال دراسته، فنال الماجستير من قسم التاريخ كلية الآداب –جامعة بغداد عن رسالته الموسومة: (( مقاصد المؤرخين المسلمين من كتاب السير والتراجم في القرنين الثاني والثالث الهجريين، والثامن والتاسع الميلاديين ))في سنة 1996 .كما حصل على الدكتوراه من قسم التاريخ بكلية الآداب- جامعة الموصل وبأشراف الأستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح في أيلول من سنة 2002 .

      عرفته شخصيا ، باحثا، ومؤرخا، وقرأت له بعض الدراسات في عدد من المجلات الثقافية ومنها  مجلة أفاق عربية، وأتذكر إنني ناقشته في بعض ما ورد فيها وكانت حول موضوعين اثنين هما: النظرية الدينية في كتابة التاريخ ،ونظرية الرجل العظيم في تفسير التاريخ.

      تابعه الأستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك في كتابه :"معجم المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000" والذي نشره بيت  الحكمة ببغداد سنة 2002 ورصد بعض نتاجاته  ومنها:

1.       سبع أغنيات لتموز  (تقديم ) الموصل، 1978

2.       الطواف حول مملكة الحكم،قصص قصيرة، مكتبة المنتدى العربي، الموصل 1986

3.       الغرانيق (قصة) ، بغداد، 2000

4.       كلاب سائبة، (مسرحية) بغداد 1994

وذكر عنوان رسالته للماجستير كما أشار إلى بحثه الموسوم: (( مقاصد المؤرخين المسلمين من كتاب السير والتراجم في القرنين الثاني والثالث الهجريين، والثامن والتاسع الميلاديين)) ، المنشور في مجلة المورد، المجلة 27، العدد (1) 1999.

    كما حرص الأستاذ محمد عطا الله إن يذكر في كل عمل نشره جانباً من نشاطاته، وكثيرا ما كان يبوب ذلك، فعلى صعيد إنتاجه المسرحي أشار إلى عدد من الأعمال  هي على التوالي:

1.       مسرحية "ابن سراب يبدأ من نقطة معلومة" إخراج الفنان على إحسان الجراح، الموصل، 1975 (مخطوطة)

2.       مسرحية "حكماء الملك زرزور " إخراج الفنان صبحي صبري ، الموصل، 1976، (مخطوطة)

3.   مسرحية "المؤلف والبطل" إخراج الفنان شفاء العمري، جامعة الموصل، 1976، أخرجت في جامعة صلاح الدين بعد ترجمتها إلى اللغة الكردية 1986  ونشرتها جريدة القادسية، 1981 كما نشرتها مجلة الفنون (الأردنية) ، العدد 219، آب 1994.

4.   مسرحية "مشاهد من كوميديا الآيات الكاذبة"، إخراج الفنان راكان العلاف، الموصل، 1981، أخرجت في محافظة ديالى ، نقابة الفنانين 1981، نشرت في جريدة القادسية 1981.

5.       مسرحية " إمبراطور للبيع" إخراج الفنان محمد نوري طبو، الموصل، 1986، (مخطوطة).

6.       مسرحية "كلاب سائبة" نشرت في كتاب أصدرته  دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد، 1994.

7.   مسرحية" فضيحة اضطهاد الدجاج الأمريكي"، نشرت في كتاب صدر عن دائرة الشؤون الثقافية العامة، بغداد 2000، أخرجها الفنان سامي عبد الحميد.

    أما في مجال القصة فقد أشار إلى مجموعته الموسومة:" الطواف حول مملكة الحكم" وقال بأنها نشرت من قبل دار ابن الأثير للطباعة والنشر-جامعة الموصل سنة 1984.. وخلال السنوات 1988-1990 نشر مجموعة قصصية بعنوان: "رسائل الليل"، وتتألف من 20 قصة كتب معظمها في اسبانيا وظهرت منجمة في عدد من الصحف والمجلات العراقية والأردنية . ثم جمعت في كتاب كما ظهرت له عن طريق دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 2001مجموعة قصصية بعنوان:" طيور الحب والحرب" وفي  سنة 2004، صدرت له مجموعة قصصية بعنوان:"قطة وثلاثة بيوت".

    كانت للدكتور محمد عطا الله  دراسات وبحوث نشرت في عدد من المجلات، هذا فضلا عن عدد كبير من المقالات التي ظهرت في الصحف اليومية العراقية والعربية .. ومن دراساته  التي نشرت في المجلات:

1.دراسة في (6) حلقات عن "الماسونية" نشرت في مجلة التربية الإسلامية، بغداد 1964-1965.

2. فلسفة التاريخ عند(غوستاف ) لوبون ، نشرت في مجلة الأقلام (العراقية) تشرين الأول 1967 .

3. النظرة الإسلامية إلى التاريخ، نشرت في مجلة الوعي الإسلامي (الكويتية) العدد (96) ، يناير/ كانون الثاني 1973.

4. الوعي التاريخي، دراسة نشرت في مجلة النبراس، التي كانت تصدرها المديرية العامة للتربية في محافظة نينوى، 1975.

5. النظرية الدينية إلى التاريخ، دراسة نشرت في مجلة آفاق عربية، بغداد، العدد(5)، السنة 1976.

6. نظرية الرجل العظيم في تفسير التاريخ، دراسة نشرت في مجلة (الجامعة) كانت جامعة الموصل تصدرها، آذار 1976.

        لم يكن الدكتور محمد عطا الله، من المثقفين المنزوين في أبراج عاجية، بل كان يعمل وسط الناس ويجد لذة في ذلك ، فلقد كنت أراه يتفقد يوميا مدارس محو ألامية ، حينما عمل مديرا لمحو ألامية في الموصل.. كما اعتاد الجلوس في المقاهي الأدبية مع زملائه من الأدباء والكتاب والشعراء وأساتذة الجامعة .. وقد انتخب ليكون عضوا في المجلس الوطني (مجلس النواب) ممثلاً عن محافظة نينوى مع عدد من زملائه وللدورة عام 2000. كما كان عضوا نشيطا ومؤسسا في الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق ،وفي جمعية المؤرخين العرب،وفي اتحاد المؤرخين العرب ، وفي نقابة المعلمين، وقد كرم مرات عديدة كان منها حصوله على وسام الإبداع من محافظة نينوى يوم 18 كانون الثاني 2000 لمناسبة يوم العلم . وقد روى لي الصديق الأستاذ ثامر معيوف مدير إعلام جامعة الموصل إن الدكتور محمد عطا الله كان يتحمس لكل نشاط تقيمه مديرية الثقافة الجماهيرية في الموصل أواسط السبعينات من القرن الماضي وذكر على سبيل المثال مشاركته لزميليه سالم العزاوي وثامر معيوف  .

كانت رؤية الدكتور محمد عطا الله للتاريخ ترتكز على إن المؤرخين العرب، وخاصة الرواد منهم، استمدوا مناهجهم من مناشئ عديدة ، ومع إن أساليبهم  متعددة ، إلا أنهم اتفقوا على إعطاء الإحداث الماضية وصفاً شاملاً استهدف قبل أي شئ تحويل هذه الإحداث من كم مهمل إلى حالة فيها من الحركة والديناميكية الشئ الكثير ، ومن هنا تأتي أهمية دراسة التاريخ وروايته للناس الإحياء وبما يساعدهم على معرفة ماصنعه إسلافهم.. كان يؤمن مع ادوارد كار صاحب كتاب ما هو التاريخ ؟ بان التاريخ هو حوار متصل بين  المؤرخ ووقائعه، فالوقائع لاتساوي شيئاً بدون مؤرخ والمؤرخ لايستطيع إن يقول شيئا في حالة غياب الوقائع.

وبسبب اهتماماته الأدبية ، فقد ربط في رسالته للماجستير وأطروحته للدكتوراه بين الأدب والتاريخ ويقينا انه ، مثلي ،وقد تخرج من قسم الشرف بكلية التربية / جامعة بغداد أواسط الستينات من القرن الماضي تلقى كما تلقيت أنا  تدريبا منهجيا في أصول التاريخ على يد المؤرخ العراقي المبدع زكي صالح رحمه الله والذي كان يوجهنا لقراءة كتاب ايمري نف " المؤرخون وروح الشعر " كان الدكتور محمد عطا الله يقول " وكما انه لايمكن إبداع رواية أدبية بارعة من دون خيال يعبر بأسلوب أدبي ، كذلك لايمكن كتابه تاريخ من دون منهج يبتكره المؤرخ أو يقلد فيه من سبقوه "

لن ادخل في تفاصيل إبداع محمد عطا الله الأدبي قصة ورواية ومسرحية ، فذلك يحتاج إلى جهد خاص وقد يتفرغ لذلك أحد طلبته، لكن لابد من القول إن محمد عطا الله عشق التجديد و آمن بنظرية التقدم ولم يتوقف عن الحلم كان يحلم ببلد جميل يلبي طموحاته كانسان ، يأخذ فيه الإنسان حقه من الحياة والرفاهية  والثقافة والعلم لذلك سخر من المؤسسات القائمة المتهرئة والنظم الاجتماعية البالية في كثير من مجاميعه  القصصية ، ولم يكن صديقنا  الأستاذ الدكتور نجمان ياسين مغاليا عند تقويمه لواحد من نتاجات محمد عطا الله وهو مجموعته القصصية الموسومة "رسائل الليل" التي نشرها اتحاد الكتاب العرب بدمشق سنة 2001، إذ قال :" كل كاتب حقيقي يجلب معه قواعده الخاصة، وهانحن أمام  كاتب لن نبذل جهدا كبيرا لندرك انه موهوب، وانه نسيج نفسه، كاتب جريح يشدو مثل بلبل مقطوع العنق، لايكف عن الغناء.." " يسكب عسل الطمأنينة في نفوسنا... بقدر ما يشعل الحرائق في الأعماق، وفي أعالي  الجبال ، ليكون الإنسان صقراً يحلق في الأعالي، قريبا من النجوم، بعيداً عن الوديان والسهول التي تشده إلى التراب بقوة..." أن رسائل الليل قبل كل شئ أسلوب أدبي اهتدى إليه محمد عطا الله بدوافع الحب والوفاء لاصدقاءه من الأدباء والشعراء والكتاب والفنانين والأطباء أمثال محمود جنداري، ونجمان ياسين، ومهين الصراف، وعبد المنعم عبد الحميد، أنها أشبه بالمذكرات المروية بطريقة قصصية تستند إلى وقائع حياتيه حيه.

رحمك الله يا أبا سفانه  وغفر لك، فلقد ظللت ، وأنت تعيش حياتك المليئة بلحظات الفرح والتعاسة والحكمة والغضب والشجاعة والخوف ، تحلم وتناضل من أجل أقامة مملكة الحلم حيث الحب والصدق والألفة والمودة.  

 

المؤرخ الدكتور محمد محمد صالح

          مؤرخ ، واستاذ جامعي متخصص بالتاريخ الحديث ، عرفته منذ ان كنت طالبا في كلية التربية ، جامعة بغداد اوائل الستينات من القرن الماضي ، ودرسني مادة ( المؤرخون الاوربيون في القرن التاسع عشر ) في مرحلة الماجستير اوائل السبعينات .. ولد في مدينة السليمانية بكردستان العراق سنة 1925 وكان ابوه نائبا في مجلس النواب العراقي ( البرلمان) ايام الحكم الملكي (1921 ـ1958) ، واكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والاعدادية في السليمانية ، ثم دخل كلية الاداب بجامعة بغداد ليحصل على شهادة البكالوريوس في التاريخ بدرجة شرف ، ولم يقف عند هذا الحد بل سافر الى الولايات المتحدة الامريكية ، ضمن بعثة علمية  ، وقد حصل على شهادة الدكتوراه من جامعة شيكاغو سنة 1957 .

     عاد الى الوطن ، وعين مدرسا لمادة التاريخ الاوربي الحديث في قسم التاريخ بكلية التربية ، وللسنوات الواقعة بين 1958 و1968 ..

    صدر مرسوم جمهوري بتعيينه رئيسا لجامعة السليمانية سنة 1970 وبقي كذلك حتى سنة 1971 ، اذ اعفي من منصبه ، فعاد استاذا للتاريخ الحديث في كلية الاداب بجامعة بغداد . واتذكر انني زرته عندما كان رئيسا لجامعة السليمانية وقد قامت بيني وبينه صداقة علمية حتى انه كلفني في مرات عديدة ان احصل له على بعض الكتب النادرة التي كان يبحث عنها ومنها على سبيل المثال كتاب المؤرخ الموصلي المرحوم الاستاذ عبد المنعم الغلامي الموسوم ((الضحايا الثلاث)) المطبوع بالموصل سنة 1955 ، وسر اهتمامه بهذا الكتاب انه اراد ان يعرف الاسباب الحقيقية لحادثة وقعت في مدينة الموصل سنة 0190 وسميت في حينه ( دقة الشيخ سعيد ) أي حادثة مقتل الشيخ سعيد وقد تطرق اليها الكتاب المذكور بالتفصيل والشيخ سعيد هو الشيخ سعيد البرزنجي في الموصل والذي كان من قادة الحركة الكردية القومية المناوئة لحزب الاتحاد والترقي الذي سيطر على السلطة في الدولة العثمانية اثر انقلاب 23 تموز / يوليو 1908 وخلع السلطان عبد الحميد الثاني 1876 ـ1909 سنة 1909 ، وقد انتهج الاتحاديون سياسة طورانية عملت على تتريك العناصر التي تتألف منها الدولة العثمانية وناوأت العرب والاكراد وحاولت ابعادهم عن العمل من اجل بناء دولتهم القومية ..

    كان الدكتور محمد محمد صالح عضوا في جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين ، ومقرها بغداد ، وقد انتدبته الجمعية مرة لتمثيلها في المؤتمر الدولي للمؤرخين الذي انعقد في سان فرانسيسكو الامريكية سنة 1975 .

      لم يكن الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح ، من الاساتذة المكثرين في التأليف والنشر ، لاسيما في السنوات الاولى من حياته العلمية ، لكني وجدته على قدر كبير من النشاط العلمي في اواخر السبعينات واوائل الثمانينات من القرن الماضي حتى انه ارسل الي ، وانا رئيس لقسم التاريخ بكلية التربية بجامعة الموصل (1980 ـ1995) ، عدة رسائل يدور معظمها حول رغبته في مساعدتي لنشر بعض مؤلفاته في دار ابن الاثير للطباعة والنشر التابعة لجامعة الموصل ، وقد فعلت في حينه ما استطعت وطبعت له في هذه الدار بعض الكتب او اعيد طبع البعض منها  واغلب الظن انه كان يكتب ولا ينشر ، ومعظم كتاباته كانت في اللغة الانكليزية التي كان يتحدث فيها بطلاقة .

   من مؤلفاته المنشورة :

1 . تاريخ اوربا الحديث وطبع في مطبعة شفيق ببغداد سنة 1968 واعيد طبعه في دار ابن الاثير للطباعة والنشر في الموصل عدة مرات وبدون ذكر تاريخ الطبع

2 . تاريخ اوربا من عصر النهضة الى الثورة الفرنسية (بغداد ،1982)

3 . تاريخ اوربا في القرن التاسع عشر (بالاشتراك) ، (1986)

4 . الدول الكبرى بين الحربين العالميتين ، بالاشتراك مع الدكتور ياسين عبد الكريم والدكتور نوري عبد غيث السامرائي (مطبعة جامعة بغداد ، بغداد 985 ) . 

     نشر بحوثا ودراسات عديدة في بعض المجلات الاكاديمية ، كمجلة الجمعية التاريخية العراقية ومجلة المؤرخ العربي ومجلة الاستاذ منها على سبيل المثال :

 1 . ((استعمار افريقيا وتقسيم القارة الافريقية في مؤتمر برلين 1884 ـ1885 بين الدول الكبرى الاوربية )) ، ( مجلة المؤرخ العربي ،1978)

2 . ((التطور الاقتصادي في العراق 1958 ـ968 )) ،(مجلة المؤرخ العربي ، العدد 20 ،1981 )

3 . (( تطور الفكر الديمقراطي في اوربا )) ، مجلة الاستاذ ، تصدرها كلية التربية بجامعة بغداد ، المجلد (14) ، العدد 1 ـ 2 ، بغداد ،1967 ))

4 . تأثير التقدم العلمي على الحركة الفكرية في اوربا )) ، مجلة الاستاذ ، المجلد (15) ـ بغداد ،1968

    كان الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح وفيا لزملائه وخاصة من الذين احتفظ لهم في قلبه والفة شديدين ، لذلك عندما توفي الاستاذ الدكتور جعفر حسين خصباك في التاسع عشر من كانون الثاني سنة 1994 ، ابى الا ان يؤبنه ويكتب عنه مقالة وافية نشرتها مجلة المؤرخ العربي بعنوان ( الدكتور جعفر خصباك 1920 ـ1994 ) وذلك في عددها 56 الصادر سنة 1998 .. ومما قاله انه التقى الدكتور جعفر عندما جاء الى جامعة شيكاغو للحصول على شهادة الدكتوراه وقد حصل عليها في سنة 1952 وكان عنوان اطروحته ((انكلترا والحركة القومية في مصر 1918 ـ1924 )) ، واضاف ((كان المرحوم جعفر مختصا بالتاريخ الاوربي الحديث ، وقد اخذنا بعض المساقات (مواد دراسية) ( في جامعة شيكاغو) سوية كاوربا في القرنين السابع عشر والثامن عشر ، وتاريخ انكلترا الدستوري ، واستغربت لما سمعت انه بعد رجوعه الى بغداد اهتم بدراسة العهد المغولي واعتقد ان ذلك كان بتأثير ( المستشرق كوستاف فون كرونباوم) الاستاذ في المعهد الشرقي بجامعة شيكاغو ، الذي اخذ معه جعفر عدة مساقات ، وكان فون كرونباوم يؤكد على كتابة ارطوحته عن العهد المغولي ، لان احدا لم يكتب عنه ، ومهما كان السبب فان جعفر لم يكتب عن المغول ، ( وهو المتخصص بالتاريخ الاوربي الحديث) الا بعد رجـوعه الى بغداد وقد تأثر فـون كرونباوم بذلك )) .

    ويصل الدكتور محمد محمد صالح الى تقييم اعمـال الدكتور خصباك بقولـه (( كان مؤرخا اصيلا ومحللا دقيقا)) .

     عندما تتلمذت على يد الاستاذ محمد محمد صالح ، شعرت بانه كان متمكنا من التاريخ الاوربي الحديث على الجانب السياسي وحسب ، بل انه كان على اطلاع واسع بالنزعات الفكرية ، واتجاهات حركة الاختراعات وتأثيراتها . وقد يستغرب البعض من ان الدكتور محمد محمد صالح ركز عند تدريسنا مادة التاريخ الاوربي الحديث في الدراسات التاريخية العليا بكلية الاداب ـ جامعة بغداد اواسط السبعينات من القرن الماضي على المدارس التاريخية الاوربية وكتبت باشرافه وضمن ( كورسات) المادة السماة ( المؤرخون الاوربيون في القرن التاسع عشر) ، دراسة عن ترايتشكه ومنهجه التاريخي ونشرت فيما بعد في مجلة المؤرخ العربي ( العدد 21 ) ، 1982 بعنوان"ترايتشكه : فكره التاريخي ومواقفه السياسية" وقد حظيت الدراسة باهتمامه وتقييمه لها تقييما ممتازا .

  ينتمي الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح الى المدرسة الغربية ( الانكليزية والامريكية) في كتابة التاريخ ، وهي نفسها المدرسة التي يلتزم بها عدد كبير من المؤرخين العراقيين وخاصة من الجيل الاول ( جيل الدكتور زكي صالح) ، والدكتور فاضل عبد الكريم ، والدكتور جعفر حسين خصباك ) . وقد تتلمذت انا وزملائي على هؤلاء الاساتيذ رحمهم الله جميعا ، فانتهجنا المنهج نفسه ، وهـو ( المنهج العلمي التأريخي) الذي يعتمد الوثائق ، والتنصيص ، والتهميش ، والتحليل والتعددية في التفسير التاريخي ، والموضوعية ، في كتاباتهم التاريخية .. لذلك فالمدرسة التأريخية المعاصرة مدرسة موضوعية علمية رصينة .

      في كل كتابات المؤرخ الاستاذ الدكتور محمد محمد صالح كان هناك تركيز على جوانب مهمة من التاريخ الاوربي الحديث وخاصة في القرن التاسع عشر ، فهو يهتم بالنشاط الصناعي والتجاري في دول اوربا الغربية وخاصة انكلترا  ويتناول توسعها الاستعماري لكنه لايغفل الوقوف عند الاصلاحات الدستورية وكذلك الامر بالنسبة لالمانيا وايطاليا وامبراطورية آل هاسبر حيث يحرص على تناول سياسة بشمارك الداخلية والخارجية 1871 ـ 1890 ومشاكل ايطاليا وانظمة الحكم فيها ، لكن الموضوع الذي يحظى باهتمام الدكتور محمد محمد صالح اكثر من غيره هو التطور الفكري في اوربا والذي تنضوي تحت عنوانه مفردات عديدة ابرزها امران هما التقدم في العلوم الطبيعية وانعكاسات ذلك كله في التقدم الذي احرزته العلوم الاجتماعية والانسانية والفنون والاداب .

   ويرى الدكتور محمد محمد صالح ان الحقبة الاخيرة من القرن التاسع عشر والعقد الاول من القرن العشرين تتميز بالواقعية والمادية ، و (( تتلخص الصفات العامة لهذه الحقبة بالتأكيد على القومية والعسكرية والتسلح وازدياد انتشار الحضارة الغربية في العالم وتأثيرها على الحيـاة العقلية واليــومية في كل مكان )) . وكان يرى ان اهتمام العلماء والمفكرين الاوربيين بالعلوم الطبيعية والانغماس فيها ، وتحول الناس من الفلسفة الى العلم جاء لاعتقادهم بان التقدم الصناعي والعلمي وازدياد المكائن يؤدي الى كثرة الانتاج وانتشار الرخاء )) .

     لقد اعتقد الدكتور محمد محمد صالح ان النصف الاول من القرن التاسع عشر كان يتميز كذلك بكونه عصر الفلسفة ، وقد وقف هيكل على راس هذا العصر وعدت الافكار الفلسفية انذاك علاجا للامراض الاجتماعية وقوة محركة لهدم النظام السائد .. كما كانت الاشتراكية الطوبائية وغيرها من الافكار الفلسفية السائدة انذاك هي السائدة في المجتمع الاوربي ، ولكن ثورات سنة 1948 التي عمت اوربا ، اثبتت عقم بعض النظريات الفلسفية وخطأ البعض الاخر ، ولم يقف الامر عند هذا بل اصبح هناك قناعة لدى عدد من الناس بعدم اهمية الفلسفة بصورة عامة ، الامر الذي ادى الى ازدياد الاقبال على العلوم والتكنلوجيا ، ومنذ ذلك الوقت عد النصف الثاني من القرن التاسع عشر عصـر العلوم والتقدم العلمي .  وقد يكون من المناسب الاشارة الى ان الدكتور محمد محمد صالح اكد من خلال كتبه ودراساته على اهمية تاثر العلوم الاجتماعية والعلوم الانسانية ومنها التاريخ بالتقدم العلمي وكذلك في الادب حتى ان الحقبة الواقعة بين سنتي 1870 ـ1910 تعد حقبة ( الواقعية) في الادب ، هذه النزعة التي حـلت محـل ( الرومانسية) . وقد ظهرت الواقعية اولا في فرنسا في الفن التشكيلي ثم انتقلت الى الادب ، وتاثر الانكليز بهذه النزعة وظهر كتاب انكليز وحتى امريكان يؤمنون بالواقعية منهم توماس هاردي 1840 ـ 1828 وفي انكلترا وهنري جيمس 1843 ـ1916 في الولايات المتحدة . لكن التحول الفكري المهم كان يتمثل بظهور النزعات الاشتراكية ، سواء الماركسية منها او الفوضـوية او السندكالية ( النقابية العمالية ) . وقد بدأت الماركسية ( نسبة الى كارل ماركس) تنتشر في اوريبا منذ ان نشر ماركس مع فردريك انجلر البيان الشيوعي سنة 1948 والذي انتقد فيه الحرية البرجوازية والاشتراكية والطوباوية وسمى اشتراكيته بـ (الاشتراكية العلمية ) . وقد امد البيان الشيوعي على الصراع الطبقي وقسم العالم بين الراسماليين والعمال ( البروليتاريا) ودعا العمال في العالم الى ان يتحدوا ..

   وفي كتابه (رأس العالم ) الذي نشره سنة 1867 بين ماركس فلسفته الاقتصادية وقال ((ان حضارة كل عصر تقررها الاحوال الاقتصادية  ، وان مجرى التاريخ تقرره سلسلة من الصراع الطبقي لاجل السيطرة على وسائل الانتاج . كما ان المرحلة التي كان يعيش فيها تعد مرحلة برجوازية تعقبها مرحلة عمالية وقد قاد ماركس الحركة الاشتراكية في العالم ونظم الاشتراكيين في اوربا وعلى اساس نظريته قام الاتحاد السوفييتي وانقسم العالم الى ( رأسمالي ) تقوده الولايات المتحدة الامريكية ، و ( اشتراكي ) يقوده الاتحاد السوفييتي ، وشهد العالم بين 1945 وحتى 1990 حربا باردة بين المعسكرين انتهت بتفكك الاتحاد السوفيتي في اوائل التسعينات من القرن الماضي وبروز الولايات المتحدة الامريكية كقوة عظمى اولى في العالم ..  

    بالرغم من  ان الدكتور محمد محمد صالح كتب عن الفكر الاشتراكي ونظرية التقدم ، الا انني كنت احس من خلال كتاباته ايمانه بالليبرالية وبالفكر الديموقراطي حيث انه كان يعتقد بأن الديموقراطية اصبحت ((محط امال الشعوب وأمانيها نظرا لما في ذلك من تقدم وازدهار للمجتمع وخير ورفاه للفرد)) .  

   لقد كان للدكتور محمد محمد صالح فضل كبير في اشاعة الاهتمام بالتاريخ الاوربي الحديث والمعاصر اذ تتلمذ على يديه ومن دراساته وكتبه اجيال كثيرة من الطلبة والباحثين الذين ترك في تكوينهم الثقافي والعلمي ، بدون شك ، اثرهم الواضح خاصة وانهم اليوم يتبؤأون مراكز مهمة ليس في المجتمع العراقي وحده بل وفي المجتمع العربي كله ..      

المؤرخ محمد صديق الجليلي (1903 ـ 1980 م)

    ينتمي الدكتور محمد صديق ألجليلي إلى الأسـرة الجليلية التي حكمت الموصل بين سنتي 1726 ـ 1834 . ولد في20 تشرين الأول سنة 1903،وأكمل دراسته الابتدائية والثانوية في الموصل ،والتحق بدائرة البحـث والتنقيب في كلية بيبلـس بمدينة كنساس بالولايات المتحدة،وهناك أكمل دراسته الجامعية ،وحصل على البكالوريوس والماجستير في العلوم ، ثم منحته الجامعة درجة دكتوراه فلسفة .

       عاد ألجليلي إلى الموصل وآثر عدم الدخول في الوظيفة الحكومية ، متجهاً إلى إدارة أملاك أسرته والانصراف إلى النشاط الاجتماعي والثقافي . في سنة1931 انتخب  عضواً في المجلس البلدي وبين سنتي 1973 و 1977 ترأس جمعية التراث العربي في الموصل ، كان عضواً في إتحاد الكتاب  والمؤلفين العراقيين ، وقد شارك في مؤتمرات كثيرة داخل وخارج العراق . وكان يرتبط بصلات علمية مع مستشرقين وكتّاب عرب وأجانب .

       حرص ألجليلي في كل عمل قام به على إبراز " شخصية الموصل الحضارية ، ودورها الفاعل عبر التاريخ "،ويتضح هذا من خلال نشر وتحقيق كثير من الكتب منها:

1 ـ  الحجة على من زاد على ابن حجة ،تأليف الحاج عثمان ألحيائي ألجليلي ، وهو
       كتاب في علم البديع ، حققه ونشره في الموصل سنة 1937 .

2 ـ  غرائب الأثر في حوادث ربع القرن الثالث عشر لياسين ألعمري،وقد عنى بطبعه
       ونشره في الموصل سنة 1940 ، وهو كتاب في التاريخ الاجتماعي

3 ـ  " المقامات الموسيقية في الموصل " ، وطبع سنة 1941 .

4 ـ  " التراث الموسيقي في الموصل " ، وطبع سنة 1941 .

5 ـ  " الاصطياف في حمام العليل " ، وطبع سنة 1965 .

6 ـ  حقق ونشر كتاب حسن عبد الباقي الموصلي ( 1100 ـ 1157 ) ، وطبع في
       الموصل 1966 .

         كما ترك عشرات المقالات والبحوث في التاريخ والفلك والتراث والموسيقى ، نشر معظمها في مجلات عراقية وعربية ،وكان ألجليلي معروفاً بخبرته في وضع سمت القبلة ، وقد وضع بين سنتي 1950 و1971 سمت القبلة لخمسة عشر جامعاً ومسجداً في الموصل .كما صنع بضعة مزاول لا تزال قائمة في بعض جوامع وميادين وشوارع مدينة الموصل . وقد أهدى أمانة بغداد تصميماً لمزولة أفقية على خط عرض بغداد وذلك سنة 1977 . وأسهم في حل رموز مزاول أخرى اكتشفت في سامراء والقيروان ودمشق ، وكان يمتلك مكتبة كبيرة آلت إلى المكتبة الوطنية ببغداد بعد وفاته ، ولم يكن يبخل على أحد من الباحثين وطلبة الدراسات العليا ، بما يتوفر لديه من مصادر ووثائق ومخطوطات وصحف .

       برع ألجليلي في فن السير والتراجم ، ويظهر هذا واضحاً في ترجمته لعدد من المؤرخين والأدباء الموصليين أمثال : الحاج قاسم أغا ألرونقي ، وحسن عبد الباقي الموصلي . وفي هذا المجال نجد أن ألجليلي لا يقف عند حدود ملاحقة السير والتراجم، وإنما عمل على الربـط بين حياتهـم ونتاجهم من جهـة ، وأحداث الموصل السياسية والاقتصادية والاجتماعية وانعكاسها عليهم بشكل أو بآخر. كما لم يغفل ملاحظة ورصد من كتب عنهم،ويحلل تلك الكتابات ويوظفها في رسم الصورة الحقيقية لمن يكتب عنه ، وتعد دراسته التي ألحقها بكتاب (ديوان حسن عبد الباقي الموصلي) ونشرها سنة1966 من أفضـل وأدق الدراسات التي تناولـت سيرة وحياة الحاج حسين باشا ألجليلي
( ت 1758 م ) قائد المقاومة الموصلية ضد الغزاة الفرس سنة 1743 ، وتتألف هذه الدراسة من ( 33 ) صفحة ، وفيها تتضح مقدرة ألجليلي في البحث التاريخي . ويتناول  في هذه الدراسة : أصول الأسرة الجليلية وسبب توليها حكم الموصل ،وآثارها العمرانية والعلمية وسياستها تجاه العلماء والوجهاء وقادة الجيش وعلاقتها بالولاة في بغداد وحلب وتسلمها الحكم في ولايـات عثمانية أخرى مثل بغـداد وطرابلـس الشـام وديار بكر وكوتاهية وسيواس ووقائع الحروب التي خاضها القـادة الجليليون إلى جانب الحكومة المركزية العثمانية ، والخلافات بين أغـوات فرق الإنكشارية وانعكاساتها على الأهالي وعادات الموصليين وتقاليدهم والصراع بين القوى المحلية والقوى الإنكشارية ، والكوارث الطبيعية التي تعرضت لها الموصل خلال العهد العثماني كالمجاعات والأمراض والأوبئة وتأثير ذلك على المجتمع الموصلي ،كما أن هناك أخباراً عن تجارة الموصل وأدارتها . 

       وأهم ما في هـذه الدراسة الصورة التاريخية الحية التي رسمها ألجليلي لحصار الموصل الشهير سنة 1743 ، والذي ابتدأ في 10 أيلول 1743 حين ظهرت طلائع الجيوش الغازية بقيادة نادر شاه في سهل قرية يارمجة جنوبي مدينة الموصل حتى يوم 22 تشرين الأول سنة 1743، وهو يـوم انتهاء الحصـار وانسحاب المعتدين الغزاة والاحتفال بيوم النصر وعودة الحياة إلى مجاريها الطبيعية . وقد اعتمد ألجليلي في هذه الدراسة على وثائق رسمية عثمانية ومخطوطات ودواوين شعر وكتب رحالة ومذكرات بشهود عيان ، مما يعطي لدراسته قيمـة كبيرة لا يمكن لأي باحث في تاريخ الموصل الحديث تجاهلها .

       كان للجليلي كذلك ولع بالموسيقى وبالمقام وبالتنزيلات الموصلية للشيخ عثمان الموصلي وغيره ، وقد احتفظ بتسجيلات لعبده الحامولي ، وهو صوت متميز من الأصوات العربية التي ظهرت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وقد اعتمد هذا الصوت على التطريب والتلاعب بالألفاظ ، وقد قدّم ألجليلي هذه التسجيلات إلى مؤتمر الموسيقى العربية الذي عقد في بغداد أبان الستينات من القرن العشرين . وكان ألجليلي خبيراً في تصنيف المقامات واشتقاقاتها ، وقد برع في العزف على آلة العود وآلة الكمان .

       ومما يجدر ذكره كذلك أنه كان خبيراً بالإسطرلاب حتى أنه أسهم مع الباحث الفرنسي (لويس جانين) في حل رموز إسطرلاب معقد معروض في المتحف الفرنسي .

       كان عالماً متواضعاً وإنساناً مثقفاً أحبه الجميع وتواردوا على مجلسه الذي اعتاد أن يعقده في بيته . انتقلا إلى جوار ربه يوم الجمعة 19 أيلول سنة 1980 ، ودفن في مقبرة آل ألجليلي بالموصل .

المؤرخ الدكتور محمد الهاشمي 1910 ـ1996  

                                    

         ابتداء لابد لي أن اعتذر للأستاذ الدكتور محمد الهاشمي (1910 ـ1996) رحمه الله وهو في قبره، لأنني لم اكتب عنه كل هذه السنوات التي مرت وتقدر بأكثر من 45 عاما ، أي منذ أن تتلمذت على يديه وانأ طالب في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة بغداد .. فالهاشمي كان رئيسا للقسم في حين تولى الأستاذ الدكتور حسين أمين أطال الله عمره ومتعه بالصحة والعافية  مسؤولية مقررية القسم .. وقد عرفت أنا الهاشمي عن كثب ، مؤرخا منصفا وأستاذا جليلا وأبا رحيما ؤروفا بالطلبة .. ولايمكن أن أنسى وينسى زملائه حركة رأسه الدائمة وهو على منصة التدريس .. كنا نحبه ونحترمه ونجله ، وكان يقابلنا الشعور نفسه وللأسف فقد عرفته مقلا في إنتاجه التاريخي .. فهو متخصص بتاريخ الحضارة العربية والإسلامية وقد ركز على الفكر العربي الإسلامي في تدريسه لنا هذه المادة المهمة . وكم كنت متألما لأنني فقدت سجل محاضراته في مادة الفكر العربي المقررة علينا آنذاك عندما كنا  في المرحلة الرابعة ، لكن ألمي سرعان ما تبدد عندما وقعت يدي على نسخة من كتابه: ((الفكر العربي .. جذوره وثماره)) والذي نشر في الكويت سنة 1975 فوجدت أن جزءا كبيرا منه هو نفسه المحاضرات التي كان يلقيها علينا .. والى جانب محاضراته فقد كنا نقرأ له العديد من المقالات والبحوث في مجلة كلية التربية الموسومة: (الأستاذ) والتي لاتزال تصدر حتى يومنا هذا،وكذلك في مجلة اتحاد المؤرخين العرب الموسومة : (المؤرخ العربي ) .

     ولد الأستاذ الدكتور محمد الهاشمي في مدينة النجف الاشرف سنة 1910 .. وأكمل دراساته الأولية فيها .. وبعدها دخل دار المعلمين العالية وتخرج فيها ثم سافر إلى المملكة المتحدة ليحصل على الدكتوراه في التاريخ الإسلامي من جامعة لندن سنة 1949 .وقد كتب عنه صديقنا الأستاذ حميد المطبعي في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين ، الجزء الأول ، دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد سنة 1995 بضعة اسطر وقال انه كان أستاذا في كلية التربية بجامعة بغداد وقد تقاعد سنة 1975 . وهو عضو اتحاد المؤرخين العرب ونال وسامه الذهبي وقد ابتدأ حياته العلمية بتأليفه كتاب بعنوان (الأبطال الثلاثة) نشره سنة 1933 . كما ترجم عددا من الكتب منها كتاب: ( من جنة عدن إلى نهر الأردن) (1941) وكتاب (أبو العلاء المعري) (1944) . فضلا عن كتابه المشار إليه أعلاه والذي يدور حول جذور وأسس الفكر العربي والإسلامي .

       كان الهاشمي من المؤرخين الذين يعتقدون بان التاريخ وسيلة مثلى يمكن استخدامها لخلق وتنمية وتطوير الوعي الحقيقي بكافة إشكاله لدى الناس .. ويبدو انه كان يتقارب في هذا الاعتقاد مع العديد من زملائه ومجا يليه المؤرخين العراقيين والعرب عموما .. كان يرى بان التاريخ أداة للبناء ، لبناء الأجيال لذلك كان يركز في محاضراته على الأوجه المشرقة لتاريخنا العربي والإسلامي والقصد من ذلك تربية جيل قادر على مواجهة التحديات المختلفة أيا كانت ومن أية جهة خرجت .

    خلال العام الدراسي 1962 ـ1963 لم يكن في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة بغداد سوى ثلاثة من التدريسيين الذين يحملون مرتبة الأستاذية (البروفيسور) وكان محمد الهاشمي احدهم ، أما الاثنان الآخران فهما الأستاذ الدكتور زكي صالح والأستاذ الدكتور جواد علي والثلاثة من خريجي الجامعات الغربية ( البريطانية والأمريكية) ، لذلك كان القسم آنذاك يتصف بالرصانة العلمية ، والقدرات الأكاديمية عالية المستوى .. ويقابل ذلك ، طلبة كانوا على درجة متقدمة من الوعي والشعور بالمسؤولية العلمية إلى جانب حبهم وعشقهم لمواد التاريخ التي كانوا يدرسونها آنذاك .

      منذ أواخر الخمسينات واوئل الستينات من القرن الماضي ، كان لمجلة الأستاذ ، هيئة مشرفة على تحريرها وإصدارها تتألف من أربعة أساتذة من بينهم الدكتور محمد الهاشمي رئيس قسم التاريخ ، أما الثلاثة الآخرين فهم الأستاذ كمال إبراهيم عميد الكلية والدكتور جابر ألشكري رئيس قسم الكيمياء والدكتور محمد جواد رضا المدرس في قسم التربية وعلم النفس.

     كنت لا اخفي إعجابي بكتابات محمد الهاشمي المتميزة بطابعها الفكري والفلسفي ، فعلى سبيل المثال قرأت له وانأ طالب في الكلية مطلع الستينات من القرن الماضي بحثا بعنوان: ((وجهة العالم الإسلامي)) منشور في مجلة الأستاذ (المجلد الخامس بعدديه 1956) .والغريب ان المقال لم يكن مهمشا ولا منصصا وإنما كان يحمل أفكارا مهمة ، ومنها أن العالم الإسلامي يمثل مركزا جغرافيا مهما وذلك لوقوعه في ملتقى ثلاث قارات مما جعله يسيطر على المضايق والمسالك الواقعة في طرق المواصلات البرية والبحرية والجوية في العالم .   ثم انه حد وسط بين الشرق وما فيه من أديان ومثل عليا وثقافات قديمة ، وبين الغرب وما توصل إليه من تقدم مادي وأدبي وأساليب متنوعة في الحكم . هذا إلى ما فيه من موارد بشرية وطبيعية وفيرة مما جعل له قيمة اقتصادية عظيمة قد تفوق ما له من أهمية سياسية وعسكرية ، لهذا كان لانتساب الجماعة الإسلامية المتضامنة بعضها مع بعض ، بدينها وعاداتها وثقافتها ، إلى إحدى الكتل المتنافسة اليوم ( يقصد آنذاك) في العالم اثر غير قليل في التوازن الدولي .  

     ثم يعود ليقول إن الدور الذي يتوقع أن يقوم به العالم الإسلامي ، سواء في الحقل السياسي أو الاقتصادي أو غيرهما ، لايمكن أن يكون ذا اثر فعال في التوازن الدولي إذا ما بقيت الأحوال الداخلية لهذا العالم على ما هي عليه من الارتباك والفوضى والتناقض أحيانا .

     وإذا كان الوضع قبل (50) عاما كانت هكذا فكيف الوضع ألان .. ليته كان حيا ليرى ما هو عليه العالم الإسلامي من ضعف وتخلف وخضـوع للإرادة الأجنبية .

    ويلتمس الأستاذ الدكتور محمد الهاشمي بعض الميول والاتجاهات التي يمكن أن تؤثر في هذا العالم فيقول أنها تتلخص بمجريين احدهما ماضي الإسلام الحافل بالإحداث والتطورات الخطيرة التي كانت لها أعظم الأثر في تكييف  حياة المجتمعات الإسلامية . وثانيهما المدنية الغربية التي رافق انتشارها في الشرق عموما ، وفي العالم الإسلامي خصوصا ، تغير بعض المفاهيم والقيم التي كانت سائدة فيه منذ أجيال عدة .

    ثم يقول إن العالم الإسلامي كان ، خلال فترة طويلة من العصور الوسطى ، خاضعا لقوة سياسية وعسكرية واحدة . وكانت هذه القوة من جملة العوامل التي ساعدت على ربط هذا العالم المترامي ألأطراف المليء بالأجناس والألوان والثقافات المختلفة ، في كتلة واحدة امتازت بالحيوية والانسجام . وقد كان الدين الإسلامي الذي تبنى هذه القوة ، أو تبنته هي ، اليد الطولى في دعم هذه الوحدة ، وذلك بفضل ما أوجده في نفوس الناس من وعي شامل وعزيمة صادقة جعلتهم يشعرون بالترابط فيما بينهم ، وينصرفون إلى العمل المشترك في أوسع مجالاته . ويقف الأستاذ الدكتور محمد الهاشمي على السر في ذلك الترابط والنهوض فيقول: ((ان الإسلام ، كدين من جهة ، وكأسلوب عام للحياة الاجتماعية من جهة أخرى ، كان موفقا إلى حد بعيد في إيجاد الحلول الصحيحة للمشكلات الأساسية التي تعرضت لها المجتمعات الإنسانية منذ أقدم العصور والتي مازال يعالجها علماء العصر الحاضر وساستهم )) .

     والدكتور الهاشمي يرى أن في مقدمة المشكلات التي لازال العرب والمسلمين يواجهونها أمران أولهما مسألة التضارب بين م صالح الأغنياء والفقراء . وثانيهما مسألة ازدواج الشخصية التي كثيرا ما تكون سببا في نشوء العقد النفسية في الأفراد والجماعات فمبادئ الإسلام راعت حالة العمال والفقراء والمحرومين ففرضت الزكاة وحرمت الربا ومنعت كل ضروب الغش وأشارت إلى الخطر الناجم بسبب تعاون الأغنياء والحكام على حساب الفقراء والضعفاء .. وبهذه الوسائل استطاع الإسلام أن يجد بين الطبقات والشرائح الاجتماعية المختلفة مجالا للتعاون القائم على أساس  تبادل المنافع .

      ويرفض الدكتور الهاشمي أن يقال بان الإسلام بنى تعاليمه وشعائره على أساس نظري ويؤكد بان الإسلام لم يقسم حياة الإنسان الى عالمين متباعدين ، عالم الدنيا وعالم الآخرة ، بل فرض الحياة وحدة متصلة واستمد تعاليمه وشعائره من هذه الوحدة المتصلة التي تربط بين الروح والجسد . لهذا جاءت قوانينه سهلة ذات طابع واقعي .

     كان الدكتور الهاشمي في رؤيته للتاريخ العربي والإسلامي واضحا ، فهو قد قرر بان قوانين الإسلام اتسمت بصفتين متباينتين هما صفة الثبوت المستمدة من قداسة مصدرها الإلهي ، وصفة التجدد المستمدة من ضرورة ملاءمتها للحياة العملية وضرب مثلا على ذلك أن الصحابة والتابعين كانوا إذا ما جوبهوا بمشكلات جديدة في حياتهم اليومية ، سواء عندما  كان الإسلام مقتصرا على الجزيرة العربية أو عندما اتسع في مشارق الأرض ومغاربها ، يلجأون إلى النصوص المتوفرة في الكتاب والسنة وان لم يجدوا فأنهم يستنبطون منها بطريق الاجتهاد والحلول اللازمة .

     ويعيب الدكتور الهاشمي على الحكام الذين سيطروا على مقدرات الأمة في العصور المتأخرة أنهم أصبحوا فاتري الهمة قليلي التضحية ، الأمر الذي أفسح المجال للأغنياء الذين استأثروا بمعظم الخيرات فشاركهم الحكام وأصبحت معظم الثروة محصورة في أيدي فئة قليلة في حين باتت الأكثرية الساحقة من الناس في وضع حرج جراء العوز والفقر والحرمان فانتشرت بينهم الأمراض المعدية وتفشى فيهم الجهل وانحط مستواهم العقلي وتفككت بينهم الروابط الاجتماعية ، وبهذا فقد العالم الإسلامي أهم عنصر من عناصر الانسجام والتقارب الذي تميزت به طبقاته المختلفة في العصور الأولى . وقد تعاون الجهل والفقر والمرض والشعور بالحرمان على انتشار الأوهام والخرافات والآراء الرجعية بين الناس وكنتيجة لهذه الحالة الاجتماعية اختفى رجال العلم الحقيقيون من الميدان وساد الجهلاء والذين دفعهم جهلهم إلى مجاراة الأوضاع الفاسدة وتأييد الحكام المستبدين .

     كانت تلك الأوضاع سببا في ركود الأحوال الداخلية في العالم الإسلامي واستمرار الأساليب البعيدة عن روح الإسلام في الحكم وتوزيع الثروة وتصور البعض أن الإسلام وكأنه عقيدة الاستسلام في حين أن الإسلام هو عقيدة الثورة والتوثب ، وثمة أمثلة كثيرة تثبت أن تاريخ الإسلام طافح بالثورات والانتفاضات .

   أما النتيجة الأخرى لفقر المسلمين وجهلهم وتقبلهم الأوضاع الفاسدة فكانت متمثلة بانصرافهم إلى التمسك بالشكليات والمظاهر الخارجية للدين ، وقد كانت هذه الظاهرة والظاهرة التي سبقتها سببا في اتهام كثير من الباحثين الأوربيين ، المسلمين بأنهم مفطورين على تحمل الظلم وفساد الحكم وإنهم متعصبين وغير متسامحين .. ويقينا يقول الدكتور الهاشمي أن هذا الاعتقاد لايستند إلى دليل صحيح وذلك لان شدة تمسك المسلمين بالمظاهر والقشور إنما كان على حساب تهاونهم في حقائق الدين الجوهرية .

     أما ما يتعلق بأثر المجرى الثاني في حياة الأمة وهو الاحتكاك بالغرب ، فقد قال الدكتور الهاشمي إن الاحتكاك بالحضارة الأوربية كان في المراحل الأولى منه مقتصرا على الميدانين الاقتصادي والثقافي .. وقد شعر المسلمون بعد هذا الاحتكاك بتفوق الغرب ، في نظمه وأساليبه في هذين الميدانين ، فاندفعوا الى التخلي  عن تراثهم القديم واخذوا يميلون إلى اقتباس الأساليب الحديثة ، غير أن إساءة بعض الأوربيين استغلال هذا التفوق من جهة ، والغزو الأوربي للمشرق الإسلامي وما رافقه من ويلات ومصائب من جهة أخرى ، احدثا رد فعل في العالم الإسلامي الذي اخذ يتخوف من هذه الحضارة ويشك في تقديرها وينظر إليها نظرة ازدراء ومقت أحيانا .. وكان اعتقاده هذا سببا في انتشار القلق والبلبلة الفكرية في داخل البلاد الإسلامية .. وزاد هذه البلبلة أن الغرب نفسه لم يقف من العالم الإسلامي موقفا ثابتا وإنما كان يغير اتجاهه من حين إلى آخر بحسب ما تمليه عليه مصالحه السياسية .  وقد أكد هذا التبلبل فشل الغرب في تطبيق النظم الديموقراطية في معظم البلاد الإسلامية وقد سبب هذا فراغا في الحياة السياسية وخيبة أمل في نفوس كثير من الناس وخاصة المثقفين منهم الأمر الذي أفسح المجال للانقلابات المفاجئة .

    ورسم الدكتور الهاشمي صورة لمستقبل العالم الإسلامي منذ قرابة ال (45) عاما وكأنها ، لعمري ، صالحة ألان عندما قال : ((وإذا أردنا أن نكون فكرة عن مستقبل العالم الإسلامي ... فيمكن أن نتصور في المقام اتجاهين ، فيرى بعض الناس أن طبيعة الحياة المتناقضة التي يتخللها الفساد والتبلبل تحمل في ثناياها بذور ضعفها ولأجل هذا فأنهم يعتقدون أن العالم الإسلامي مقبل ، كنتيجة حتمية لأوضاعه الراهنة على تبدل جوهري يتناول جميع مظاهر حياته ، وهم يسعون في زيادة البلبلة الفكرية وتعميم الارتباك والتناقض ليصلوا بالعالم الإسلامي إلى النتائج الحتمية المنتظرة في أسرع وقت ممكن .. وهناك فريق آخر لايؤمن (بحتمية الظواهر التاريخية) وهؤلاء يعلقون أهمية كبيرة على الصدف والاستثناءات التي تقرر مصير العالم الإسلامي . ولكن هناك حقيقة واضحة لايختلف فيها اثنان وهي أن العالم الإسلامي لايمكن أن يكون أداة حقيقية في التوازن الدولي ما لم تنسق جهوده وإمكاناته تنسيقا يتفق والغاية التي يراد توجيهه إليها في المستقبل . 

     إن التنسيق ذاك يتوقف ، من وجهة نظر المؤرخ الدكتور محمد الهاشمي رحمه الله على أمرين : احدهما التخفيف من حدة التناقض الاقتصادي الموجود داخل هذا العالم .. وثانيهما التخفيف من حدة التدخل الأجنبي في كل صغيرة وكبيرة من شؤون هذا الجزء الحيوي من العالم .. وكأنه يتحدث اليوم (2008) ، فيقول : ((التجاريب المتعددة أثبتت أن التدخل القائم على أساس فرض السيطرة بواسطة الإرهاب والقوة يسبب كثيرا من المشكلات .. كما انه لاينسجم مع النهضة الفكرية التي شملت شعوب العالم كنتيجة لانتشار الثقافة العامة . ويختم رأيه بالقول أن الإصلاح يصطدم مع مصالح الطبقة المتنفذة في الداخل والتي راحت تملك كل شيء في حين أن الأكثرية يعيشون في الفقر والحرمان والقلق على المستقبل .. كما أن الإصلاح السياسي يواجه بكثير من العقبات . وإذا لم يحدث أي تبدل جوهري في أحوال العالم الإسلامي فليس من المعقول أن تجد الديمقراطية طريقها إليه .

     في دراسته الموسومة : ((مرونة الإسلام)) التي نشرت في مجلة الأستاذ (المجلد 15 ،1969) يضع رؤيته الثاقبة للمراحل التي رافقت تطور الإسلام ويقول إن الظروف الجغرافية كانت عاملا فعالا في تكييف  حياته .. ويضيف إلى ذلك حقيقة معروفة وهي أن الجزيرة العربية التي انبثق منها الإسلام ، والتي احتضنته طيلة قرون ، كانت قد تعرضت لنهضة فكرية شاملة ، قبيل ظهوره بقليل وذلك بسبب اختلاط أهلها بسكان الأقطار المتحضرة المجاورة لهم ، خلال رحلاتهم التجارية إليها ، وكانت الحروب (الاستعمارية) بين الفرس والروم عاملا آخر في زيادة الاختلاط والاحتكاك . فقد لجأ إلى بلاد العرب بعض سكان العراق وسوريا فرارا من الظلم الذي لحقهم في بلادهم . كما هاجر إليها آخرون طلبا للرزق بالتجارة ، او بممارسة بعض الحرف والصنائع أو غير ذلك .. وبالجملة فالعقلية العربية كانت قد أعدت لتقبل مبدأ شامل ، وعقيدة واسعة ، تضم أجناس البشر جميعهم ، وتساوى بينهم في الحقوق والواجبات ، وتسمو بأفكارهم إلى المرحلة التي تجعلهم يعظمون كل من عبد الله من أبناء البشر ، ومهما كان جنسه ولونه ، ومهما اختلفت إشكال عبادته . وكأن الأستاذ الدكتور محمد الهاشمي بيننا اليوم ، ليدرك أية صعوبات وعراقيل داخلية وخارجية يواجهها العالم الإسلامي ..ليقرر حقيقة مهمة وصل إليها بعد بحث تاريخي شاق ، وهي أن العالم الإسلامي يضم أمما متعددة وشعوبا متباعدة ، تتفاوت تفاوتا جوهريا في تركيبها الاجتماعي ، وفي صفاتها الموروثة ، وفي المرحلة الحضارية التي وصلت إليها ، وهذا مما جعل من الإسلام دينا  عالميا ، والعوامل التي مهدت لذلك تكمن في طبيعته المرنة ، وفي القالب الذي صيغت فيه تعاليمه فضلا عن الظروف التي رافقت تطوره . أما الأمر الأول فيمكن استظهاره من تحليل الإسلام للظاهرة الدينية ، ومواقفه من الديانات الأخرى ، فالظاهرة الدينية ، في عرف الإسلام ، تنبع من إدراك الإنسان لوجود الله ، ووحدته ، والاخوة البشرية ، وهذا الإدراك وثيق الصلة بحياته المادية والروحية وهو خاضع للتعيير والتبديل ، من وقت إلى آخر ، حسب الظروف والملابسات .. فالله يبعث الرسل ويزودهم بالشرائع ليهدوا الناس إلى الخير ويباعدوا بينهم وبين الشر ، ويأخذوا بأيديهم الى المستوى اللائق بكرامة الإنسان . وهذا هو السبب في أن النبي محمد صلى الله عليه وسلم رأى في شريعته أداة ، يوقظ بها النزعة الخيرة في النفس الإنسانية لتسير بها في الاتجاه الصحيح الذي يؤمن لها الاستقرار والاطمئنان . أما الأمر الثاني الخاص بالقالب الذي صيغت فيه  تعاليم الإسلام فان ذلك لايحتاج إلى تدليل ، ذلك أن هذا القالب يمتاز بالسهولة والبساطة وقد فسر الإسلام كل شيء حتى مسالة خلق الكون ،والصراع القائم بين الخير والشر بصور منتزعة من واقع حياة الإنسان المشحون بالقوى المتنافرة ، تلك القوى التي تخضع في النهاية لقوة عليا تسيطر عليها ، وتكون لها الغلبة .. فالصلاة مثلا تعبير عن شعور الإنسان بعظمة الكون ، وتأديتها على وجه رتيب تأكيد للنظام الخلقي الذي يهدف إلى ضبط النفس ، وغرس روح الطاعة والنظام فيها ومنعها من التيه في مجالات العالم المادي . وقد أوضح القرآن ن الكريم هذه الحقيقة بقوله : ((وأقم الصلاة ، أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر )) . والحج إلى مكة مثل آخر لبساطة هذا الدين وفطرية تعاليمه ، ,عدم تعقيدها ، ذلك انه أنموذج عملي للإخوة الإنسانية التي تجمع شعوب الأرض كافة ، وهذه المزايا ساعدت على انتشار الإسلام في أقطار بعيدة جدا عن مهده ، وفي ظروف صعبة وجدت تعاليمه فيها استجابة من الناس .

      مع أن انتاج الدكتور محمد الهاشمي التاريخي وخاصة في مجال الفكر العربي والإسلامي ليس بالكثرة التي كنا نعتقدها ، لكن في ما كتبه ، بالرغم من قلته ، يؤكد أصالة هذا المؤرخ ، وعلميته ، وموضوعيته ، وانفتاحه الفكري على تيارات عصره ، وتفاعله معها بعمق ووضوح .  

الدكتور محمود علي الداؤود 


     قبل أيام ( كانون الثاني 2008) تلقيت رسالة من الأستاذ الدكتور محمود علي الداؤود ، وهو الآن يشغل منصب مدير مركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية بالجامعة المستنصرية ( مركز دراسات وبحوث الوطن العربي)

       وكم فرحت، والله يعلم، بها فقد اقترح علي أن ننظم ندوة مشتركة بين مركزه ومركز الدراسات الإقليمية الذي أتولى إدارته، تعقد في جامعة الموصل حول (مستقبل العلاقات العراقية ـ التركية) .. هذا الرجل بهذا العمر وبهذه الحيوية حالة نادرة وفريدة في مثل أوضاعنا التي نعيشها منذ نيسان 2003 .. ومع هذا فقد قدرت همته العالية، وأنا والحمد لله لا أزال كذلك عالي الهمة واتفقنا على عقد الندوة ووضعت منهاجها وفي مقدمته أن يلقي علينا محاضرة الافتتاح Main speaker وهو الذي عاش ردحا من الزمن في تركيا سفيرا لبلده وله علاقات وصلات مع معظم السياسيين الأتراك المعروفين ..

     محمود علي الداؤود ،كما يعرفه الكثير من المتتبعين له ولنشاطاته، مؤرخ متخصص في تاريخ الخليج العربي ، بل هو من رواد الدراسات الخليجية في الوطن العربي ..  درس الخليج العربي وزار بلدانه وإماراته ومشيخاته أكثر من مرة .. وله كذلك صلات وصداقات مع قادته ومثقفيه،وعندما كنا طلابا في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة بغداد كان الداؤود مدرسا في قسم التاريخ بكلية الاداب من الجامعة ذاتها ،وقد درسنا في مادة الخليج العربي كتبه ومقالاته التي كان ينشرها في مجلات عديدة منها مجلة كلية الآداب ـ جامعة ببغداد .

    كتبت عنه مرة دراسة مطولة، وكان من المؤمل أن تنشر ضمن الوجبة الأولى من المؤرخين في الموسوعة التي أعدها بعنوان ((موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين )) وتنشر على صفحات مجلة علوم إنسانية الالكترونية www.ulum.nl لكن ما كتبته ضاع، ولم اعثر عليه حتى هذه اللحظة مع أنني نادرا ما افقد شيئا ولا اعرف ما الذي حصل ؟ المهم أنني عدت ثانية اليوم لأكتب عن هذا المؤرخ الثبت .. وقد وجدت أن صديقنا العزيز الأستاذ حميد المطبعي قد كتب عنه بضعة اسطر في موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين .. ومما ذكره أن الدكتور محمود علي الداؤود من مواليد مدينة الموصل سنة 1930، وانه قد حصل على الدكتوراه في التاريخ الدولي من جامعة لندن سنة 1957، وتولى مناصب عديد منها : مدير عام في وزارة الخارجية ، وسفير العراق في تركيا (1971 ـ1976) ورئيس قسم التاريخ في معهد التاريخ العربي التابع لاتحاد المؤرخين العرب .. وقد حضر عدة اجتماعات للجمعية العامة للأمم المتحدة ، ضمن الوفد العراقي ، خلال الفترة 1963 ـ 1971 ، وكذلك في اجتماعات جامعة الدول العربية 1963 ـ 1971 . ومثل العراق في العديد من مؤتمرات عدم الانحياز ، وهو من أوائل الذين عنوا بدراسة منطقة الخليج العربي . وكانت أطروحته للدكتوراه عن الخليج العربي . حصل على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب ، له عدة مؤلفات ودراسات منها :

1 . أحاديث عن الخليج العربي (1959)

2 . الخليج العربي والعلاقات الدولية (1961)

3 . التاريخ السياسي لقضية عمان (1964)

4 . الخليج العربي والعمل العربي المشترك (1980)    

5 . العراق والخليج العربي (1980)

6.أهمية الدور الخليجي للعراق (1980 )

      كما أن للدكتور الداؤود دراسات مهمة منها على سبيل المثال دراسته الموسومة ((العلاقات الهولندية مع الخليج العربي)) والمنشورة في مجلة كلية الآداب بجامعة بغداد (كانون الثاني 1961)، ودراسته الموسومة (( روسيا والخليج العربي)) المنشورة في مجلة كلية الآداب ـ جامعة بغداد 1959، ودراسته الموسومة ((عمان والقضية العمانية)) المنشورة في كتاب القضية العمانية على الصعيد الدولي ( القاهرة ،1956)،ودراسته الموسومة ((لعلاقات الألمانية ـ السوفيتية (1939 ـ1941 )) المنشورة في مجلة كلية الآداب  ، جامعة بغداد 1959،ودراسته الموسومة ((التاريخ العسكري للقواسم )) المنشورة ضمن محاضرات الموسم الثقافي المقام في دولة الإمارات العربية المتحدة 1978-1979 ،ودراسته عن ((تجربة الاتحاد الأوربي وإشكالية العمل العربي المشترك )) المنشورة في مجلة الحكمة التي تصدرها مؤسسة بيت الحكمة ببغداد العدد3 تموز 1988 ،ودراسته عن (( تقاطع مصالح القوى الأعظم في الخليج العربي )) المنشورة في مجلة الخليج العربي – جامعة البصرة المجلد 19 ،1987 ودراسته ((الخليج العربي .. منطقة للصراع أم جسر للتعاون )) المنشورة في مجلة دراسات تاريخية ،العدد 2 السنة 12 (2000) . فضلا مئات الدراسات والبحوث والمقالات المنشورة في الصحف والمجلات العراقية والعربية والأجنبية . كما أن له العديد من التقارير التي وضعها عن الحليج بالاشتراك مع أساتذة وخبراء آخرين، ومنها على سبيل المثال تقرير اللجنة الثلاثية المؤلفة من مدير المكتب الإقليمي لمقاطعة  إسرائيل، وتقارير الأمين العام لجامعة الدول العربية والدكتور محمود علي الداؤود ( عن العراق) والسفير بدر خالد البدر ( عن الكويت) والسفير محمود منصور الرميح (عن المملكة العربية السعودية) ثم انضم إليها السيد حسن صبري الخولي عن الجمهورية العربية المتحدة ( مصر وسوريا بعد الوحدة ، في شباط 1958) والمنشورة في كتاب السيد نوفل الموسوم ((الأوضاع السياسية لإمارات الخليج العربي ـ وجنوب البحرين) ، الكتاب الثاني المتعلق بأوضاع إمارات ساحل عمان (القاهرة ،1967).

     أتذكر بأنه أرسل لي نسخة من سيرته العلمية والذاتية قبل سنوات ، ومن حسن الصدف أنني وجدتها ووجدت قسما منها منشورا في أكثر من مكان .. ولعل من أبرز ما يمكن قوله في هذا الصدد أن المؤرخ الدكتور الداؤود،كان يؤكد باستمرار على أهمية دور العراق الخليجي، ويسعى لان يكون هذا الدور متميزا وقد روى لي في الطائرة التي كانت تقلنا من سلطنة عمان إلى بغداد بعد حضورنا مؤتمرا في مسقط كيف انه اتصل بالخليج العربي وبمشيخاته منذ أوائل الستينات وكيف كانت المنطقة تعاني من التخلف والركود والجهل وكيف أصبحت الآن .. وقال انه ظل يتابع البحوث والدراسات الخليجية التي أسهمت في حركة الثقافة العربية وشاركت في تطوير الفكر القومي العربي عن هذه المنطقة سنوات طويلة .. وقد حاول وهو يكتب في قضايا الخليج العربي ويلقى المحاضرات ويسهم في الندوات والمؤتمرات أن يلفت الأنظار إلى ضرورة الاهتمام بحاضر ومستقبل الخليج العربي وقال انه ، رغم انتقاله سنة 1962 من كلية الآداب بجامعة بغداد إلى وزارة الخارجية وعمله الدبلوماسي الذي استمر أكثر من (17) سبعة عشر سنة إلا انه كان ، وهو في هذا العمل ، يتابع قضايا الخليج العربي ، فكان أول مدير لشعبة الخليج العربي في وزارة الخارجية العراقية ، لكنه ظل يشعر بالحنين إلى الجامعة والعودة للنشاط الأكاديمي وسرعان ما توفرت له الفرصة سنة 1977 ليعود إلى ميدانه الحقيقي وهو الميدان الجامعي ..  واهتمام الدكتور الداؤود بالخليج العربي لم يأت مصادفة ، وإنما كان بسبب تأثير أستاذه الدكتور زكي صالح عليه .. والدكتور زكي صالح ((يعد أول مؤرخ عربي أولى الخليج العربي أهمية خاصة في بحوثه)) . وكانت دار المعلمين العالية (1923 ـ1958) ، والتي أصبحت بعد ثورة 143 تموز 1958 تسمى كلية التربية ، في بداية الخمسينات من القرن الماضي معقلا مهما من معاقل الفكر القومي في العراق رغم المحاولات والجهود التي مارستها الفلسفات التربوية البريطانية والأمريكية لإبعادها عن الاهتمام بالقضايا القومية المصيرية ودراسة التراث العربي والتاريخ المعاصر للأمة العربية .

    وكانت دار المعلمين العالية ، كما يقول الدكتور الداؤود ، تضم العديد من الأساتذة والمفكرين القوميين الذين أسهموا في التوجيه القومي ، فضلا عن الدور الذي قام به الطلبة العرب في زيادة الاهتمام بدراسة قضايا الوطن العربي .

     وقد امتازت تلك الفترة بالتحدي الشعبي الصريح للمؤامرات الاستعمارية والرجعية ومخططات إسرائيل والمساعي المبذولة لربط المنطقة بالأحلاف ومنها حلف بغداد .

    كان الأستاذ الدكتور زكي صالح , ويعمل آنذاك رئيسا لقسم العلوم الاجتماعية (التاريخ والجغرافية) في دار المعلمين العلية ، لايتردد في إبداء رأيه الصريح حول ضرورة مقاومة تلك الفلسفات والتيارات الفكرية الغربية الأوربية والأمريكية الاستعمارية ، وضرورة التركيز على دراسة التاريخ الحديث للأمة العربية وقضايا القومية المعاصرة .. ويقول : ((واذكر انه ، أي الدكتور زكي صالح ، بعد قبولي في البعثة العلمية في شهر آب 1952 ، زرته مودعا ، ومسترشدا بنصائحه وخبراته الثمينة ، أكد على ضرورة اختيار موضوع أطروحة الدراسات العليا من بين القضايا التي تمس حياة العراق والأمة .. وهكذا فعلت فقد كتبت رسالة الماجستير التي قدمتها سنة 1954 إلى جامعة جونز ـ هوبكنز في الولايات المتحدة عن (عوامل ثورة 1920 في العراق) ، وأطروحة الدكتوراه التي قدمتها لمدرسة الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة لندن سنة 1957 عن ( العلاقات البريطانية مع الخليج العربي خلال الفترة 1890 ـ1902) .. وبعد عودتي إلى العراق ، عينت في كلية الآداب ومحاضرا في دار المعلمين العالية )) .

   لم يكتف الدكتور الداؤود بالدراسة النظرية وإنما حاول أن يطلع على حقائق ووقائع منطقة الخليج العربي .. فقام في عطلة سنة 1957 الربيعية بأول زيارة إلى ربوع الخليج العربي .. وقد مكنته تلك الزيارة من الاطلاع على أوضاع الخليج وأبعاد السياسة الاستعمارية ودورها في تفكيك المنطقة إلى كيانات ضعيفة وتعرضها إلى مختلف صنوف البطش والإرهاب والتشريد وإثارة الخلافات العشائرية .. وفي الوقت نفسه مكنته تلك الزيارة من الاتصال بالشباب في الخليج العربي والوقوف على مطامحهم وآمالهم الوطنية والقومية وقال في مقدمة كتابه (الخليج العربي والعمل العربي المشترك): ((استمعت  باهتمام عميق إلى الآراء القومية الطموحة التي كان الشباب العربي يوضحها في المناقشات ،والتي كانت تجري في الأندية الوطنية ، مثل نادي العروبة في الكويت ، ونادي البحرين في المنامة ، وكان المفكر والمناضل الفلسطيني الأستاذ درويش المقدادي يعمل في معارف (تربية) الكويت وفق تفكيره القومي مبديا كل تشجيع ودعم ومساندة لآلاف المدرسين والمدرسات العرب الذين انهمروا للعمل في المنطقة من كل أجزاء الوطن العربي ، وكان المقدادي مربيا فاضلا يؤمن بان هناك فلسفة تربوية واحدة هي الفلسفة التي تنبع من قضايا العرب القومية وهدفهم في التحرر والوحدة . وكان هو والشباب العاملين معه في سباق مع الانكليز والمؤسسات البريطانية التي كان تعد أي تململ ثقافي قومي بمثابة أمر خطير يهدد الأوضاع السائدة التي كان الانكليز يحرصون على استمرارها هناك ، وفي زيارته للخليج العربي سنة 1957 ، تعرف عبد العزيز حسين ، وإبراهيم العريض ، واحمد العمران ، واحمد الخطيب ، واحمد السقاف ، وعلي الوزان ، وإبراهيم كمال ، والأمير الشاعر صقر ألقاسمي وغيرهم من رجال الفكر الذين خدموا القضية القومية في الخليج العربي . وبعد عودته إلى بغداد نقل إلى طلبته انطباعاته عن هذه المنطقة التي عزلها الاستعمار . كما ألقى ، في مايس من ذلك العام محاضرة عامة في قاعة كلية الآداب والعلوم في الاعظمية ببغداد عن (عروبة البحرين) تحدث فيها عن أوضاع منطقة الخليج العربي والحركات التحررية فيها ، وعن مخاطر الهجرة الأجنبية ثم تناول قضية البحرين بالتفصيل وأكد على أهمية المحافظة على عروبة البحرين وبقية إمارات الخليج العربي التي تتعرض لمخاطر وضغوط وتهديدات مشابهة .

    وبعد عدة سنوات من إلقاء تلك المحاضرات اطلع على مذكرة رسمية كانت الحكومة الإيرانية قد وجهتها إلى وزارة الخارجية العراقية تحتج فيها على المحاضرة تلك وما تضمنته من أفكار وحقائق ضد السياسة الخارجية الإيرانية والبريطانية والجهود التوسعية التي تبذلها من اجل الانتقـاص من عروبة البحرين .

    دخل الدكتور الداؤود في نقاشات حادة مع عدد من المسؤولين البريطانيين ، ومنهم على سبيل المثال القنصل البريطاني الأسبق في الكويت ديكسون مؤلف كتاب ( الكويت وجيرانها) سنة 1957 والذي كان يرى بان ثورة 1952 في مصر تهدد امن الخليج العربي فرد عليه قائلا إنكم دولة غريبة عن المنطقة وثورة 1952 المصرية ثورة عربية قومية ضد الملكية الفاسدة وضد الوجود البريطاني الاستعماري وهي انعكاس لمشاعر وأحاسيس الشعب العربي بل هي تمثل الروح العربية الجديدة الطامحة للاستقلال ، وان بريطانيا لن تنجح في سياستها عزل منطقة الخليج العربي عن العراق أو مصر أو أي قطر عربي آخر لان العرب في الخليج لهم الأحاسيس والمشاعر العربية نفسها .

     لقد وضع الدكتور الداؤود لنفسه منهجا سار عليه منذ بواكير حياته الأكاديمية وهو أن على المثقفين العرب ، ومنهم المؤرخين ، مسؤوليات جسيمة إزاء قضايا بلادهم المصيرية وان من أولى واجباتهم تعريف الأجيال بقضاياهم الوطنية والقومية ودفعهم إلى تبني هذه القضايا . ويقينا إن جهود المدرسة التاريخية العراقية وخاصة في ركنها المهتم بالخليج العربي ، وابتداء من الدكتور زكي صالح والدكتور محمود علي الداؤود والدكتور عبد الأمير محمد أمين والدكتور صالح محمد العابد والدكتور إبراهيم خلف ألعبيدي وغيرهم  ، استطاعت أن تثبت وجودها العلمي والأكاديمي من خلال ما نشرته من كتب ودراسات وما نظمته من مؤتمرات وندوات سواء من خلال أقسام التاريخ أو مراكز البحوث ومنها مركز دراسات الخليج العربي ومركز الدراسات الإيرانية في البصرة ومركز الدراسات الإقليمية في الموصل ومركز الدراسات الدولية ومركز المستنصرية للدراسات العربية والدولية في بغداد . 

     لقد أثمرت جهود الدكتور الداؤود في تأسيس رؤية علمية موضوعية عن تاريخ الخليج العربي ، فصار لهذه الرؤية ممثلين ورواد من المؤرخين والدبلوماسيين والمهتمين وديدن هذه الرؤيا هو أن الخليج العربي جزء حيوي من الوطن العربي وأمنه هو  جزء من الأمن القومي وشعبه أصيل أسهم في كل التحركات التاريخية التي شهدها العالم منذ عـصور ما قبل التاريخ حتى يومنا هذا .

*******************************

المؤرخ الدكتور مصطفى جواد   1906 ـ 1969

 بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

   وقر في اذهان الكثيرين من الباحثين ان الدكتور مصطفى جواد رحمه الله كان لغويا اكثر منه مؤرخا ، في حين انه يعد واحدا من ابرز المؤرخين العراقيين المعاصرين ، فضلا عن انه تخصص بالتاريخ والتاريخ الاسلامي حصرا ، فان لديه كتبا وتحقيقات وبحوثا غزيرة في ميدان التاريخ ، ويمكننا التأكيد على انه ربط بين التاريخ واللغة في اكثر من دراسة وبحث لما لذلك من اهمية كبيرة . ولااعتقد ان احدا من العراقيين والعرب والاجانب من الذين عرفوا الدكتور مصطفى جواد عن كثب وتابعوا نشاطاته الاذاعية والتلفازية ولسنوات طويلة ينكر ما لهذا العلامة الفذ من جهود خيرة في مجال خدمة اللغة العربية والتاريخ العربي والاسلامي .
     ومما يسعدني انني عرفت الدكتور مصطفى جواد والتقيت به مرات عديدة عندما كنت طالبا في كلية التربية ( دار المعلمين العالية سابقا ) اوائل الستينات من القرن الماضي وكان ، رحمه الله ، يتجول في شوارع وطرقات الكلية وبيده سبحته الطويلة التي كانت تلامس الارض .. يتحدث مع الطلبة بوجه طليق وابتسامة عريضة .. وبتواضع شديد يجيب على اسئلتهم واستفساراتهم .

     من حسن الحظ ، ان الدكتور مصطفى جواد ترجم لنفسه .. وقد نشر الاستاذ الدكتور يوسف عز الدين الامين العام للمجمع العلمي العراقي الاسبق الترجمة في الجزء الاول من كتابه ( شعراء العراق) واعاد الاستاذ نافع عبد الجبار علوان ذلك في كراسه الصغير ( الدكتور مصطفى جواد : حياته ـ آثاره ) الذي نشره سنة 1969 ببغداد . ومما قاله الدكتور مصطفى جواد في ترجمته لحياته ((ولدت في الربيع الاول من القرن الرابع عشر للهجرة (وهناك من يحدد سنة 1904 او 1906 سنة لمولده وفي اضبارته في المجمع العلمي العراقي ورد بان ولادته كانت 1908) ، بدار في محلة عقد القشل ببغداد في الجانب الشرقي منها بجوار الجامع المعروف حتى اليوم بجامع المصلوب وكان والدي جواد بن مصطفى بن ابراهيم خياطا بسوق الخياطين المجاور لخان مرجان المعروف عند الاتراك واهل بغداد بخان (اورته) ، وقد اتخذ متحف للاثار العربية اليوم)) .

     وبعدها يتحدث الدكتور جواد عن اصابة والده بالعمى واضطراره للانتقال الى دلتاوه ، في محافظة ديالى (بعقوبة) وقد دخل كتاب تديره امرأة اسمها الملية صفية ثم انتقاله الى مدرسة دلتاوه الابتدائية ودخول الجيش البريطاني المحتل العراق (1914 ـ1918) ، ووفاة والده وعدم قدرته على الاستمرار على الدراسة وانصرافه الى رعاية البساتين التي خلفها له والده ولاخيه الاكبر كاظم الذي ادخله المدرسة الجعفرية الاهلية قرب سوق الغزل ويذكر من مدرسيها الاساتذة الشيخ شكر البغدادي ومحمد حسن كبة واحمد الخياط .. ويذكر الدكتور مصطفى جواد انه قاسى من الفقر وشظف العيش والعوز ما يطول ذكره ويؤلم بيانه ، وذلك لان اخيه كاظم قصر في تسديد اجرة المدرسة ضنا منه بالنفقة .. حتى حلت سنة 1920 وفيها ضاقت عليه سبل العيش في بغداد فانتقل الى دلتاوه وانتفع بحصصه في البساتين الموروثة وان كان الغالب على غلاتها التمر وكانت الثورة العراقية الكبرى قد شبت عدد من مناطق العراق ولاسيما الفرات الاوسط ولواء ديالى واستولى الثوار على بعقوبة ونواحيها ومنها دلتاوه التي ضربت بالطائرات البريطانية ثلاث مرات بالقنابر .. وبعد انتهاء الثورة عاد مصطفى جواد الى المدرسة واكمل الدراسة الابتدائية ودخل دار المعلمين وتخرج معلما .. وكان من مدرسي دار المعلمين الابتدائية ببغداد الاساتذة طه الراوي وسعيد فهيـم

 ( مصري) واميل حنومط( لبناني) ومديرها مصري اسمه (سيد محمد خليل) وكان رجلا ذكيا المعيا .

      تخرج مصطفى جواد سنة 1924 وعين معلما في مدرسة الناصرية الابتدائية وكان مديرها الاستاذ عبد المجيد زيدان وفي تلك السنة اصدر الاستاذ هاشم السعدي مجلة المعلمين ببغداد فبدأ جواد ينشر فيها وقد انتقل الى مدرسة الكاظمية ثم الى مدرسة دلتاوه الابتدائية واختاره بعدها استاذه يوسف عز الدين الناصري للعمل في وزارة المعارف وكان سامي شوكت مديرا لمعارف العراق ، لكنه عاد للعمل في المدرسة المأمونية وقد اخذ يكتب المقالات في مجلة لغة العرب لصاحبها الاب انستاس الكرملي وفي مجلة العرفان اللبنانية وفي بعض صحف بغداد ومنها جريدتي العراق والعالم العربي .

     رشح مصطفى جواد للبعثة العلمية سنة 1934 وسافر الى فرنسا ودخل جامعة السوربون وقبلها درس اللغة الفرنسية في القاهرة وقد ساعده في باريس المستشرق الفرنسي المعروف لويس ماسينيون .. ويقول مصطفى جواد ان اطروحته للدكتوراه كانت في التاريخ وعنوانها : ((سياسة الدولة العباسية في اواخر عصورها )) .. وقد عاد الى العراق اثناء الحرب العالمية الثانية دون ان يناقش الاطروحة بسبب ظروف الحرب وهجوم الالمان على باريس .. وقد عين مدرسا في دار المعلمين العالية سنة 1939 ودعي سنة 1942 لتعليم ( الملك) فيصل الثاني اللغة العربية كما عين عميدا لمعهد الدراسات الاسلامية وبقي فيه حتى 1963 اذ عاد للعمل استاذا في كلية التربية بجامعة بغداد وبقي واستمر كذلك حتى قبل خمس سنوات من وفاته اذ اقعده المرض في داره .. انتخب عضوا عاملا في المجمع العلمي العراقي ثم عضوا مراسلا للمجمع العلمي العربي بدمشق وبعد ذلك عضوا مراسلا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة .

    توفي بعد اصابته بالجلطة القلبية او ما كانت تسمى في حينه (خذلان القلب) مساء الاربعاء 17 كانون الاول سنة 1969 وشيع رسميا وشعبيا ومما جاء في نعي وزارة الثقافة والاعلام ((ان العراق اليوم رزيء بوفاة العلامة والمربي الكبير الاستاذ الدكتور مصطفى جواد الذي عرفته الاوساط الفكرية والادبية والتربوية علما من الاعلام متفانيا ودؤوبا ومخلصا اضاء بعلمه وادبه اجيالا عديدة من ابناء العراق والوطن العربي .  وقد كان رحمه الله غزير العطاء في مجالات اللغة والتاريخ والادب طيلة حياته التي قضاها استاذا في جامعة بغداد وعضوا في المجمع العلمي العراقي وفي مجامع لغوية وعلمية عربية وهيئات علمية ولغوية اجنبية )) .

     قال عنه الاستاذ نافع عبد الجبار علوان : ((ان افضال الدكتور مصطفى جواد كبيرة على اللغة العربية وتاريخ العراق والبلدانيات العربية والعناصر الحضارية في تراثنا الخالد )) .  اما الاستاذ الدكتور عماد عبد السلام رؤوف فقد كتب عنه مقالة في موسوعة اعلام العرب التي اصدرتها مؤسسة بيت الحكمة ببغداد سنة 2000، جاء فيها : ((ان الدكتور مصطفى جواد عالم باللغة والتاريخ وشؤون الادب ، وله شعر .. عرف بنشاطه العلمي الدائب ، وبصبره الملحوظ على البحث والتحقيق )) . وابنه الاستاذ الدكتور جاسم محمد الخلف رئيس جامعة بغداد عند وفاته (1969) قائلا : (( ان الله سبحانه وتعالى نفع الامة العربية بسيرة الفقيد الجليلة وبتراثه الخالد )) .

  اما الاستاذ الدكتور طه حسين عميد الادب العربي ، وكانت عند وفاة الدكتور مصطفى جواد يشغل منصب رئيس مجمع اللغة العربية في القاهرة فقال : ((انعي فيه زميلا عزيزا مقتدرا واديبا فذا )) . اما الاستاذ الدكتور حسني سبح رئيس مجمع اللغة العربية بدمشق فقال : ((ان وفاته تعد خسارة كبيرة لاتعوض )) .

    وكتب عنه الاستاذ حميد المطبعي في موسوعته ،  موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين قائلا انه كان عالما في فنون العربية ، ثبتا ، دقيق الملاحظة ، عميق الصبر ، قوي الاستدلال .

     لقد مارس الدكتور مصطفى جواد منذ بواكير حياته العلمية ، النقد والنقد التاريخي بصورة خاصة ، ولا اعرف مؤرخا استخدم طريقة النـقد التاريخـي

 ( الداخلي والخارجي ) مثلما استخدمه الدكتور مصطفى جواد في دراساته وبحوثه .. وقد فصل في ذلك صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في مقالة رائعة عنه نشرها في جريدة الزمان (اللندنية) بعددها الصادر في 28 تشرين الثاني 2005 قائلا ان اطلاعه على المخطوطات والكتب التراثية وسعيه الى نسخ العشرات منها ساعده على ((اتساع خياله التراثي وارجاع الفرع الذي قرأه في الكتب الاولى الى الاصل ، وهذه المراجعة والمذاكرة مع الذات (مهدت) له الطريق لاكتشاف المزيد من حقائق اللغة التراثية ( وجعلت ) ذهنه ذهنا مقارنا حيوي التخريج)) . كما ان معايشته على ارض التاريخ والاثار اعطته خبرة جديدة في الكشف عن الغامض في تراثنا ، وهذا البحث عن الغامض هو الذي دفعه الى الاجتهاد .. للتوصل الى الحقيقة اولا والى اليقين التراثي ثانيا )) .  وقد قضى شطرا طويلا من حياته في متابعة الافلام البوليسية وكان يردد انه يستفاد منها ويتعلم فن المطاردة ، فالمطاردة في هذه الافلام تشبه المطاردة في تحقيق الكتب التراثية ، من المؤلف ؟ ومتى حبر الكتاب ؟ واي نقص يختفي بين الاسطر والصفحات ؟

    ليس من السهولة حصر نتاج الدكتور مصطفى جواد ، ولكن لابد من الاشارة الى ابرز نتاجاته .

    يعد كتاب ( الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة ) المنسوب الى ابن الفوطي اول كتاب صدر له سنة 1932 . اما آخر كتاب طبعه فكان بعنوان ( رسائل في النحو واللغة) سنة 1969 . وبين الكتابين اصدر عددا كبيرا من الكتب المؤلفة والكتب المحققة والكتب المترجمة . فضلا عن الدراسات والبحوث والمقالات ووقائع لندوات ثقافية اذاعية وتلفازية ، جمع بعضها ونشره في كتاب ( قل ولا تقل) المشهور .

    ومن الكتب التاريخية التي قام بتأليفها :

1 . دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 وقد وضعه بالاشتراك مع الاستاذ

    محمود فهمي درويش والدكتور احمد سوسة ( مطبعة التمدن ، بغداد ، 1961)

2 . دليل خارطة بغداد المفصل ووضعه بالاشتراك مع الدكتور احمد سوسة ،

    ( مطبعة المجمع العراقي ، بغداد ، 1958)

3 . شخصيات القدر ( الشخصيات العربية) وضعه بالاشتراك مع اساتذة آخرين

     وطبع ببيروت سنة 1963.

4 . عصر الامام الغزالي ( القاهرة ، 1961)

5 . ابو جعفر النقيب( بغداد ، 1950)

6 . سيدات البلاط العباسي ( بيروت ، 1950)

7 . دار الخلافة العباسية : تعيين موضعها واشهر مبانيها ( بغداد ، 1965)

            ومن الكتب التاريخية التي حققها

1 . ( الجامع المختصر في عنوان التواريخ وعيون السير ) لابن الساعي

    البغدادي ، الجزء التاسع ، المطبعة السريانية الكاثوليكية ، ( بغداد ، 1934)

2 . المختصر المحتاج اليه من تاريخ بغداد لابن الدبيثي، الجزء الاول ، مطبعة

     المعارف / بغداد 1951 والجزء الثاني ، ، مطبعة الزمان بغداد ، 1962

3 . مختصر التاريخ لابن الكازروني ، مطبعة / الجمهورية ، بغداد 1969

4 . الفتوة لابن المعمار البغدادي الحنبلي ، مطبعة شفيق ، ( بغداد 1960)

         كما ترجم عددا من الكتب التاريخية منها :

1 . بغداد مدينة السلام تأليف ريجارد كوك ، ترجمه بالاشتراك مع الاستاذ فؤاد

     جميل ، الجزء الاول ،962 ، والجزء الثاني 1967

2 . رحلة ابي طالب خان الى العراق واروبا سنة 1213هـ/1799،

      ( بغداد، 1969)

3 . بغداد في رحلة تمور ، ( بغداد ، 1964)

     وللدكتور مصطفى جواد مئات المقالات والدراسات التي تدور حول موضوعات عديدة منها موضوعات حول ( العملة والمعاملة والقراصنة) و(سلوقية) و( انستاس ماري الكرملي واخلاقه، وازياء العرب الشعبية ، والناصر لدين الله العباسي ، واول مدرسة في العراق : مدرسة الامام ابي حنيفة ، وثورة الحرية الخالدة 1958 ، واقول في المغول ، وتعليق على تاريخ حلب ، و

( الفرقان) و( جامع سراج الدين وترجمة الشيخ) ، وحكايــــة ابي القاسـم

  البغدادي) ،(والدور الحضاري لمدارس بغداد ) و ( الربط البغدادية واثرها في الثقافة الاسلامية ) و( هاشمية الانبار وهاشمية الكوفة ) ، و( مدارس بغداد الجديدة ) و( المدرسة الكمالية ) و( المدرسة المستنصرية) و(المدرسة النظامية ) و (مدرسو مدرسة ابي حنيفة بين سنتي 459و771هـ) و( قبر ابن جنبل) و

( قبر عثمان بن سعيد العمري) و( القصر العباسي في القلعة) و( الكرخ) و(كلام في مسجد قمرية) و( محلة المأمونية وباب الازج والمختارة) و( دستور العرب القومي) و( مسجد المنطقة وبراثا) و( مشهد الكاظمين) و( المعاهد الخيرية النسوية القديمة في العراق) و ( اشهر عالمة عراقية قديمة ـ  (فخر النساء شهدة ) و ( جاوان القبيلة الكردية المنسية) و ( عبد الرحمن الناصر) ..

   هذا فضلا عن كتبه ودراساته اللغوية والادبية ، كما ان له شعر كذلك واغلبه في الجوانب الوطنية ..رحم الله الدكتور مصطفى جواد فقد كان بحق موسوعة تسير على قدميها ، وجزاه الله خيرا على ما قدم لوطنه وامته .

******************************************** 

المؤرخ الدكتور مصطفى عبد القادر النجار

       بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

لازلت اذكر ذلك اليوم من صيف سنة 1972، عندما زرت البصرة، والتقيت الأستاذ الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، المؤرخ العراقي المعروف في مركز دراسات الخليج العربي التابع لجامعة البصرة، وكان يومئذ مديرا له ويعرف الجميع أن النجار، أسس هذا المركز ورفد مكتبته بالكثير الكثير من المصادر الخليجية والتي جعلت منه المركز البحثي الأول في منطقة الخليج العربي وقد تأكدت من ذلك عندما استخدمت مكتبته وارشيفة لأكثر من مرة وخلال لقاءي بالدكتور النجار، عرفني على المؤرخ الكويتي الكبير الزميل والصديق العزيز الأستاذ الدكتور عبد المالك التميمي ودعاه ودعاني إلى حفلة عشاء فاخرة لمناسبة عودته من بريطانيا بعد انجازه لأطروحته للدكتوراه الموسومة: (التبشير في منطقة الخليج العربي)والتي صدرت ككتاب منذ بضع سنوات .

        كثيرون هم الذين ساعدهم الأستاذ الدكتور مصطفى عبد القادر النجار سواء بتسهيل نشر كتبهم أو في حضورهم للندوات والمؤتمرات التي ينظمها. ولا أنسى موافقته على طبع كتابي (تطور التعليم الوطني في العراق) على حساب مركز دراسات الخليج العربي منذ مطلع الثمانينات  من القرن الماضي، ودعواته المستمرة لي لإلقاء المحاضرات داخل اتحاد المؤرخين العرب ببغداد أيام كان يعمل أمينا عاما له، وكنا نلتقي في الندوات والمؤتمرات التي تعقد داخل العراق وخارجه، وكان معروفا بروحه المرحة، وأريحيته الطيبة، وحبه للناس، ومد يد العون للشباب من المؤرخين وتسهيل أمر تقدمهم وبروزهم ولا يستطيع احد أن ينكر ذلك، ومن ينكر ذلك فلا وفاء له.

        منذ زمن طويل، وبعد أن بدأت بتحرير موسوعتي :( موسوعة المؤرخين العراقيين المعاصرين)ونشرها في مجلة (علوم إنسانية) الالكترونية، كان في بالي أن اكتب عنه، إلا أن سفره خارج العراق، وابتعاد المصادر عني حالت دون ذلك وها أنا اليوم أحاول الكتابة عن هذا المؤرخ العراقي الجليل الذي كان له دور كبير في إثراء (الدعامة الخليجية العربية) في بنيان (المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة).

        ولد في البصرة سنة 1936ودرس في مدارس البصرة، ثم أكمل البكالوريوس في التاريخ من كلية الآداب _جامعة بغداد سنة 1958 ،وبعدها نال الماجستير من جامعة عين شمس سنة 1969 ثم الدكتوراه من الجامعة ذاتها سنة 1973، وعمل مدرسا في عدد من المدارس الثانوية قبل انتقاله إلى الجامعة ليكون أستاذا فيها، ومن المدارس التي عمل فيها ثانوية المعقل بالبصرة (1959-1964) ،كما عين مديرا لمتوسطة الجمهورية في البصرة (1962_1963)، وكان عنوان رسالته للماجستير :(عربستان خلال حكم الشيخ خزعل 1897_1925). أما عنوان أطروحته للدكتوراه فكان (العلاقات السياسية للعراق مع القوى المجاورة في شط العرب 1913_1939).

        بعد حصوله على الدكتوراه، عمل مدرسا مساعدا في قسم التاريخ بكلية الآداب_جامعة البصرة (1969_1977)، فمدرسا (1973_1977)، فأستاذ مساعدا (1977_1982) فأستاذا مشاركا (1983_1984) فأستاذا في 1984.

        عين مديرا لمركز دراسات الخليج العربي للمدة 1974_1984 ثم نقل للعمل  في الجامعة المستنصرية سنة 1984. وبين 1985 و1992 شغل منصب الأمين العام لاتحاد المؤرخين العرب ،وعندما كان مديرا لمركز دراسات الخليج العربي ، انتخبه زملاءه في مراكز الخليج العربي وللمدة من 1974_1984 أمينا عاما لمراكز  دراسات الخليج العربي والجزيرة العربية.

     ألف عددا كبيرا من الكتب منها:

1_ التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية، منشورات دار المعارف مصر 1971، ص 389.

2_ التاريخ السياسي لمشكلة الحدود الشرقية للوطن العربي في شط العرب، منشورات جمعية الدفاع عن عروبة الخليج العربي 1974، 279ص

3_ التاريخ السياسي لعلاقات العراق الدولية بالخليج العربي، منشورات مركز دراسات الخليج العربي 1975، 356ص

4_  دراسات في تاريخ الخليج العربي المعاصر ، منشورات معهد البحوث والدراسات العربية بالقاهرة 1978، 115ص.

5_دور السجلات الهندية ومخطوطاتها من وثائق العراق وبقية أقطار الخليج العربي والجزيرة العربية (بالاشتراك مع الأستاذ  الدكتور عبدالامير محمد أمين)، منشورات مركز دراسات الخليج العربي 1978، 161ص.

6_التطور التاريخي لقضية الجزر الثلاثة في الخليج العربي، منشورات جمعية الدفاع عن عروبة الخليج العربي في القطر العراقي 1972، 240ص

7_يوميات البصرة وتقع بجزئين بالاشتراك مع الدكتور عبدالامير محمد أمين، منشورات اتحاد المؤرخين العرب، بيروت 1980،جـ 1، 396ص، 408ص

8_ عربستان وشخصيتها العربية (بالاشتراك مع فؤاد الراوي) صدر عن مركز دراسات الخليج العربي سنة (1981 بغداد)

9_دراسات تاريخية لمعاهدات الحدود الشرقية للوطن العربي 1848_1980 صدر عن اتحاد المؤرخين العربي (1981)، بغداد.

10_الحدود الشرقية للوطن العربي دراسة تاريخية بالاشتراك مع مجموعة من الأساتذة صدر عن جمعية المؤرخين والاثاريين في العراق ،(1981 بغداد).

11_ إمارة المحمرة،دراسة لتاريخها العربي (1812_1925) وزارة الإعلام،(1981 بغداد).

12_الاعتداءات الفارسية على الحدود الشرقية للوطن العربي، إصدار وزارة  الخارجية العراقية ،(1981 بغداد).

13_ قضية عربستان بين الاعتداءات الفارسية والحق العربي، منشورات وزارة الاعلام،(1981 بغداد).

14_التاريخ القومي لإمارة المحمرة_منشورات اتحاد نساء العراق، قسم البحوث العربية (بغداد1982).

15_جزيرة خارج، من جزر الخليج العربي(بالاشتراك مع الدكتور محمد وصفي أبو مغلي)، منشورات الأمانة العامة للمركز والهيئات العلمية المهتمة بدراسات الخليج العربي والجزيرة العربية،(البصرة 1983).

16_ العراق في التاريخ (بالاشتراك مع مجموعة باحثين) (بغداد1983).

17_الصراع العراقي الفارسي(بالاشتراك مع مجموعة باحثين) (بغداد1983).

18_تاريخ الخليج العربي الحديث المعاصر (بالاشتراك مع مجموعة أساتذة) منشورات جامعة البصرة (البصرة 1984).

ومن بحوثه ودراساته:

1_الحركة العربية السياسية في إمارة الخليج العربي الشمالية قبيل الحرب العالمية الأولى، مجلة كلية الآداب، جامعة البصرة العدد (5) لعام 1971،ص 17_139

2_ رأي في معاهدتي أرضروم وسايكس- بيكو وأثرهما على الوضع السياسي للوطن العربي، مجلة المعلم، العدد الثاني لسنة 1986

3_ عروبة الخليج من خلال كتابات المؤلفين الأجانب، مجلة المؤانى، العدد 7 لسنة 1970

4_العلاقات الدولية لروسيا والاتحاد السوفيتي بالخليج العربي، مجلة الخليج العربي، جامعة البصرة، العدد الثاني 1974، ص 99_159  

5_المحاولات الوحدوية السياسية المعاصرة في الخليج العربي، مجلة الخليج العربي، جامعة البصرة، العدد الخامس 1975، ص61_90

6_بريطانية وتحديد السيادة على جزر الخليج العربي في الفترة مابين الحربين كما تكشفها الوثائق البريطانية، مجلة الخليج العربي، جامعة البصرة، العدد الثامن 1977، ص27_35.

7_أضواء على أول محاولة وحدوية معاصرة في الخليج العربي مجلة أفاق عربية العدد الثامن 1976

8_ مياه شط العرب في العلاقات العراقية_الكويتية، مجلة الثقافة العربية الليبية، العدد الثامن السنة الثالثة 1976

9_شركة الهند الشرقية، ملامحها وابرز سماتها في الخليج العربي، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية بجامعة الكويت، العدد الخامس عشر لسنة 1978

10_الوثائق البريطانية وأهميتها في كشف المصالح البريطانية في جزيرة العرب بعد الحرب العالمية الأولى (1918_1926)مجلة المؤرخ العربي، العدد العاشر لسنة 1979، ص 75.

11_ حاضر الخليج العربي والصراع الدولي، مجلة أفاق عربية العدد الأول، السنة السابعة(أيلول 1981 ).

12_واقع الثقافة في الخليج العربي، مجلة أفاق عربية العدد 12، السنة السادسة (آب 1981 ).

13_ البصرة أول قاعدة للتوسع العثماني،مجلة دراسات تاريخية (دمشق)، العدد 3 لسنة 1981

14_ندوة حول الملاحة البحرية في الخليج العربي، مجلة العلوم الاجتماعية بجامعة الكويت، العدد الأول السنة الحادية عشر، أذار 1983.

15_ Period of Arab Sovereignty over the shatt al Arab during the ka’bites Prof. Dr. Mustafa Abdul Qadar Al-Najjar and Safwat (Symposium on Iran_ Iraq War _London 1984).    

16_ فكر الثورة العربية لعام 1916 واستقلال العرب_مجلة المستقبل العربي (11_1985)، مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت).

17_ محاولة لفهم النظرية القومية في التاريخ العربي، مجلة الباحث العربي، العدد 6 يناير 1986 (مركز الدراسات العربية، لندن).

    وقد أولع بتقديم مراجعات للكتب التي لها علاقة بتخصصه منها:

1_ الخليج العربي دراسة لتاريخه المعاصر 1945_1971، تأليف الدكتور جمال زكريا قاسم، عرض الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، العدد 34، لسنة 1975، ص 134. مجلة الخليج العربي جامعة البصرة.

2_ الخليج العربي (دراسة لتاريخ الإمارات العربية) 1914_1945، تأليف الدكتور جمال زكريا قاسم، عرض الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، المجلة المصرية للدراسات التاريخية المجلد العشرون لسنة 1973، ص 219_333.

3_ الخليج العربي والعلاقات  الدولية 1890_1914 تأليف الدكتور محمود علي الداود مراجعة الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، العدد 9 لسنة 1977، ص129.

4_ أفاق التنمية الصناعية في دول الخليج العربي، تأليف الدكتور عبدالاله أبو عياش مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، (الإصدار الثاني) 1979، مراجعة الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، ص 151_155

5_ لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، الجزء السادس من عام 1920_1924 تأليف الدكتور علي الوردي،مطبعة المعارف، بغداد 1986، عرض ونقد الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، مجلة الجامعة، إصدار المركز الثقافي الاجتماعي في جامعة الموصل، العدد الثاني تشرين الثاني 1976، ص 65_76.

6_الشؤون القطرية من سنة 1873م إلى 1904م، تأليف جي. أي، سالدانا،عرض ونقد الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، مجلة التربية اصدار اللجنة الوطنية القطرية للتربية والثقافة والعلوم، الدوحة السنة السابعة، العدد 27، يونيو 1978.

7_التطورات الاجتماعية والاقتصادية في الخليج العربي إعداد، تيم نيبلوك (لندن 1980) عرض الدكتور مصطفى عبد القادر النجار، جريدة الثورة، بغداد العدد 3744 في 28 آب 1980، ومجلة كلية الآداب بجامعة البصرة (العدد 18، 1981).

8_ مناقشة الادعاءات الفارسية في الحرب العراقية- الإيرانية كما أصدرتها وزارة الخارجية الإيرانية ، (منشور في مجلة شؤون خارجية/ وزارة الخارجية العراقية، العدد الاول 1982.

9_ جرائم التعاون مع العدو في زمن الحرب، رسالة دكتوراه تأليف سعد إبراهيم الاعظمي (مجلة الخليج العربي) العدد 1 المجلد 17 1985

10_ المدارس اليهودية والإيرانية في العراق، تأليف الدكتور فاضل البراك (مجلة الخليج العربي) .

ومن المؤتمرات والندوات والحلقات النقاشية التي حضرها:

1_ إقامة الاسبوع الثقافي الخليجي في مدينة فاس بالمغرب 1981

2_ ندوة شط العرب بمركز دراسات الخليج العربي بجامعة اكستر 1982

3_ندوة العلماء الافارقة ومساهماتهم في الحضارة العربية والإسلامية جامعة أم درمان في السودان 1983

4_ندوة اليمن بمركز دراسات الخليج العربي بجامعة أكستر 1983

5_ندوة الحوار العربي -الأوربي في كاجينانبا بايطاليا بإشراف المعهد الدولي بمؤسسة أديناور الألمانية

6_ندوة العلاقات العربية_التركية ، جامعة اليرموك _الاردن1985

7_ندوة الغزو الثقافي الأجنبي لدول الخليج العربي ، مكتب التربية لدول الخليج (مسقط 1985)

كما حاضر في مؤسسات علمية عديدة منها:

1_ محاضرة معهد البحوث والدراسات العربية التابعة للمنظمة العربية والثقافة والعلوم بالقاهرة عام 1978

2_  محاضرات في  جامعة البكر للدراسات العليا_ بغداد (الأعوام 1977  1978،1979، 1984)

3_ محاضرة في كليات جامعة البصرة 1969_1984.

4_ محاضرة في جامعات الخليج العربي للأعوام 1975_1984

5_ محاضرة في الندوات التلفزيونية والمنظمات الجماهيرية 1969_1984.

 

    وللدكتور النجار عضوية في جمعيات ومنظمات ونقابات ومجلات عديدة وكما يلي:

1_ عضو جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين (ورئيس فرع الجمعية في البصرة لعامي (1973_1974)

2_ عضو جمعية المؤلفين والكتاب العراقيين

3_ عضو الهيئة الاستشارية بوزارة الخارجية

4_ عضو منظمة العلوم الاجتماعية في الشرق الأوسط بالقاهرة

5_ عضو نقيب المعلمين فرع البصرة (1978)

6_ عضو مجلس إدارة معهد الدراسات الإفريقية والأسيوية بالجامعة المستنصرية

7_ عضو نقابة الصحفيين العراقيين

8_ عضو هيئة تحرير مجلة الشؤون الخارجية التابعة لوزارة الخارجية العراقية

9_ رئيس تحرير مجلة الخليج العربي بجامعة البصرة  1974_1984

10_ رئيس تحرير مجلة المؤرخ العربي _ اتحاد المؤرخين العرب

 

     هذا فضلا عن اشتراكه في لجان علمية وإدارية لأكثر من عشرين عاما في الجامعات ووزارة التربية والتعليم العالي والبحث العلمي.

     وللدكتور النجار رؤى واضحة بخصوص دراسة وقراءة التاريخ العربي الحديث وتاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر وهو ميدان تخصصه الدقيق فهو يرى أن الخليج العربي هو جزء من الوطن العربي. وان أي تغير يبتعد عن هذه الحقيقة لايمكن أن يجد له المناخ للديمومة والبقاء. لذا فان أية  دعوة برزت في منطقة الخليج العربي تدعو إلى الأسرية أو العشائرية أو القطرية أو الاقليمية  في كتابة التاريخ أجهضت ولم يكتب لها النجاح. والواقع أن منطقة الخليج العربي قد ابتليت بتلك الدعوات من لدن نفر أغره الكسب المادي على حساب الأمانة التاريخية،فاصطنع لبعض الأقطار تاريخا قديما ووسيطا وحديثا ، وهم  يضربون صفحات عن كل ماجرى في الوطن العربي في ميدان الفعل التاريخي، ويهملون التفاعلات التاريخية والحضارية، ويعزلون تاريخ القطر الواحد عن الروافد التي صبت فيه وتلك التي صب فيها، ويخلون بوحدة التاريخ الكبرى التي يؤلف أي تاريخ قطري جزءا منها.

كما أن الاهتمام بالتاريخ السياسي قد تم تجاوزه إلى التاريخ الاقتصادي والاجتماعي والحضاري والفكري والعسكري والنفسي، وبهذا فان الرؤية التاريخية لصيرورة الأمة ومسارها عبر التاريخ قد اكتملت تفسيراتها ولم تبق أسيرة جانب واحد أو نظرة ضيقة ومن هنا لابد أن نتفائل بان تاريخ الخليج العربي بدا في المرحلة المعاصرة يأخذ موقعه بين الكتابات التاريخية القومية، وخرج من الطرق التقليدية والتفسيرات والمدارس والقيود والانحرافات والتشويهات التي ابتله بها ردحا من الزمن،باعتبار أن أزمة الواقع العربي المعاصر خلق وإبداع للدراسات التاريخية، ذلك إن الأمة في أوقات محنتها تعود إلى التاريخ لتستمد منه القوة ولتفيد في سعيها لبناء حياتها القومية الجديدة، وعليه إن المدرسة التاريخية المعاصرة التي يتبناها اتحاد المؤرخين العرب ويصر على نشر دعوته لإعادة كتابة تاريخ الأمة من منطلق خصوصيتها وأهدافها ورسالتها الخالدة تستدعي منا وقفة تاريخية شاملة لتجيب عن أسئلة أساسية عن واقع العرب في منطقة الخليج العربي المعاصر والقيم التي يؤمنون بها ويسعون لتحقيقها ومن أي جذر نبتت وتفرست المعاصرة العربية في الخليج العربي، وماهية عناصر قوتها وضعفها، وماهي طبيعة التراث التي تؤمن به والنهضة التي تتوثب لبنائها. هذه المدرسة التي تبناها المؤرخون في الاتحاد تدلنا على أن الإنسان العربي في الخليج العربي الذي يعيش الحاضر لايمكنه ان يشيح بوجهه عن الماضي وان التنبه الى التاريخ العربي كان من أعظم أركان تلك المدرسة، على ان تكون العودة إلى التاريخ عودة أصيلة متبصرة يوضحها فهم صادق لعلاقة الماضي بالحاضر والمستقبل، وتذهب المدرسة القومية التاريخية في الاتحاد الى انه كلما ارتفعت مراتب الإنسانية عند الإنسان العربي في الخليج العربي ارتقت نظرة التاريخ وغزر فعله التاريخي، وكلما كان وعيه للماضي أعمق، اغتنى كيانه الإنساني ،وزاد الحس التاريخي والفعل التاريخي لديه.

إن كتابة تاريخ الخليج العربي يجب أن ترتفع فوق مجرد رواية الأحداث وترديد الإخبار إلى استجلاء معانيها وبيان آثارها في مشكلات الحياة المعاصرة، والمساهمة في تنقية كيان المنطقة الذاتي وتأصيله واغنائه، والعودة إلى سير الإبطال وسجل الانتصارات وروائع الأدب والشعر، ومآثر العلم والأخلاق والقيم والمبادئ لبناء حياة الخليج العربي الجديد.

ولهذا بات واضحا بان الصناعة التاريخية تلك تكاد تكون صعبة، فهي تنطوي على سلسلة من الجهود المحكمة المتتابعة تبدأ في اكتشاف الأثر أو الوثيقة الخليجية التي خلفها الماضي وتنتهي بالتأليف التاريخي لبلوغ الهدف السامي، ولابد هنا من ان نذكر بان تلك الايجابيات قد تخفي بين طياتها سلبيات او مصاعب في كتابة تاريخ الخليج العربي، يجب ان تتنبه لها المدرسة القومية التاريخية المعاصرة إذا ما اردنا لتاريخنا في الخليج العربي المجد وعدم الشطط، ومن تلك السلبيات تجزئة الحقيقة التاريخية التي تكون في كثير من الأحيان اصطناعية وحصر النظر في الجزيئات، وعجز بعض المؤرخين عن رؤية الصورة شاملة، فيأتي إنتاجهم مخلا مضلا. وهذا ما وقع فيه مؤرخون كتبوا عن تاريخ الخليج العربي وهم في الوقت نفسه يتبنون الدعوة كتابة ماشوه منه. 

فاختيار المصطلح التاريخي بات من أولى ضروريات البحث، فلا يمكن إقرار مصطلح الإنسان الخليجي مثلا أو الحضارة الخليجية أو التراث الخليجي أو الثقافة الخليجية وغيرها في وقت تدعو المدرسة التاريخية الجديدة لإصلاح ماافسده الدهر.  

********************************


المؤرخة الدكتورة مليحة رحمة الله

     بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

من المؤرخات العراقيات الرائدات المعاصرات ، وعندما كنت طالبا في اوائل الستينات من القرن الماضي ، عرفتها عن كثب .. كانت مثالا للاستاذة القديرة الفاضلة ، وقد حظيت باحترام طلبتها وزملائها .. اهتمت منذ وقت مبكر من حياتها العلمية ، بتاريخ الحياة الاجتماعية العراقية في وقت كان التاريخ السياسي ، وتاريخ الحروب والصراعات ، هو النمط الغالب على الدراسات التاريخية ليس في العراق وانما في البلدان العربية الاخرى ومنها مصر .. ولدت الاستاذة الدكتورة مليحة رحمة الله في بغداد سنة 1925 ، واكملت فيها دراستها الابتدائية والمتوسطة والثانوية . دخلت كلية الملكة عالية (كلية التحرير للبنات بعد ثورة 14 تموز 1958) وحصلت على ليسانس تاريخ سنة 1950 . التحقت بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة ونالت الماجستير في التاريخ الاسلامي سنة 1952 بعنوان : المرأة في بغداد ابان القرنين التاسع والعاشر من خلال تاريخ ابن الخطيب البغدادي

The Women of Baghdad in the Ninth and tenth centuries as revealed in the  history of Baghdad of AL- Hatib                                                         

 سافرت الى مصر لتلتحق بكلية الاداب ـ جامعة القاهرة ، وفي سنة 1968 حصلت على الدكتوراه في التاريخ الاسلامي عن رسالتها الموسومة ( الحالة الاجتماعية في العراق في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة )) وكان باشراف الاستاذ الدكتور محمد جمال الدين سرور وقد طبعت في كتاب بمطبعة الزهراء ببغداد سنة 1970 ويقع الكتاب في (180) صفحة من القطع الكبير  .

     عادت الى العراق لتعين مدرسة في قسم التاريخ بكلية الاداب جامعة بغداد ، وقد اصدرت سنة 1953 اول كتاب لها بالانكليزية تحت عنوان ((المتصوفات في بغداد )) .

   كانت لها نشاطات علمية واجتماعية ومهنية ، فهي عضوة في جمعية حقوق الانسان في العراق ، وعضوة في اتحاد المؤرخين العرب ، ولها اكثر من (30) بحثا منشورا في المجلات العراقية والعربية معظمها يدور حول المجتمع العباسي وما فيه من دور للمرأة والغناء والموسيقى .  كتب عنها صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في الجزء الثاني من موسوعته (اعلام العراق في القرن العشرين) وقال عنها انها (( باحثة في التاريخ )) وانها حصلت لمساهماتها المتميزة في خدمة حركة التاريخ على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب سنة 1985 .

  اهتمت بتاريخ التعليم في الدول العربية الاسلامية ونشرت اكثر من بحث في هذا المجال . وقد نشر احد بحوثها باللغة الانكليزية ببغداد سنة 1963 ويدور حول التعليم عند ( محمد بن خلف القابسي) وعنوان البحث هو

A fourth Century Education :  Aba –al Hassan Al : B .Khalaf                       

      Al –Qabisi , (Baghdad ,1963)                                                                

  والقابسي هو ابي الحسن علي بن محمد بن خلف المعافري القيرواني القابسي المتوفى سنة 403هـ  وعنوان رسالته في التربية والتعليم ((الرسالة المفصلة لاحوال المعلمين واحكام المعلمين والمتعلمين)) .  كما ان لها كتاب نشر بالانكليزية ببغداد سنة 1963 بعنوان :

(( The treatment of the Dhimis in Ammoyyud and Abbasid periods))

    كانت الدكتورة مليحة رحمة الله ترى ((بان دراسة الحياة الاجتماعية بكل وجوهها ، ولأية بيئة او مجتمع من العالم يمكن ان تعكس بصورة واضحة مدى نهضة هذه البيئة او هذا المجتمع ومركزه في حينه بين المجتمعات والحواضر الاخرى )) .. وعلى الرغم من صعوبة دراسة مثل هذا النمط من الدراسات التاريخية ، لقلة المصادر وعزوف الباحثين عنه واتجاههم نحو ((جعل الجانب السياسي من العملية التاريخية وحده وما رافق هذا الجانب من وقائع وحروب واحداث مادة لحديثهم وكتاباتهم الرئيسة عن تلك الفترة )) ، مع  هذا فانها عمدت الى لم شتات ما تتناثر من معلومات عن الحياة الاجتماعية في العراق ابان العهود الاسلامية وخاصة في القرنين الثالث والرابع الهجريين (التاسع والعاشر الميلاديين) .

   كتب الاستاذ الدكتور محمد جمال الدين سرور ، استاذ التاريخ الاسلامي في كلية الاداب ـ جامعة القاهرة يوم 12 نيسان 1969 تقديما لكتاب الدكتورة رحمة الله الموسوم: ((الحالة الاجتماعية في العراق في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة )) يقول ان الدكتورة مليحة رحمة الله اهتمت بالحياة الاجتماعية في العراق اهتماما كبيرا لما لهذه الحياة من دور في التكوين التاريخي العربي الاسلامي ، فقد بحثت عناصر السكان في العراق واثرها في الحياة الاجتماعية ، فتحدثت عن تزايد عدد الاتراك في القرن الثالث الهجري ، وبينت ما كان لهذا العنصر من اثر بالغ في المجتمع العراقي ، ثم تحدثت عن العنصر الفارسي وعودته الى السيادة والسيطرة ممثلا في بني بويه ، واهتمت الى جانب ذلك بابراز آثار هذا العنصر على مظاهر الحياة الاجتماعية . كما عنيت بتوضيح موقف العنصر العربي ، وبينت كيف احتفظ بتقاليده على الرغم من فقده كثيرا من نفوذه ومكانته ، وعرضت لعنصري الروم والزنج وشرحت مدى تأثيرهما في العراق ، واهتمت بالتحدث عن الرقيق على اختلاف انواعه والاثار الاجتماعية التي ترتبت على تكاثر الارقاء ، وخصت الباحثة الطوائف الدينية بكثير من اهتمامها كالاشراف واهل الذمة ، كما افردت فصلا مهما عن التنظيمات الاجتماعية والمهنية والحرفية والاصناف كالعلماء والتجار وارباب الحرف والعامة ، ووضحت خصائص كل  طائفة ومستوى معيشتهم ومكانة كل منها في المجتمع العراقي )) .

  ولم تغفل الدكتورة رحمة اللة دراسة مظاهر البذخ والترف عند الخلفاء او كبار رجال الدولة ، فاشارت الى حرص الخلفاء على تشييد القصور وما تبع ذلك من اقتداء الامراء والوزراء ورجالات الدولة بهم حتى عمرت كل من بغداد وسامراء بالمباني الفخمة ، والاهم من ذلك كله انها وضحت ما كان لهذا من آثار اجتماعية منها التفاوت الطبقي بين الحكام وبين غيرهم من سائر افراد الشعب وما جره ذلك من ويلات كانت ذروتها سقوط الدولة .  

   واهتمت الدكتورة رحمة الله بموضوعات اخرى منها المجالس الاجتماعية وتطور الغناء والموسيقى وارجعت ذلك  التطور الى تأثر العباسيين بالفرس والروم وتكاثر عدد الجواري وانحراف الحياة الاجتماعية عن الاسس الاسلامية الاولى ، ومما يعطي لدراسات الدكتورة مليحة المصداقية العلمية انها كتبت احداث الماضي كما وقعت ودون ان تتدخل ، ومن هذا القبيل اشاراتها الى وضع العادات والتقاليد والاخلاق وتنويهها الى ما كان هناك من عادات مألوفة وغيرها مرذولة .  وقد احتلت المرأة حيزا مهما في اهتماماتها ، فعرضت لوضع المرأة واثرها في المجتمع العربي الاسلامي واشارت الى بعض النساء اللاتي برزن في دراسة الحديث والعلوم واتجاه بعضهن الى حياة الزهد والتصوف وانتهت في دراستها عن المرأة في القرنين الثالث والرابع بعد الهجرة الى ان ((منزلتها لم تكن تبعث على الارتياح بسبب  انتشار الجواري في القصور والدور )) . لقد استطاعت ، كما قال الدكتور سرور ، ((بما بذلته من مجهود في ان تلقي اضواء على حقيقة المجتمع العراقي )) دون اية (رتوش) .

    سالت زميلي وصديقي واخي الاستاذ الدكتور خليل علي مراد ، الاستاذ في قسم التاريخ بكلية التربية ـ جامعة الموصل يوم 28 مايس 2006 عن الدكتورة مليحة رحمة الله وكان من تلامذتها في قسم التاريخ بكلية الاداب ـ جامعة بغداد اوائل السبعينات من القرن الماضي فقال : (( درست على يدها تاريخ الحضارة العربية الاسلامية عندما كنت طالبا في قسم التاريخ ـ كلية الاداب ـ جامعة بغداد (1970 ـ1972) وقد عرف عنها حسن التعامل وممارستها الاسلوب التربوي تجاه طلبتها ولها قدرة متميزة على تشخيص المتميزين منهم وحثهم على الدراسة وتكليفهم بكتابة البحوث لتوسيع افق تفكيرهم في موضوعات تاريخية مختلفة )) .

    نشرت الدكتورة مليحة رحمة الله بحوثا عديدة في مجلات عراقية وعربية ، دار معظمها حول تخصصها واهتمامها المتمركز على جوانب مهمة من الحضارة العربية الاسلامية كالملابس والمجالس وما شاكل ولعل من ابرز ما كتبت في هذا المجال

1 . ((الملابس في العراق خلال العصور العباسية)) ،ونشر في المجلد (13) من المجلة التاريخية المصرية .

2 . ((الغناء والموسيقى والمجالس الاجتماعية في العصر العباسي )) ، ونشر في المجلد (14) من المجلة التاريخية المصرية .

    كانت رؤية الدكتورة مليحة رحمة الله الى التاريخ ، تتلخص في ان العملية التاريخية ليست مقتصرة على الجانب السياسي ، وانما هناك جوانب اجتماعية واقتصادية وثقافية يحسن بالمؤرخ الانتباه اليها وتوثيقها ، وكانت ترى ان عظمة الامة وعظمة الدولة ترتكز على القاعدة الاقتصادية والاجتماعية ومتى تغيرت هذه القاعدة ، فان ثمة امور كثيرة تحدث في كيان الدولة وكيان المجتمع وكيان الامة.. ومن هنا فانها ركزت على وضع العامة من الناس واشارت الى وجود تفاوت طبقي في المعيشة بين حياة الترف التي كان يحياها الخلفاء واتباعهم وخاصة في العصور العباسية ، وبين طبقة العامة ومن نتائج وآثار ذلك في المجتمع كثرة الثورات ضد الحكام وقد شغلت تلك الثورات ((الدولة العباسية عدة سنوات ، وكلفتها كثيرا من الاموال والدماء ، ونخص بالذكر ثورة الزنج ضد ملاك الارض وثورة الزط وثورات العيارين والشطار على الحكام .. كما كان لحياة الترف التي نعم بها الخلفاء تأثير سيء في الدولة ))  وكثيرا ما دفع الميل الى الترف ، بعض رجالات الدولة الى الالتجاء الى الرشوة ومن الطبيعي ان ينعكس ذلك كله على وضع الدولة ومستقبلها .. ان الدكتورة مليحة رحمة الله ، مؤرخة مقتدرة ، اصيلة في رؤيتها التاريخية ، موضوعية في منهجها وتستحق منا كل التقدير والاحترام . 

********************************************************* 

المؤرخ مير بصري (1911 ـ2005)

   بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث - جامعة الموصل

  في الدليل العراقي الرسمي لسنة 1936 والذي حرره بشكل رئيسي محمود فهمي درويش إلى جانب نخبة من المثقفين العراقيين البارزين آنذاك وصدر سنة 1937 كان اسم مير بصري واحدا من معدي هذا الدليل التاريخي الاقتصادي السياسي الاجتماعي الثقافي المهم ، والذي يعد لحد يومنا هذا مصدرا من مصادر دراسة تاريخ العراق المعاصر . ولعل ابرز ما يمكن أن يقال في هذا الصدد أن مير بصري كتب المباحث المتعلقة بتجارة العراق عبر العصور التاريخية ، وكانت مباحثه علمية ودقيقة ومعبرة عن واقع التجارة في العراق وماضيها ومستقبلها ..

    جاء في الدليل العراقي الرسمي ((ان مير بصري من أدباء الشباب المطلعين على الآداب الغربية كالفرنسية والإنكليزية وله قصص وأبحاث أدبية  . وقد اشغل وظيفة ملاحظ وزارة الخارجية ووكالة مديرية التشريفات وهو ألان (1936) معاون سكرتير غرفة تجارة بغداد )) .

   وبعد ثورة 14 تموز 1958 وسقوط النظام  الملكي وتأسيس الجمهورية ، استقر الرأي على إصدار دليل جديد للعراق ، وقد صدر سنة 1961 ببغداد ما عرف بـ ( دليل الجمهورية العراقية ) وبتحرير محمود فهمي درويش ومصطفى جواد وفي الصفحات الأخيرة من الدليل التي بلغت (قرابة 800 صفحة من القطع الكبير) جاء ذكر محرري الدليل ومن بينهم فضلا عن جواد ودرويش ، الأستاذ الدكتور عبد الرزاق محي الدين والأستاذ الدكتور عبد الصاحب العلوان ، والأستاذ الدكتور كور كيس عواد والأستاذ محمد رؤوف الغلامي والأستاذ مراد رشيد آل مراد والأستاذ الدكتور ضياء خلوصي والأستاذ الدكتور صادق الخياط والأستاذ الدكتور راغب فهمي خليل والأستاذ الدكتور عبد الرزاق حسن والأستاذ الدكتور عبد الجبار البكر والأستاذ الدكتور خالد الجادر والأستاذ بشير اللوس والأستاذ حافظ جميل والأستاذ الدكتور باقر كاشف الغطاء والأستاذ الدكتور حسن كتاني . وكان من بينهم الأستاذ مير بصري كذلك . ولد مير شاؤول بصري في 19 أيلول / سبتمبر سنة 1911 ، وهو بغدادي من أسرة (عوبديا) اليهودية المعروفة.  تعلم في مدرستي التعاون والاليانس البغداديتين وهما من المدارس الأهلية.  درس الاقتصاد ومارس الأدب العربي بكل فنونه ومنه الأدب التاريخي وقرأ من الأدب (الإفرنجي) ، وظف في وزارة الخارجية مدة .. هكذا جاء في دليل الجمهورية العراقية لسنة 1960 وعلى الصفحة 793 . ومما جاء كذلك أن مير بصري عين مديرا لادارة  غرفة تجارة بغداد وقد تولى إصدار مجلتها الشهرية (مجلة غرفة تجارة بغداد) ثماني سنوات (1938 ـ1945) . اشرف على إصدار القسم الإنكليزي من الدليل العراقي لسنة 1936 . وأوفدته غرفة تجارة بغداد لحضور مؤتمر التجارة العالمية المنعقد في راي من أعمال نيويورك في الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1944 .  انتخب بعد ذلك عضوا في المجلس العام للواء بغداد ومجلس إدارة اللواء . عين مديرا للدعاية والتجارة في مديرية جمعية التمور العامة فمعاونا لمديرها العام . له عدة مؤلفات مطبوعة في الاقتصاد والاجتماع والأدب منها : ( مباحث في الاقتصاد العراقي ) (1948 ) ( رجال وظلال ) ، و(أغاني الحب والخلود) ، (نفوس ظامئة) و(الحرية ) و(رسالة الأدب العربي) وغيرها وهو مثقف واسع الاطلاع وخاصة في الاقتصاد العراقي ، كتب لدليل الجمهورية العراقية مبحث ( التجارة في العراق) واستغرق الصفحات 748 ـ757 وفي هذا المبحث تحدث عن ( تجارة العراق قبل قرن واحد) ، أي في القرن التاسع عشر وتجارة العراق قبل نصف قرن ( أي في مطلع القرن العشرين) ثم تطور تجارة العراق الخارجية وقسمها إلى خمسة مراحل أو كما سماها هو (ادوار) وهي الدور الأول : دور ما قبل الحرب العالمية الثانية ودور

 الحرب 1942 ـ1945 ودور ما بعد الحرب 1946 ـ 1950 ودور ما قبل الثورة 1951 ـ1957 ودور الثورة من 1958 . وتحدث وبالأرقام عن تجارة الاستيراد واهم البضائع المستوردة واسواق التجهيز وتجارة التصدير وقيمة الصادرات واسواق التصدير وتجارة المرور( الترانسيت) .

   منذ الثمانينات من القرن الماضي ، قرأت له كتابا مهما أرخ فيه للفكر العراقي الحديث وكان بعنوان : ((أعلام اليقظة الفكرية في العراق )) (1983 ) وكان بحق من أوائل الكتب التي تناولت موضوع اليقظة الفكرية في العراق المعاصر كما اصدر سنة 1994 كتابه (أعلام الأدب العراقي الحديث في جزأين) واصدر كتابا مهما آخر ، لا يزال يعد من ابرز مصادر التاريخ الاقتصادي في العراق وهو بعنوان ((مباحث في الاقتصاد العراقي)) . ومما ساعده على إخراج هذا الكتاب عمله في غرفة تجارة بغداد ولسنوات طويلة .

   كتب الأستاذ عزيز قادر الصمانجي مقدمة لكتابه الموسوم((أعلام التركمان والأدب التركي في العراق الحديث)) والذي نشرته دار الوراق في لندن سنة 1997 فقال أن الأستاذ مير بصري غني عن التعريف . وقد غادر العراق سنة 1974 واقام في لندن .. وله مذكرات منشورة بعنوان ( رحلة العمر ) ومن بين مؤلفاته كتب تتضمن تعريفا برجالات العراق وإسهاماتهم السياسية والثقافية والأدبية وهي على التوالي

   1 . إعلام السياسة في العراق المعاصر ، وقد نشرته دار رياض الريس للكتب والنشر ، ( بيروت ، 1987) .

    2 . أعلام الكرد وقد نشرته دار رياض الريس ، في لندن 1991 .

    3 . أعلام الوطنية والقومية العربية ، ونشرته دار الحكمة في لندن سنة 1999

     4 . أعلام التركمان والأدب التركي في العراق الحديث وقد نشرته دار الوراق في لندن سنة 1997 .

      في كتابه  (أعلام السياسة في العراق المعاصر ) أرخ مير بصري لـ (14 ) شخصية عراقية كان لها دورها في تكوين العراق المعاصر أبرزها ( فيصل الأول) و( فيصل الثاني) و( عبد الرحمن النقيب) ,( عبد المحسن السعدون) و( جعفر العسكري) و(ياسين الهاشمي) و (يوسف السويدي) و(ناجي شوكت)وتوفيق السويدي ) . كما تضمن الكتاب مبحثان مهمان تعرض في الأول لوقائع ونتائج واثار الثورة العراقية الكبرى 1920 . وناقش في الثاني مجريات ( ثورة 14 تموز 1958 ) . وفي هذا المبحث قال أن الإنكليز استأثروا بالعراق بعد احتلالهم له (1914 ـ1918 ) لتحقيق ثلاثة أهداف هي على التوالي : تأمين طريق الهند والاحتفاظ بحصة كبيرة من التجارة العراق وتأمين موارد النفط . لكنه لم يغفل دورهم في تحقيق الوحدة العراقية والقضاء على حركات التمرد في الشمال والجنوب ومساعدة العراق على نيل استقلاله ودخوله عصبة الأمم سنة 1932 قبل أية دولة عربية أو نامية أخرى . كما انهم يسروا تفاهم العراق مع جيرانه وتحديد الحدود بما يضمن مصلحة القطر وأمنه ، فالحقت ولاية الموصل بالعراق بفضل جهودهم وقاموا بتسوية الخلافات وتوطيد العلاقات مع تركيا وإيران والمملكة العربية السعودية وفرنسا .. ومع أننا لا نتفق مع مير بصري في بعض آرائه واستنتاجاته وانطباعاته عن الشخصيات التي قدر لها أن تحكم العراق طيلة أل(70) سنة الماضية إلا أننا نقدر اجتهاداته ونحترمها ، فهي نتاج تكوينه وظروفه وخبراته في أوضاع العراق وسياساته الداخلية والخارجية .

     أما في كتابه أعلام الكرد فقد حرص على ذكر حيوية الشعب الكردي ، وما أنجبه من زعماء وأدباء وقادة وشعراء كان لهم اثر واضح ليس في التاريخ العربي وحسب بل وفي تاريخ الشرق الأوسط برمته . وممن أرخ لهم الشيخ احمد البارزاني وشقيقه الملا مصطفى وسعيد قزاز وعلي حيدر سليمان والدكتور شوكت الزهاوي ومحمد أمين زكي وفائق بيكه س ورفيق حلمي .  كما وقف عند آل بابان وتعرض لبعض الشخصيات الكردية والتي أضافت الكثير على صعيد الفكر والثقافة العربية كأحمد تيمور باشا وعائشة التيمورية ومحمود تيمور ومحمد تيمور والشيخ محمد عبده وقاسم أمين وبهدف وضع هذه الشخصيات في إطارها التاريخي فقد تناول بعض جوانب التاريخ الكردي والإمارات الكردية كإمارة آل بابان في السليمانية .

    وفي كتاب أعلام التركمان ، تناول مير بصري في قسمه الأول تاريخ التركمان وعلاقاتهم بالعراق وأعلامهم المخضرمين على الصعيد السياسي والعسكري .. كما أشار إلى أثار الأدب والأدباء التركمان في بناء صرح الثقافة العراقيةالمعاصرة ..ولم يغفل ادوار بعضهم في ميادين الأدب والشعر والإدارة .  ومن ابرز الذين تناولهم اللواء عزت باشا الكركوكي وأمير اللواء فتاح باشا وعمر نظمي وصالح باشا النفطجي ومحمد علي قيردار واللواء عمر علي وفتحي قيردار والد الباحث نجدة فتحي صفوت ، والدكتور احسان دوغرامجي .. واللواء خليل زكي إبراهيم ونشأت إبراهيم واللواء مصطفى راغب وناجي الهرمزي ومحمد سعيد الو نداوي .. وتوسع في المبحث الذي تناول فيه آل الدفتري ودورهم في بناء العراق المعاصر ، فتوقف عند محمود صبحي الدفتري وإبراهيم حلمي الدفتري وإسماعيل حقي الدفتري وآخرون .

     ولمير بصري كتاب رابع استكمل فيه موسوعته حول الشخصيات العراقية اليهودية ، وعنوانه (أعلام اليهود في العراق الحديث) وفيه تحدث عن إسهامات العراقيين اليهود في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية ولعل من أبرزهم ساسون حسقيل وزير المالية في العهد الملكي .

   لقد أراد مير بصري من خلال كتبه التي تناول فيها الأعلام الذين اسهموا في تكوين العراق المعاصر ، إبراز دورهم وتذكير الأجيال الشابة بمجهوداتهم والاقتداء بصفاتهم الواضحة وخاصة في مجال نظافة الكف والإخلاص للعراق والعمل من اجله وهكذا فانه استطاع توظيف التاريخ لأغراض تربوية .

    كانت طريقته ومنهجه في دراسة التاريخ ، التركيز على إبراز ملامح التكوين الثقافي والسياسي والاقتصادي للعراق ، ويبدو انه كان يكتب مادة كتبه في أوقات مختلفة وبعد ذلك يعمل على جمع ما كتب في كتاب مستقل لذلك اتسمت بعض كتاباته بوجود نوع من عدم الانسجام والتنسيق بين موضوعات الكتاب ، لكن هذا لم يكن حاجزا أمام المؤرخين وطلاب الدراسات العليا الذين وجدوا في كتاباته مصدرا ثرا من مصادر التاريخ العراقي المعاصر ، ومما عزز ذلك انه كان يعد شاهد عيان لكثير من الأحداث والوقائع التي كتب عنها .

    ظل مير بصري مخلصا للعراق الذي عاش فيه واهله ردحا من الزمن مع انه غادره سنة 1974 وتوفي في لندن عن عمر تجاوز أل(94) عاما سنة 2005 .

******************************************************

 

المؤرخة نبيلة عبد المنعم داؤد

     بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

نبيلة عبد المنعم داؤد ، محققة ومؤرخة وباحثة اكاديمية متميزة اهتمت في السنوات العشرين الماضية بالتاريخ للعلوم عند العرب ، فصارت واحدة من ابرز المهتمين بهذا النمط من الدراسات التاريخية .. وقد عرفت على الصعيدين العربي والدولي ، من خلال تراسها لمركز احياء التراث العلمي التابع لجامعة بغداد واعدادها للمؤتمرات العلمية الدورية حول تاريخ العلوم عند العرب واسهاماتها الفاعلة في هذا المجال وحضورها معظم الندوات والنشاطات العلمية العراقية والعربية التي تدور حول التراث العلمي العربي .

     ولدت في بغداد واكملت دراستها فيها وحصلت على الماجستير في التاريخ الاسلامي بكلية الاداب ـ جامعة بغداد سنة 1967 وكانت رسالتها بعنوان ((نشأة الشيعة الامامية)) وقد طبعت ببغداد سنة 1968 واصبحت مصدرا مهما من المصادر التي تتناول اصول الشيعة وتفرعاتهم .

    عملت لسنوات طويلة تدريسية في قسم التاريخ بكلية الاداب . ومنذ اوائل التسعينات من القرن الماضي ، عينت مديرة لمركز احياء التراث العلمي العربي بجامعة بغداد . عضوة في جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين ، وعضوة في اتحاد المؤرخين العرب ، وعضو في الجمعية العراقية لتاريخ الطب .

    اهتمت بتحقيق المخطوطات ، ومن ابرز ما قدمت في هذا المجال :

1.  كتاب ( العيون والحدائق في اخبار الحقائق) ، لمؤلف مجهول ، وقد طبع في النجف وبغداد ، باربعة اجزاء بين سنتي 1972 و1973 :

2.     نكت الوزراء  ، 1984

3.     نزهة الظرفاء ، 1985

   طبعت الاستاذة نبيلة عبد المنعم رسالتها للماجستير عن الشيعة الامامية عدة مرات ، ففي سنة 1994 طبعت من قبل دار المؤرخ العربي في بيروت ، وتتألف الرسالة من خمسة فصول ، ففي الفصل الاول قامت الباحثة بدراسة تحليلية للمصادر المتنوعة ، ومنها كتب الاعتزال وكتب الامامية وكتب الفرق ، وكتب اهل السنة ، فضلا عن المصادر التاريخية  ، اما في الفصل الثاني فدرست ( أصل التشيع وتطوره ) في ضوء ما مر به من احداث وابرزها  

         أ .  فضل علي بن ابي طالب

    ب .  تنازل الحسن بن علي

       ج . فرقة حجر بت عدي الكندي

       د . مقتل الحسين بن علي

       هـ . حركة التوابين

        و . المختار بن ابي عبيد الثقفي

        ز . ثورة زيد بن علي

     وتناولت في الفصل الثالث الموسوم (( الامامة بنظر الشيعة)) مباحث عدة ابرزها :

         أ . امامة علي بن ابي طالب

        ب . امامة الحسن بن علي

        ج . امامة الحسن بن علي

        د . امامة علي بن الحسين ( زين العابدين)

        هـ . امامة محمد بن علي الباقر

        و . الدعوة العباسية وصلتها بالشيعة

    وفي الفصل الرابع الموسوم (( سياسة العلويين تجاه الشيعة )) درست المباحث التالية :

        أ . الزيدية وثوراتهم وموقف الامامية منهم

       ب . موقف الامامية من العباسيين

       واختتمت الرسالة بفصل خامس عنوانه ((الامامة وتطورها عند الشيعة الامامية )) ودرست فيه الامامة ابتدءا من جعفر بن محمد الصادق وانتهاءا بامامة صاحب الزمان محمد بن علي المهدي مرورا بامامة موسى بن جعفر الكاظم , وامامة علي بن موسى الرضا وامامة محمد بن علي الجواد وامامة علي بن محمد الهادي وامامة الحسن بن علي العسكري . كما درست عقائد الامامية ، في الامامة والعصمة والتقية .

    نبيلة عبد المنعم ، مؤرخة جادة ، ومحققة بارعة قال عنها صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في موسوعة اعلام العراق في القرن العشرين انها : ((اشتهرت بالدقة في تحقيق المخطوط العربي ولها تجربة وقواعد في ذلك )) . وتكمن قيمة دراساتها التاريخية في نظرتها العلمية الموضوعية وفي امانتها وفي اسلوبها الواضح وفي صدق النتائج التي غالبا ما تصل اليها .. وفوق هذا وذاك فهي انسانة فاضلة ، ودؤوبة ، ولها حضور فاعل على الساحة الثقافية العراقية والعربية المعاصرة .. وتعد دراستها اليوم وخاصة ما انجزته حول اصول الشيعة الامامية من الدراسات الرصينة التي احتلت مكانة مرموقة بين مثيلاتها من الدراسات التاريخية العربية . ندعو من الله سبحانه وتعالى ان يوفقها ، ويعينها على اداء رسالتها تجاه تراثنا العلمي والتاريخي العربي الاسلامي . 

*****************************************************    

المؤرخ الدكتور ناجى معروف 1910-1977 
 بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

يعد الأستاذ الدكتور ناجى معروف من رواد المدرسة التاريخية العراقية المعاصرة،فلقد قدم
دراسات علمية جادة ،اعتمدت المنهج التاريخي الموضوعي في جوا نب. عديدة من التاريخ العربي الإسلامي كان أستاذا فاضلا ،أثرى المكتبة التاريخية العربية بالعديد من البحوث والدراسات في ميدان التاريخ للحضارة العربية الإسلامية .
ولد الأستاذ الدكتور ناجي معروف بن الحاج عبد الرزاق ألا عظمي البغدادي ببغداد سنة 1328

للهجرة (الموافق لليوم العشرين من كانون الاول سنة 1910 للميلاد ) .اكمل دراسته

الابتدائية المتوسطة والثانوية ببغداد ثم دخل دار المعلمين العالية (كلية التربية فيما

بعد )وتخرج فيها سنة 1932 وعين مدرسا في المدرسة المركزية ببغداد ،كما عمل مدرسا في دار

المعلمين الابتدائية ومن هناك رشح للبعثة العلمية الموفدة الى باريس سنة 1937 ليحصل على

شهادة الدكتوراه في التاريخ ،وقد درس في معهد اللوفر وفي السوربون بأشراف الأستاذ

المعروف (ديموبين )،وكان عنوان رسالته :المدرسة المستنصرية.وبسبب اندلاع الحرب العالمية

الثانية 1939 واحتلال الألمان لمدينة باريس وقبل مناقشته رسالته استدعى الى بغداد هو

وزملائه ومنهم مصطفى جواد (الدكتور ) و سليم النعيمي (الدكتور ) ،وقد عمل بعد عودته في

مديرية الاثار العامة ،ثم شغل منصب مدير الأوقاف .كما عمل بعد ذلك في وزارة التربية

مشرفا تربويا (مفتشا ) قبل ان ينتقل الى كلية الآداب بجامعة بغداد .وقد اصبح فيما بعد
عميدا لهذه الكلية .و في سنة 1970 حصل على الدكتوراه من جامعة القاهرة وعمره (60 )!
سنة .
خلال سنوات حياته لم يتوقف عن البحث والتأليف .وقد تتلمذ على يديه عدد كبير من طلبة

الدراسات العليا وترك مؤلفات ودراسات كثيرة زادت على ال (145 )كتابا ودراسة منها :

1-  منتخبات الأدبية 1935

2-  مقدمة في تاريخ المستنصرية (1958(

3-  المدخل في تاريخ الحضارة العربية (1960 (

4-  مدارس مكة (1966 (

5-  علماء المستنصرية ( 1959(

6-  عروبة المدن الإسلامية ( 1964 (

7-  أصالة الحضارة العربية (1969(

 كما آلف كتبا اخرى مع مؤرخين عراقيين منهم الأستاذ الدكتور صالح احمد العلي ،والأستاذ

الدكتور جواد علي والأستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري .وترجم كتبا اخرى منها كتاب (خطط

بغداد عن الفرنسية للمستشرق المعروف ( كليمان هوار ).

شارك في العمل السياسي والوطني والثقافي .اشترك في ثورة مايس 1941 واعتقل بعد فشلها

.أسس جمعية (منتدى أبو حنيفة) واصبح رئيسا لها لسنوات .كان من مؤسسي نادي المثنى وحركة الجوال
 وهما من التنظيمات القومية العربية في الثلاثينات من القرن العشرين . فصل من

الوظيفة لنشاطه السياسي أعيد إلى الوظيفة أستاذا في جامعة بغداد وبقي فيها حتى وفاته في آب 1977 .

اهتم الدكتور ناجي معروف في دراساته التاريخية بالجوانب الحضارية ،وبالأخص العمرانية

والفكرية ،وعني بمن اسهموا في بناء الحضارة ، وتنمية الفكر وكان يؤكد على أصالة الحضارة
العربية الإسلامية وافرد جانبا من اهتماماته للغة العربية ولم يكن يكتفي بما هو مدون في
المصادر وانما كان يلجا إلى التحري ومقارنة ما كتب بالآثار الحضارية ,ثم مناقشة الآراء
وتحليلها ووضع نتائجها ضمن ظروفها التاريخية الحقيقية .

اجتهد الدكتور ناجي معروف في تقديم دراسات تصدت لمناقشة كتابات المستشرقين والمؤرخين
الغربيين وخاصة الذين حاولوا النيل من الدين الإسلامي والفكر العربي وكان يعبر في
كتاباته عن أيمان بأصالة ما قدمه العرب وخاصة في عهود الازدهار وقد حرص على استخدام

التاريخ كوسيلة للتربية وبناء جيل وطني مؤمن بقدراته ومفتخرا بما قدمته أمته وعازما على

استلهام ذلك واستحضار الرموز العربية والإسلامية في النظر إلى المستقبل .والى شيي من

هذا القبيل أشار الأستاذ الدكتور المؤرخ العراقي المرحوم صالح احمد العلي عند تقييمه

لاعمال الدكتور معروف عندما قال : " ان دور الدكتور ناجي معروف في تربية النشى وتوجيه

الجيل ،سواء في المحاضرات او في تأليف الكتب المدرسية ونشر المقالات ،دور عظيم …ولكن

أعمالا علمية أخرى قام بها تزيد من مكانته ومن ذكراه خلودا ،تلك هي بحوثه المتعمقة … "

.أما الأستاذ الدكتور يوسف عز الدين الكاتب المعروف والامين العام السابق للمجمع العلمي

العراقي فيقول عنه : "اصبح ناجي معروف مرجعا من مراجع التاريخ وثقة من ثقاة البحث …كان

مؤرخا صادقا في بحثه تمرس بالتاريخ فانتج جملة من كتب قيمة وشارك في الحياة العامة !

،فكافح عن

 عقيدته ووطنه ،جمع اكثر من اختصاص فهو مؤرخ ،وهو لغوي ،وهو آثاري ،ترك مكتبة تاريخية

أضاء السبيل لمن يسير بعده … "

توفي الدكتور ناجي معروف في غرة شهر رمضان المبارك وهو يؤدي العمرة سنة 1397 هجرية

المصادف الاثنين 15 آب 1977 ودفن في مقربة الأمام الأعظم (أبو حنيفة )يوم الخميس 18 آب

1977  رحمه الله وجزاه خيرا على ما قدم .
********************************************************
 

       المؤرخ الدكتور هاشم صالح التكريتي

    بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

الأستاذ الدكتور هاشم صالح التكريتي ، مؤرخ وأستاذ جامعي ، يعمل حاليا أستاذا للتاريخ الحديث في كلية الآداب ـ جامعة بغداد .   ولد في مدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين سنة 1937 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم التحق بكلية التربية جامعة بغداد وتخرج فيها ، وبعدها سافر إلى الاتحاد السوفيتي حيث أكمل شهادة ( الكانديدات) (وتعادل الدكتوراه)  ، ويحمل مرتبة الأستاذية وقد اشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير واطروحات الدكتوراه ويعرف بعلميته ودقته ورصانة البحوث والدراسات التي ينجزها وينشرها .. يؤمن بفكرة التقدم، ويحارب التخلف والاستبداد ، وينادي بالحرية ، ويكره التعصب وقد عبر عن رؤيته للحياة للصديق حميد المطبعي من خلال (موسوعة أعلام العراق في القرن العشرين) ، قائلا انه يؤمن ((بان الحياة مرحلة قصيرة فانية والإنسان الحقيقي الجدير بهذه التسمية هو من يترك فيها أثرا طيبا بالعمل الصالح والمثمر الذي تجد فيه الأجيال القادمة فائدة لها )) .        وهكذا فهو في حياته لا يعرف سوى العمل الجاد ويكره التواكل والتكاسل ،  هذا فضلا عن إنني عرفته عن كثب ورافقته خارج العراق مرتين الأولى عندما زرنا مصر وأسهمنا في ندوة العلاقات العراقية ـ المصرية (شباط 1990) والثانية في الأمارات العربية المتحدة عندما حضرنا ندوة العراق ودول الجوار التي نظمها مركز الخليج للأبحاث ( نيسان 2004) . كان عالما وباحثا وأستاذا وإنسانا فاضلا متواضعا ..

     ولنقف عند عناوين بعض الرسائل والاطروحات التي اشرف عليها لنعرف أي توجه يريد الدكتور التكريتي تكريسه في الدراسات التاريخية العراقية المعاصرة

1 . موقف العراق الرسمي والشعبي من قيام الجمهورية العربية المتحدة

 2 . أزمة البوسنة 1908 ـ 1909

3 . التطورات الاقتصادية والسياسية الداخلية في تركيا 1923 ـ 1929

4 . التطورات الاقتصادية والسياسية الداخلية في تركيا في سنوات ألازمة

       الاقتصادية العالمية 1929 ـ 1932

5 . التطورات الداخلية في تركيا 1932 ـ 1939

6 . تطور التعليم في العراق 1945 ـ 1958

7 . السياسة البريطانية في البحر الأحمر 1869 ـ 1914

8 . البلاط الملكي ودوره في الحياة السياسية في العراق 1921 ـ 1932

9 . التطورات السياسية الداخلية في إيران 1951 ـ 1963

10 . التطورات والاتجاهات السياسية الداخلية التركية 1923 ـ 1928

11 . العراق والحركة الكمالية 1919 ـ 1923

12 . شكري القوتلي ودوره السياسي في سوريا 1891 ـ 1958

  ألف كتبا كثيرة منها :

1 . الاستعمار أشكاله ، وتطوراته ، أساليبه ، وقد نشر ضمن سلسلة الموسوعة

       التاريخية الميسرة ، ( دار الشؤون الثقافية ، بغداد ، 1989 )

2 . المسألة الشرقية ، المرحلة الأولى 1774 ، 1756 ، (بغداد ،1991)

3 . بريطانيا ومشروع قناة السويس 1854 ـ 1869 ، مستل من  مجلة الجمعية التاريخية ، العدد (3) مطبعة المعارف ، (بغداد ،1974) 

    كما ان للأستاذ الدكتور هاشم صالح التكريتي بحوث ودراسات عديدة يدور معظمها حول التاريخ الأوربي وارتباطاته بتاريخ العرب الحديث ويمكن أن نشير إلى أن من هذه البحوث : ـ

1 . ((الاحوال العامة في ألمانيا عشية الإصلاح الديني ، ونشر في مجلة كلية

       الآداب ـ جامعة بغداد ، العدد (18) 1974

2 . ((دبلوماسية حرب القرم 1853 ـ 1856 )) ونشر في مجلة المؤرخ العربي ، العدد (36) ، 1988

3 . ((العداء الروسي ـ الإنكليزي حول المضايق في 1911) ونشر في مجلة كلية الآداب ـ جامعة بغداد العدد (16) ، 1973

4 . ((الصراع الروسي في البلقان في مطلع القرن التاسع عشر )) ونشر في مجلة المؤرخ العربي ، العدد(40) 1989

    أسهم في تحرير عدد من الموسوعات التاريخية بكتابة مواد عديدة ولعل من ابرز هذه الموسوعات موسوعة مدينة تكريت التي أصدرتها وزارة الثقافة والإعلام العراقية بأربعة أجزاء ضمن سلسلة موسوعات مدن العراق (بغداد ، 1977) وقد كتب في الجزء الرابع فصلا بعنوان ((الاحتلال البريطاني لتكريت) وكان الدكتور التكريتي عضوا في هيئة تحرير الموسوعة إلى جانب نخبة من المؤرخين والجغرافيين والأدباء والاثاريين العراقيين أمثال الأستاذ الدكتور بهجت كامل عبد اللطيف والأستاذ الدكتور يونس حمادي علي والاستاذ عبد القادر حسن علي .

       اهتم بالترجمة من اللغة الروسية إلى اللغة العربية بعد أن شعر بقلة معرفة القاريء العربي والمتخصص بالدراسات التاريخية بإنتاج العلماء الروس ومن الكتب المهمة التي ترجمها : ـ

1 .   كتاب ألكسندر آدا موف الموسوم ((ولاية البصرة في ماضيها وحاضرها))

     ويقع في جزءان ، صدر الجزء الأول سنة 1982 وصدر الجزء الثاني سنة

     1989 . وقد قام مركز دراسات الخليج العربي بجامعة البصرة ، بتبني طبع

    ونشر الكتاب .. ومؤلـف الكتاب واحـد من دبلوماسيي روسـيا القيصـرية

    المعروفين ، عمل في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين قنصلا

    لبلاده في البصرة وقد كتب مؤلفه ( ولاية البصرة ) ونشره في سانت

     بطرسبورغ سنة 1921 .

2 . كتاب الحرب التركية ـ الإيطالية 1911 ـ 1912 تأليف ف . ب . ياخموفيتش ، وقد تبنت الجامعة الليبية في بنغازي نشر الكتاب سنة 1970 .

3 . كتاب العراق في سنوات الانتداب البريطاني ، تأليف ألبرت ميخائيلوفتش منتشا شفيلي ، وقد طبعته جامعة بغداد سنة 1978

4 . ترجم دراسة مهمة للمؤرخ السوفيتي المعروف (كتلوف) صاحب كتاب ثورة 1920 في العراق وعنوان الدراسة ((خصائص وأهمية الحركات الجماهيرية في المشرق العربي قبيل ثورة الاتحاديين 1908)) ونشر الترجمة في مجلة المؤرخ العربي العدد (8) .

    للأستاذ الدكتور التكريتي طريقة خاصة في الترجمة ، فضلا عن أمانته في نقل النص وحرفيته فانه يحرص على إبقاء الأسماء والمصطلحات والمفاهيم التي يوردها المؤلف أو يشير إليها بلغتها مع ترجمتها في الهامش تسهيلا للقاريء وتمكينا له من تكوين فكرة واضحة عن الموضوع . كما حرص على الإشارة إلى المصادر والمراجع المستخدمة وفق الأسلوب العلمي المتعارف عليه بين الباحثين وكثيرا ما أقدم على تثبيت بعض الهوامش والتعليقات على النص توضيحا لنقاط معينة يشير إليها المؤلف أو تصويبا لأخطاء وقع فيها سهوا .. وفي عدد من الحالات فانه يحيل القاريء الى مراجع عامة تعطيه فكرة موسعة عن الموضوع الذي يتطرق إليه المؤلف ..

      للأستاذ الدكتور هاشم التكريتي رؤية واضحة نحو التاريخ ، ويقينا انه تأثر بعدد من أساتذته ويأتي الأستاذ الدكتور زكي صالح رحمه الله في مقدمتهم وتعتمد هذه الرؤية على ان وظيفة المؤرخ تقتصر على إعادة تشكيل الحدث كما وقع ومن هنا فهو يحرص على الموضوعية قدر الامكان لكن هذا لا يمنع من أن يكون المؤرخ أداة فاعلة في دفع حركة مجتمعه إلى الأمام وذلك من خلال تأشير الحالات السلبية والمظلمة بهدف تجاوزها .. انه عندما يكتب عن الاستعمار وأشكاله فهو يؤكد بان شعوبنا ، قد اكتوت بنار الاستعمار وقاست الأهوال  من فظائعه ويتطلب الأمر لكشف كذلك (( المزيد من دراسة الاستعمار والتعمق فيه لإظهار حقيقته البشعة التي يحاول المدافعون عنه تمويهها على الجماهير )) .. وإذا كان البعض من الكتاب ، ومنهم كتاب عرب ، قد حاولوا تبرير أعمال المستعمرين بحجة الالتزام بالعلمية والموضوعية ، وإيهام القراء بان ثمة نقاط موجبة ناصعة البياض في تاريخ الاستعمار ، فان على المؤرخ العلمي الموضوعي التصدي لمثل هؤلاء والتأكيد على ان ما قام به المستعمرون من أعمال كمد السكك الحديد أو بناء الموانيء أو تعبيد الطرق فإنهم توخوا من خلالها استغلال المستعمرات واستعبادها وقد قاموا بهذا خدمة لمصالحهم وتسهيل عملية الاستغلال التي مارسوها هناك وكلها لم تؤثر ايجابيا في الأحوال التي ظلت المستعمرات ترزح تحت تأثيرها . لقد تركوا المستعمرات وهي ((أكثر فقرا وأكثر جهلا وأكثر بربرية وافتقارا إلى النظام مما كان)) وقال إن بامكان المؤرخ إيراد عشرات بل مئات الأمثلة التي تظهر حقيقة النتائج التي أفضت إليها السيطرة الاستعمارية في المستعمرات .. ولابد من أن نشير ، يقول الدكتور التكريتي ، الى انه قد وجد في دول الاستعمار مفكرين برروا الاستعمار والى جانبهم مفكرين آخرين انتقدوا التوسع الاستعماري وأدانوا السياسة الكولنيالية وفضحوا الأساليب اللاانسانية التي اعتمدها المستعمرون . ولم يغفل الدكتـور التكريتي التأكيـد على خطـورة الصـراع بيـن الدول الاستـعمارية ( الكولونيالية) والإمبريالية من اجل إعادة اقتسام المستعمرات مما كان سببا في حروب طاحنة وبشعة تركت آثارها الخطيرة على تاريـخ العنصر البشري ومستقبله . 

********************************************************   

المؤرخ الدكتور هاشم يحيى الملاح

     بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

سمعت بالمؤرخ الأستاذ الدكتور هاشم يحيى حسين احمد الملاح منذ أوائل الستينات من القرن الماضي ، وتعرفت عليه عندما التحقت بقسم التاريخ كلية الآداب / جامعة الموصل أواسط السبعينات وأصبحت مقررا للقسم وكان هو عميدا للكلية وأتذكر بأنه كان يحضر الحلقات النقاشية (السيمينارات) التي تنظم في القسم ويسهم إسهاما فاعلا فيها ومنذ ذلك الوقت وجدت بأنه لم يستسلم لمشاغل الإدارة بل ظل يحرص على التواصل مع زملائه وطلبته بالرغم من انه تقلب في مناصب قيادية عديدة سواء في جامعة الموصل أو في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وقد توثقت علاقتي به وكنا نناقش باستمرار موضوعات التاريخ وفلسفته حتى أنني عندما تسلمت رئاسة قسم التاريخ بكلية التربية جامعة الموصل سنة 1980 ، وخططت لإصدار كتاب في فلسفة التاريخ ، كان الأستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح من أوائل الذين أسهموا معي في تأليف هذا الكتاب الذي صدر بعنوان : ((دراسات في فلسفة التاريخ )) وكان إلى جانبنا في تأليفه كل من الأستاذ الدكتور غانم محمد الحفو والأستاذ الدكتور عماد احمد عبد الصاحب ألجواهري وقد طبع الكتاب سنة 1989 .

    لم يكن الأستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح من المؤرخين التقليديين ، بل كان من المؤرخين الذين يربطون التاريخ بالفلسفة . أولئك الذين يرون في التاريخ حوارا متصلا بين المؤرخ ووقائعه . وقد عمق رؤيته الفلسفية إلى التاريخ ، فأصدر سنة 2005 مؤلفا ضخما طبعه المجمع العلمي العراقي بعنوان :

(( المفصل في فلسفة التاريخ )) .

     ولد المؤرخ الأستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح في مدينة الموصل سنة 1940 ، وأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والإعدادية فيها ثم التحق بكلية الحقوق /جامعة بغداد وتخرج منها سنة 1962 .. وفي سنة 1963 حصل على دبلوم الدراسات العليا في الشريعة الإسلامية من كلية الحقوق /جامعة القاهرة ،وبعدها على دبلوم الدراسات العليا في القانون العام من الكلية ذاتها سنة 1964 . وسافر إلى المملكة المتحدة والتحق بجامعة سانت اندروز وحصل على الدكتوراه سنة 1971 وكان عنوان أطروحته التي تقدم بها : ((نظام حكومة الرسول (ص) في المدينة (( The Governmental  System of  the prophet Mohammed  ))

  وتعد أول دراسة مقارنة في النظم الإسلامية والقانون الدستوري .

       قبل سفره إلى المملكة المتحدة بقليل ، عين مدرسا مساعدا في معهد المحاسبة العالي / جامعة الموصل سنة 1965 ورقي الى مرتبة مدرس سنة 1968 وبعد عودته من المملكة المتحدة وهو يحمل الدكتوراه نقل إلى قسم التاريخ بكلية الآداب ( هيئة الانسانيات كما كانت تسمى في حينه ) إلى مرتبة أستاذ مساعد في الأول من أيلول سنة 1972 . وفي الأول من أيلول سنة 1977 أصبح أستاذا .

    طوال المدة من سنة 1966 و1977 شغل مناصب عديدة ابتدأها بمنصب معاون مدير معهد المحاسبة العالي في جامعة الموصل (12 آذار 1966) ، واخرها مستشار لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي بين 5 تشرين الثاني 1977 و1 تشرين الأول 1978 .. وبين هذين المنصبين أصبح مرة رئيسا لجامعة الموصل وكالة بين 30 كانون الثاني 1977 و2 تشرين الثاني 1977 .. ولم يقتصر نشاطه على الجانب البحثي والإداري ، بل اختير منذ الأول من حزيران 1996 ليكون عضوا في المجمع العلمي العراقي .. كما كان عضوا في مجلس أمناء بيت الحكمة (2000 ـ2003) .. وعندما قررت جامعة الموصل سنة 1986 إصدار أول موسوعة حضارية عن الموصل ، وقع الاختيار عليه ليكون رئيسا لتحريرها وقد عملت معه في عضوية هيئة التحرير ومسؤولية قسم التاريخ الحديث والمعاصر وأنجزت الهيئة الموسوعة بخمسة مجلدات سنة1992 .. وتعد اليوم من ابرز الموسوعات التي صدرت في الوطن العربي في القرن العشرين ، خاصة وأنها كانت موسوعة عامة شاملة أسهم في تحريرها أكثر من (60) أستاذا وباحثا .

     أصدر الأستاذ الدكتور هاشم الملاح كتبا عديدة لعل من أبرزها :

1 . الإمام علي بن أبي طالب رجل المثل والمباديء ، ( بغداد 1988)

2 . موقف اليهود من العروبة والإسلام ، ( بغداد 1988)

3 . دراسات في فلسفة التاريخ (بالمشاركة مع آخرين)( الموصل 1988)

4 . الوسيط في السيرة النبوية والخلافة الراشدة ( الموصل 1991)

5 . الوسيط في تاريخ العرب قبل الإسلام ( الموصل 1994)

6 . الوسيط في السيرة النبوية، ( عمان 2000)

7 . حكومة الرسول محمد (ص) ، ( بغداد 2004)

8 . المفصل في فلسفة التاريخ،( بغداد 2005)

9 . الحسبة في الحضارة الإسلامية. القاهرة 2006

       ومن الموسوعات والكتب التي أسهم في تحريرها : 

1 . موسوعة الموصل الحضارية الموصل 1992

2 . موسوعة حضارة العراق بغداد 1985

3 . العراق في التاريخ بغداد 1983

4 . موسوعة الجيش والسلاح بغداد 1988

5 . العراق في مواجهة التحديات الحضارية بغداد 1988

6 . أعمال ندوة النظم الإسلامية ، أبو ظبي (الإمارات العربية) 1984

7 . القدس في الخطاب المعاصر ، عمان 1998

8 . موسوعة الحضارة الإسلامية ، عمان 1993

9 . كتاب الحضارة ، بغداد 1997

10 . موسوعة مدينة تكريت الحضارية ، بغداد 1997

11 . التراث والنهضة ، بغداد 1999

12 . كتب الأنساب مصدرا لكتابة التاريخ ، (بغداد ، المجمع العلمي) 2000

13 . الهوية العربية عبر حقب التاريخ ، بغداد ، المجمع العلمي) 1997

14 . القومية العربية والمستقبل ( بغداد المجمع العلمي) 1998

15.موسوعة مدينة تكريت ، (بغداد 1997 )

16.المرجع في تاريخ الامة العربية ، (تونس 2005 )

17.موسوعة اعلام العرب والمسلمين (تونس 1999 )

        أما بحوثه ودراساته العلمية التي نشرها فقد بلغت قرابة 75 بحثا في مجالات التاريخ العربي الإسلامي والحضارة الإسلامية وبخاصة في مجالات دراسة السيرة النبوية وتاريخ العرب قبل الإسلام والفكر العربي الإسلامي وهي منشورة في مجلات أكاديمية متنوعة في داخل العراق وخارجه أهمها : مجلة آداب الرافدين ، ومجلة المجمع العلمي العراقي ، ومجلة كلية الدراسات الإسلامية ، ومجلة آداب المستنصرية ، ومجلة كلية الآداب ـ بغداد ومجلة المؤرخ العربي ، ومجلة دراسات في التاريخ والآثار ومجلة آفاق عربية ، ومجلة الإكليل في صنعاء (اليمن) ، ومجلة العرب (الرياض) ، ومجلة بين النهرين ، ومجلة دراسات تاريخية ، ومجلة دراسات فلسفية ، و مجلة اتحاد الجامعات العربية ،وغيرها وأية مراجعة لموضوعات هذه البحوث نجد أنها تدور حول محاور في النظم الإدارية والدستورية والفكرية العربية الإسلامية ويمكن هنا أن نشير إلى بعض عناوين بحوثه وأبرزها :

 ( دولة المدينة بين أثينا ومكة)  ( نشأة وتطور مفهوم الدولة في الفكر الإسلامي) ، (الوحي وصلته بالقرآن والسنة) ، ( الاجتهاد في أمور العقيدة ) ،

 ( وسائل تداول السلطة في الدولة العربية الإسلامية ) ، ( دور الرسالة الإسلامية في تحقيق الوحدة العربية ) ، ( العقل والتقدم الحضاري) ، ( نظريات السيادة وتطور أنظمة الحكم في العراق) ، ( الإسلام والحجر الأسود ) ، ( الانبعاث الحضاري بين توينبي وجار ودي) ، ( جهاد عمر المختار) ، ( توينبي والوحدة العربية )

     اشرف على أكثر من خمسين رسالة وأطروحة ماجستير ودكتوراه في مجال الدراسات التاريخية والحضارية والقانونية في كليات الآداب والقانون في جامعة الموصل ، وبغداد ، والمستنصرية والبصرة . وقد التحق معظم الطلبة الذين اشرف عليهم بالهيئات التدريسية في الجامعات العراقية والعربية ، ووصل بعضهم إلى مرتبة الأستاذية .

   وفيما يتعلق برؤيته الفلسفية والمنهجية للتاريخ فانه يلتزم في دراسته للتاريخ بالمنهج العلمي التقدمي التزاما صارما . وهو يرى أن من واجب المؤرخين أن يعملوا بأقصى طاقتهم من اجل الارتفاع بالدراسات التاريخية إلى مستوى ((العلم)) بمفهومه الشائع في ميدان الدراسات الاجتماعية ( على الأقل) ومن هنا ، فانه ينبغي على المؤرخين أن يكونوا ( موضوعيين) في عملهم ، وان يحذروا من إسقاط منظورهم الخاص على الماضي ، لان المؤرخ الحق هو الذي يسعى للنظر إلى الماضي بعين الماضي .

     كما يرى بأن على المؤرخين ان يتعاملوا مع الروايات التاريخية ، التي دون على أساسها التاريخ الإسلامي في الماضي ، بروح الحذر الشديد لأنه قد دخل على هذه الروايات كثير من التحريف ، والمبالغة ، والوضع . لذا كان على المؤرخ المعاصر أن يكون خبيرا في نقد المصادر التي يستعملها وان يسعى للتمييز بين الغث والسمين قبل أن يكتب مؤلفاته ودراساته .

  وقد أوضح الدكتور الملاح في كتابه المفصل في فلسفة التاريخ أن معظم الفلسفات التي ظهرت في الغرب في مجال دراسة التاريخ هي فلسفات (تأملية) تعبر عن اجتهادات أصحابها ولم ترق ، على الرغم من أهمية بعضها ، إلى مستوى الفلسفات العلمية التي يصح الاعتماد عليها في كتابة التاريخ .. لذا فقد توصل إلى انه لم تظهر لحد ألان فلسفة متفق عليها بين المؤرخين لكتابة التاريخ . ومن ثم فان طريق البحث والاجتهاد وما زال مفتوحا في هذا المجال ، وسيستمر كذلك لفترة طويلة من الزمن . ويعتقد الدكتور الملاح أن الباحثين في بعض العلوم الاجتماعية الأخرى كعلم الاجتماع ، والاقتصاد ، والآثار ، قد سبقوا المؤرخين منهجيا وعلميا في هذا المجال لذا فانه يرى ان على المؤرخين ان يستفيدوا من الجهود الريادية لهؤلاء الباحثين وان يسعوا بأقصى طاقتهم لتطوير منظورهم ومنهجهم في كتابة التاريخ .

     لا يزال الأستاذ الدكتور هاشم الملاح أطال الله عمره يواصل نشاطه في قسم التاريخ بكلية الآداب / جامعة الموصل وهو محاط بزملائه وطلبته الذين يقصدونه للاستشارة من جميع أقسام التاريخ في الجامعات العراقية وهو لم يأل جهدا في مد يد العون أليهم وتأشير ما ينبغي ان يراجعوه من مصادر ومراجع وما يجب عليهم ان يفعلوه لكي تحظى منجزاتهم العلمية بما تستحقه من مكانة . وتقديرا لجهوده في خدمة التاريخ العربي والإسلامي طوال السنوات الأربعين ، فقد كرم عدة مرات ومنح جوائز وأوسمة لعل من أبرزها وسام المؤرخ العربي الذي تلقاه من اتحاد المؤرخين العرب سنة 1986 . 

******************************

المؤرخة الدكتورة واجدة الاطراقجي

    بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

من المؤرخات الرائدات في العراق ، مؤرخة نشيطة ، ومخلصة ، تمتعت باحترام كبير من طلبتها وزملائها .. وقد عرفتها منذ ان كنت طالبا في كلية التربية بجامعة بغداد ابان الستينات من القرن الماضي .

      الدكتورة واجدة مجيد عبد الله الاطراقجي ، كما يقول صديقنا الاستاذ حميد المطبعي في الجزء الثاني من موسوعته ((اعلام العراق في القرن العشرين)) ، والتي صدرت ببغداد عن دار الشؤون الثقافية العامة سنة 1996 ، باحثة في التاريخ ، ولدت في الموصل سنة 1932 ، واكملت دراستها الابتدائية والمتوسطة والاعدادية فيها ثم سافرت الى بغداد ودخلت دار المعلمين العالية ( كلية التربية فيما بعد ) واكملت دراستها للدكتوراه في التاريخ وعينت في كلية التربية في جامعة بغداد ، كما عملت في كلية التربية للبنات .. نشرت عددا من دراستها ومقالاتها في الصحف البغدادية ، طبعت من كتبها ((التشبيهات القرآنية والبيئة العربية )) سنة 1978 . ولها كتاب نشر ببغداد سنة 1981 بعنوان (( المرأة في ادب العصر العباسي)) .. هذا فضلا عن الموسوعات الحضارية والتاريخية ومن ابرزها موسوعة ( حضارة العراق) التي اسهم في تحريرها نخبة من الباحثين والمؤرخين العراقيين ، وطبعت بـ(12) جزءا ونشرت ببغداد سنة 1985 . ومن الفصول التي كتبتها الدكتورة واجدة الاطراقجي ، فصل عن المرأة العراقية عبر العصور في المجتمع العراقي وخاصته في العصور الاسلامية وقد تجلى ذلك في الموقف منها والنظرة اليها ، وفي المكانة التي احتلتها وفي شؤونها المختلفة في حياتها الزوجية والاسرية وفي مستواها الثقافي والاقتصادي والاجتماعي ، ثم في المظاهر الفنية التي بدت في لباسها وسمات زينتها ، والتي تعبر بلا شك عن وجه من وجوه شخصيتها ، وما بلغته من النضج والذوق والتحضر ، وكل ذلك كما اشارت كان دليلا واضحا على الدور الكبير الذي لعبته المرأة في تلك العصور ، والرقي الحضاري الذي بلغه المجتمع انذاك . وكان مما ركزت عليه الدكتورة واجدة الاطراقجي ثقافة المرأة ، وقد اشارت الى انه لم يخل عصر من العصور العربية الاسلامية من ذكر عدد من النساء الفضليات اللائي تميزن في جوانب معينة من العلم والمعرفة . وفي العصر العباسي كان نصيب المرأة من الثقافة والاداب والازدهار عظيما ، وضربت مثلا على ذلك ان الخطيب البغدادي ( توفي 463هـ/1070م) أرخ في تاريخ بغداد لاثنتين وثلاثين من النساء من اهل بغداد المذكورات بالفضل ورواية العلم وذكر بعض اساتذتهن وطلابهن ممن اخذت عنه من العلماء المعروفين . كما ان في وفيات الاعيان والوافي بالوفيات والمنتظم لابن الجوزي وشعراء المحاضرة للتنـوفي ومرآة الجنان لليافعي ونزهة الجلساء للسيوطي ونساء الخلفاء لابن السالمي اشارات كثيرة الى عدد من النساء العالمات والاديبات والشاعرات اللواتي اثبتن جدارة واستحقاقا في ان تدون اسماؤهن وتذكر اخبارهن وتروى اشعارهن . ولم تغفل الباحثة ذكر حالات خاصة متعلقة بالمرأة من قبيل الاهتمام بالجمال والزينة والموسيقى والملابس والحلي وما شاكل .

    في كتابها الموسوم : ((انصاف الخليفة الامين بين الادب والتاريخ)) والذي نشرته نقابة المعلمين العراقية وطبع في مطبعة علاء ببغداد سنة 1981 حاولت الدكتورة واجدة الاطراقجي ، ان تستخدم مصادر الشعر والادب لانصاف الخليفة الامين واعادة قراءة تاريخه من جديد بعيدا عن محاولات التشويه التي تعرض لها خاصة ابان الصراع العربي الفارسي وكان مما دفعها لدراسة هذا الموضوع ما تناثر في بطون كتب الاخبار والادب والتاريخ من مقولات عن الخليفة الامين ابن الخليفة هارون الرشيد .. والى شيء من هذا القبيل اشارت الدكتورة الاطراقجي الى انها لم تجد في كتب التاريخ الا عبارات مقتضبة وملاحظات مبتسرة واخبارا متضاربة ، (( وعندئذ تذكرت ما قاله الجاحظ حول الشعر واهميته في تخليد المحاسن وتقييد المآثر ومعرفة ما فات وادراك موضع الفساد مما صنعه الرواة من اخبار مختلفة واحاديث متقطعة . وقد اشار بعض المؤرخين المحدثين ومنهم المؤرخ الاستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري الى ذلك ودعا الى الاستفادة من الادب في دراسة التاريخ ، لهذا اتجهت الى البحث عن ضالتي في كتب الادب وفي دواوين شعراء عصره لاستكمال الصورة وانصاف الرجل )) .. والذي يهمنا هنا التأكيد على اهمية مصادر الادب للمؤرخين والتوجه الحميد لهذه المؤرخة الجادة في الاستفادة من هذه المصادر والكشف عن حقائق غابت عن الصفحات التي سطرها المؤرخون السابقون وتلك فضيلة تسجل لها .

   اذا كانت الدكتورة مليحة رحمه الله قد سبرت غور المصادر التاريخية للوقوف عند الجانب الاجتماعي من حياة العراق وابان عصور ازدهار الحضارة العربية الاسلامية ، فان الدكتورة واجدة الاطراقجي ، عادت الى صفحات الادب ودواوين الشعر لمعرفة واقع العراق الاجتماعي والسياسي والفكري .. وكتابها (المرأة في ادب العصر العباسي) يقف شاهدا على ذلك . فضلا عن دراستها وبحوثها الاخرى . لقد وجدت الدكتورة الاطراقجي ان دراسة المرأة في وقت اشتد فيه الحرص على حسن اعدادها وتمكينها من الاسهام في صنع القرار والمشاركة في بناء المجتمع حنبا الى جنب مع الرجل ، امر اساسي فالمجتمع لاينهض الا اذا نهض بنصفيه المتكاملين . وجاء اهتمامها بدور المرأة في العصر العباسي لتصويب الراي القائل بان هذا العصر بجملته عصرا شمله تيار التحلل والتفسخ ،ومن خلال العودة الى كتب الادب والتاريخ ، فان الدكتورة الاطراقجي ارادت ان تكشف عن جوانب تعزز دور المرأة وتوضح نشاطاتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية وعرضها بطريقة تؤكد فاعليتها وحسن بلائها في التطور الحضاري .. وقد استطاعت بالفعل ان تقدم من خلال دراساتها نماذج نسوية متميزة في كل ميادين الحياة لم تكن تقل في دورها عن الرجل ومما يزيد من قيمة المجهود الذي قدمته الدكتورة الاطراقجي ، انها وضعت ملحقا لكتابها المشار اليه انفا ضمنته تراجم من اعلام النساء في العصر العباسي ، ومن ابرزهن ، بنان الشاعرة ، وبدعة الكبيرة ، واسحاق الاندلسية ، وبوران وشيماء وثمل وتتريف وجميلة بنت ناصر الحمداني وحزامى وخليدة وخنساء والخيزران ودنانير ودقاق ، وذات الخال ورابعة العدوية ، وزبيدة بنت جعفر وزيدان القهرمانة ، وزينب بنت سليمان بن عبد الله بن عباس ، وسامر وست الملك بنت عبد العزيز بالله الفاطمي وسكن وشاجي وشارية وام الشريف وشغب وعابدة وعاتكة المخزومية وعريب وعنان وعليه بنت المهدي والفارعـة وفاطمة وفضل وفريـــدة والقبيـحة وقطــر النـدى ولبابــة ومحبوبــة وام موســى ونبــت وهيلانة وولادة المهزمية البصرية .

   لقد استنطقت الدكتورة واجدة الاطراقجي كتب الادب والتاريخ في العصر العباسي لتحكي لنا عن صورة المرأة في ذلك العصر واستطاعت ، بحق ان تصحح النظرة الخاطئة التي تصور المرأة بصورة عامة بالمجون والعبث وتوصلت الى ان هذه الصورة لم تكن سوى صورة قلة من القيان والجواري .. كما بينت دور المرأة في السياسة والاقتصاد والفكر وقالت ان ادوار الكثيرات من النساء الرائدات انذاك لم تكن تقل عن ادوار الرجال وخاصة في مجال الحرص على المجتمع والحفاظ على تقاليده وقيمه وهويته ، لكن هذا لم يمنع الدكتورة الاطراقجي من التأشير على انه ترك الحكام لبعض الجواري والقهرمانات ان يعبثن بمقدرات الدولة ، واتحن لهن تسلم مسؤوليات مباشرة ، واصبح لهن مكانة مرموقة في قصور الخلفاء فان الفوضى سرعان ما دبت وساد الاضطراب والوهن في اوصال الدولة العباسية الامر الذي آل بها اخيرا الى الاضمحلال والسقوط تحت سنابك خيول المغول سنة 656هـ /1258م . ويقينا ان هذا يدل دلالة واضحة على ان للمرأة دور ، فقد يكون بناء اذا ما احسن المجتمع تربيتها وافسح لها المجال لكي تمارس نشاطها وقد يكون تخريبيا عندما تترك الامور وتسود العواطف وتنعدم القيم وتضيع المقاييس الاخلاقية ..

     ان رؤية الدكتورة الاطراقجي الى التاريخ رؤية علمية موضوعية ، ودراستها تعتمد التهميش والتنصيص فهي لم تترك مصدرا من مصادر التاريخ المختلفة الا واستخدمته الاستخدام الجيد ، والاهم من كل ذلك انها استعانت بكتب الادب والتراجم ودواوين الشعر ورسائل الجواهري وما عرف بكتب التوقيعات والاغراض الشعرية والاغاني للوصول الى الحقيقة التاريخية ، مما جعلنا نضعها ، بحــق في الصف الاول من صفوف ممثلـي المدرسـة التاريخيـة العراقيـة المعاصرة .                  

المؤرخ الدكتور ياسين عبد الكريم 1914-1988

 بقلم : ا.د.ابراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل

مؤرخ ومرب وأستاذ جامعي معروف، ولد سنة 1914 في مدينة تلعفر (محافظة نينوى /الموصل ) ودخل المدرسة الابتدائية في تلعفر وتخرج فيها سنة 1930. اما الدراسة المتوسطة فقد اكملها في مدينة الموصل سنة 1933 ودخل دار المعلمين الابتدائية ببغداد وتخرج فيها سنة 1935 وعين معلما في قضاء طوز خرماتو وبعد ذلك حصل على اجازة دراسية وانتمى الى دار المعلمين العالية ببغداد وتخرج فيها سنة 1940، وعمل مدرسا ثم مفتشا (مشرفا تربويا) قرابة عشر سنوات (1940 -1951)، وفي سنة 1951 التحق بالبعثة العلمية العراقية الى جامعة منسوتا بالولايات المتحدة الاميركية.وقد نال الدكتوراه في التاريخ الحديث عن رسالته الموسومة "علاقات الجمهورية التركية الخارجية 1939 -1942 " .

       عاد الى العراق في اب 1956، وعين مدرسا في قسم التاريخ بكلية الاداب /جامعة بغداد وقد رقي الى استاذ مساعد واستاذ ودرس موادا عديدة منها "تاريخ اوربا الحديث "و "تاريخ الشرق الادنى الحديث ".

لقد ساعدته معرفته باللغة التركية واللغة الانكليزية في ترجمة بعض الكتب، منها الجزء الثالث من كتاب "تاريخ العالم الحديث " للمؤرخ الاميركي (بالمر). كما انه كتب بحوثا عدة باللغة الانكليزية منها "الاستعمار الانكليزي في بورما " و" الاستعمار الاميركي في الفيلبين " .

       اسهم الدكتور ياسين عبد الكريم مع عدد من زملائه امثال الاستاذ الدكتور عبد العزيز الدوري والاستاذ الدكتور جعفر خصباك والاستاذ الدكتور صالح احمد العلي في تاليف كراس بعنوان "تفسير التاريخ " ويصب هذا الكراس في اطار الصراع السياسي الذي شهده العراق بعد ثورة 14 تموز 1958 وبخاصة بين التيارات القومية والتيارات الشيوعية والفصل الذي كتبه الدكتور ياسين عبد الكريم كان بعنوان " التفسير الاقتصادي ". وقد دعا في هذا الفصل الى الاهتمام بالتاريخ الاقتصادي الذي يركز على دراسة الانتاج وتاريخ الزراعة والصناعة والتجارة والبنوك والاستثمار وغير ذلك من نشاط الانسان. ويعد الدكتور ياسين عبد الكريم من اوائل المؤرخين العراقيين والعرب الذين ناقشوا التفسير الماركسي للتاريخ وعرفوا به وتبنوا التفسير الاقتصادي ودعوا اليه وقد اشار الى ان التفسير الماركسي تفسير مثالي لم يات بنتيجة لدراسة الاحداث التاريخية، بل افترض سلفا تسويغ اراء سياسية لم تثبت صحتها عمليا .

       وضمن فصله اراء قيمة عن التاريخ وفهمه وتفسيره، فلقد اشار الى ان العراقيين القدماء من سومريين وبابليين واشوريين انشاوا حضارة اصيلة، واسهموا في بناء الحضارة الانسانية. وكان لسكان العراق معرفة واسعة بالزراعة والاداب والفنون والرياضيات وتنظيم المجتمع والدولة. وبعد ظهور الاسلام ونشوء الدولة العربية الاسلامية، اصبحت بغداد مركزا  للسياسة والثقافة والحضارة .

      ناقش الدكتور ياسين عبد الكريم اسباب الاختلافات بين المؤرخين حول كتابة التاريخ وفهمه وتفسيره وغايته وقال ان ذلك يرجع الى الى تاثير المذاهب الفلسفية والاراء الحزبية والنظريات العلمية، وما يمكن ان يحصل عليه المؤرخ من وثائق ومعلومات جديدة ومن هنا فالتاريخ بحاجة الى اعادة كتابة وبشكل مستمر وقال الدكتور ياسين عبد الكريم ان التفسير الاقتصادي يؤمن بان عوامل التاريخ معقدة ومتشابكة ومتفاعلة. اما التفسير الماركسي فهو تفسير ميكانيكي يؤكد اهمية العنصر الالي، في حين يؤكد التفسير الاقتصادي على نشوء المجتمعات والمؤسسات فان التفسير الماركسي يؤمن بالجبرية الاقتصادية حيث يسير الانسان بموجبها الى مصيره المحتوم الذي فسره كارل ماركس بانهيار الراسمالية وقيام دكتاتورية البروليتارية (العمال) وعلى هذا الاساس عدت الماركسية الانسان الة في المجتمع، بينما يعد التفسير الاقتصادي الانسان، مبدعا ومخترعا وقادرا على التكيف ويعد التملك غريزة ومن ضروريات المحافظة على الحياة، وبذلك يمكن من دراسة الماضي فهم الحاضر ووضع الخطط للمستقبل.

        كان المؤرخ الدكتور ياسين عبد الكريم، في مقدمة المؤرخين العراقيين الذين دعوا الى الاهتمام بالوثائق والوثائق العثمانية بخاصة لما لها من اهمية في فهم تكوين المجتمع العربي خلال القرون الاربعة التي حكم فيها العثمانيون العالم العربي والتي امتدت من القرن السادس عشر الى القرن العشرين. وكان للدكتور ياسين عبد الكريم دور كبير في تاسيس المركز الوطني لحفظ الوثائق ( دار الكتب والوثائق ) سنة 1963 وذلك مع كل من المؤرخين الاستاذين الدكتورين عبد المنعم رشاد وعبد الامير محمد امين ومما قاموا به هو فهرسة الوثائق التي عثر عليها في البلاط الملكي والوزارات المختلفة وتصنيفها ووضعها في متناول الباحثين وطلبة الدراسات العليا .

       اشرف الدكتور ياسين عبد الكريم على عدد من طلبة الدراسات العليا (الماجستير والدكتوراه ). كما القى محاضرات في معهد الخدمة الخارجية التابع لوزارة الخارجية العراقية. وكان يحث طلبته على الرجوع دائما الى الاصول والوثائق. وقد اسهم الدكتور ياسين عبد الكريم مع زملائه المؤرخين العراقيين في مشاريع علمية منها انجاز كتاب (الجيش والسلاح ) بعدة اجزاء وكتاب (تاريخ القوات العراقية المسلحة ) بعدة اجزاء. توفي رحمه الله في 24 حزيران 1988.

****************************************



                  المؤرخ ناطق مطلوب

 بقلم :ا.د.إبراهيم خليل العلاف

استاذ التاريخ الحديث-جامعة الموصل

 

    من أبرز أساتذة التاريخ الأندلسي في العراق ،  فمنذ أوائل السبعينات من القرن الماضي ،وهو يغذ السير في طريق تعميق الدراسات الأندلسية وتطوير أدوات البحث فيها  .  وقد زاملته في قسم التاريخ بكلية الآداب وخاصة عندما كان هو يشغل منصب رئيس قسم التاريخ ،وكنت أنا رئيسا لقسم التاريخ بكلية التربية –جامعة الموصل  .وفي لجنة الدراسات العليا  المشتركة ،كنا نتداول الموضوعات المقترحة للكتابة فيها ،وأصبحنا أصدقاء وأعجبت بمثابرته،  وجديته، وصراحته ،وطيبته ،ووجدت انه يحظى بمحبة الطلبة له قبل الأساتذة ولايزال يواصل عطائه أستاذا ورئيسا للجنة الترقيات العلمية في كلية الآداب –جامعة الموصل

   الأستاذ الدكتور ناطق صالح مطلوب الناصري، من مواليد قضاء بيجي بمحافظة صلاح الدين –تكريت سنة 1944  ، لكنه - ومنذ نصف قرن-  يسكن الموصل ولا يحب  مغادرتها لما يحمله من ذكريات عزيزة فيها  .أكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية في بيجي وسافر إلى بغداد ودخل قسم التاريخ بكلية الآداب –جامعة بغداد وتخرج سنة 1967 ، ولما كان من الطلبة المتفوقين فقد عين معيدا في كلية الآداب بجامعة الموصل عند تأسيسها سنة 1967  . وقد بقي لفترة معيدا إلى أن أوفدته جامعة الموصل إلى مصر ليدخل في قسم التاريخ بكلية الآداب –جامعة عين شمس وحصل الماجستير في سنة 1973 والدكتوراه من الجامعة ذاتها سنة 1978 وتخصص بتاريخ المغرب والأندلس وهو يحمل لقب أستاذ منذ سنة 1993 .وكان عنوان رسالته للماجستير : " نيل الابتهاج بتطريز الديباج " لأحمد بابا التمبكتي المتوفى سنة 1036 هجرية -1627 ميلادية " وقد اشترك في الإشراف عليها أستاذين جليلين هما الأستاذ الدكتور احمد عبد الرحيم مصطفى والأستاذ الدكتور محمود إسماعيل .أما أطروحته للدكتوراه فكان عنوانها : " فهارس شيوخ العلماء في المغرب والأندلس حتى القرن العاشر الهجري –السادس عشر الميلادي " وبأشراف الأستاذ الدكتور محمد عبد الهادي أبو شعيرة .

    من مؤلفاته :" تاريخ العرب وحضارتهم في الأندلس" –مشترك ،و" تاريخ المغرب العربي" –مشترك، و" نيل الابتهاج بتطريز الديباج " لأحمد بابا التنبكتي ت1036هـ.دراسة وتحقيق، و " فهارس شيوخ العلماء في المغرب والاندلس حتى القرن العاشر الهجري " ، و " برنامج الواد ياشي ت748هـ. دراسة و تحقيق" ، و " طبقات علماء المالكية " لابن ابي دليم من اهل القرن الرابع الهجري، جمع وتحقيق، و " علماء مدينة قرطبة " لابن عبد البر ت338هـ جمع وتحقيق، و "علماء وقضاة الأندلس " لخالد بن سعد.جمع وتحقيق، و " قضاة قرطبة " للخشني: دراسة وتحقيق.

   أنجز أكثر من 75 بحثا ومادة علمية منشورة أو مقبولة للنشر في المجلات العلمية وفي بعض الموسوعات العلمية.ومن ذلك: "تعليم الصبيان في المغرب العربي في العصر الوسيط، وكتاب المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا لابي الحسن النباهي، دراسة في مضامينه ،وحسان بن النعمان الغساني ودوره في تحرير المغرب العربي ، ودور ولاة مصر في تحرير المغرب العربي.وفتح مدينة تكريت ، وولاية عبيد الله بن الحبحاب الموصلي على المغرب ، وامارة الفهريين في المغرب العربي ،ودراسة في سيرة ابن سيد الناس الأندلسي. ودراسة في كتاب الصلة لابن بشكوال القرطبي.وغارات النورمان على الأندلس في عصر الإمارة ، والتحديات البيزنطية التي واجهت العرب في تحرير المغرب العربي. والقدس الشريف في مدونات الرحالة المغاربة والاندلسيين ،وبيوت العرب في الأندلس ودورها في التعريب ،والحياة الثقافية في الموصل،الرحلات العلمية بين الموصل والمغرب والاندلس ،والحياة الاقتصادية في تكريت حتى سنة 656هـ ،والحياة الاجتماعية في تكريت حتى سنة656هـ ، وانتشار المذهب الشافعي ، وانتصار القدرة على القوة .. واقعة سبيطلة سنة28هـ نموذجا ، وبغيع الونري، محمد بن محمود ،  واحمد بابا :حياته وأثاره ، والاثاري الموصلي، حياته واثاره ، والوزير المغربي، حياته وأثاره.

     ومن المواد والمداخل العلمية التي كتبها لموسوعة أعلام العرب والمسلمين :

ابن زنجويه، حميد بن مخلد/ التجيبي، إسحاق بن إبراهيم/ الاقليشي، احمد بن معد/التغلبي، فرج بن قاسم/ ألطيبي، الحسين بن محمد/ابن مهران، احمد بن الحسين/ السيوطي، ابو بكر بن محمد/ابن العريف، الحسين بن الوليد/ ابن عفير، سعيد بن كثير/ المغيلي، محمد بن عبد الكريم/ابن مفرج، يحيى بن عبد الله/ الهروي، محمد بن عطاء الله/ الكوراني، احمد بن اسماعيل الشافعي/ القلصادي، علي بن محمد الاندلسي/ القفال، محمد بن علي/ النبيل، احمد بن عمر الشيباني/النجاد،احمد بن سلمان البغدادي/النباهي، علي بن عبد الله الأندلسي/المواق، محمد بن يوسف الغرناطي/ابن المنذر، محمد بن إبراهيم/المنجور،احمد بن علي الفاسي/القوري، محمد بن القاسم/المروزي،محمد بن نصر.

    اشرف على عدد كبير من رسائل الماجستير وأطروحات الدكتوراه في مجال اختصاصه. كما درس عدة مواد في التاريخ الإسلامي في الدراسات الأولية والعليا  ، واليه يعود  الفضل في استحداث مادة المغرب العربي وإقرارها مادة أساسية ضمن المقررات العلمية في أقسام التاريخ في الجامعات العراقية كافة، و له الدور الكبير في ترسيخ الدراسات الأندلسية والمغربية والتواصل الحضاري في جامعة الموصل.

      وقد شارك في العديد من اللجان العلمية والثقافية  ،ومن ذلك عضوية مجلس إدارة مركز البحوث الاثارية  والحضارية-جامعة الموصل.كما انه عضو اللجنة الثقافية-كلية الآداب  ،ورئيس وحدة المخطوطات في كلية الآداب  ،وعضو لجنة تحرير مجلة آداب الرافدين.ورئيس للجان العلمية والدراسات العليا في قسم التاريخ.

     أسهم في عدد من الدراسات والتقارير على مستوى الجامعة والكلية ، وكذلك في تقييم المواد والمفردات في كلية الآداب-قسم التاريخ.وهو عضو في اتحاد المؤرخين العرب وفي جمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين –فرع نينوى وفي المعهد الأمريكي للفهرسة والتراجم-الولايات المتحدة الأمريكية

     تولى مناصب علمية عديدة منها معاون عميد كلية الآداب –جامعة الموصل 1970  ،ورئيس قسم التاريخ فيها لأكثر من مرة (1981-1985 و2001-2003 ) ،وعميد الكلية وكالة 1984-1985 -

     شارك في أكثر من 35 مؤتمرا وندوة علمية داخل القطر وخارجه.كما حصل على شهادات تقديرية وتكريمات علمية منها حصوله على شهادة تقديرية من المعهد الأمريكي للفهرسة والتراجم(رجل عام1997) ،و شهادة المؤرخ العربي-الأمانة العامة للمؤرخين العرب2001.  وشهادة تقديرية ودرع المحققين الرواد جامعة تكريت 2011.

      فيما يتعلق برأيه ومنهجه التاريخي  يقول الدكتور مطلوب:  " إن التاريخ علم رواية ودراية ينطوي على صفحتين أساسيتين الأولى: سياسية، والثانية: حضارية ، وعلى هذه الحقيقة قامت الحضارات الإنسانية عبر التاريخ، فقد تميز العرب عن باقي الأمم بتاريخهم العريق وبإرثهم الحضاري عبر العصور التاريخية المختلفة ومنذ أقدم العصور ، عمدت القوى الطامعة في مقدراتهم على تخريب ثقافتهم ونهب تراثهم الحضاري ، وتزييف الحقائق التاريخية المشرقة في تاريخهم بشكل عام والتاريخ الإسلامي بشكل خاص في محاولة منها لطمس الشخصية العربية  ،والقضاء على الدور الحضاري المتميز لهذه الأمة من جهة  ، ولإعادة ترتيب الأوضاع بالشكل الذي يخدم مصالحها من جهة أخرى"

   ويذهب الدكتور مطلوب غالى أن أهمية دراسة التاريخ العربي الإسلامي وجعله أداة في الصراع الحضاري تكمن في تعزيز  إرادة الأمة للكشف الحقيقي والأمين لأبرز سماتها الأصيلة التي تتواصل مع روحها ورسالتها الإنسانية وهذا لايتحقق كما يقول احد المؤرخين الفضلاء إلا من خلال إعادة كتابة التاريخ العربي الإسلامي من جديد وفهم ما يحيط بالأمة من تحديات والتشبث بالقيم الأساسية للعروبة والإسلام في وقت أصبحت معه الحضارة الغربية تعاني في داخلها قلقا هائلا تتبدى مظاهره الخطيرة في انحلال الأسرة ، وضعف القيم الدينية والروحية، وفقدان الانتماء وانتشار الإجرام وشيوع الإلحاد واليأس والجريمة والمخدرات وعبادة الجنس وما شاكل .

    وعن موضوع حوار الحضارات والأديان فان الدكتور مطلوب يذهب في ذلك مذهبا وهو أن الغرب لايزال ينظر إلى  الشرق نظرة استعلائية ويسعى بكل السبل للهيمنة على مقدراته وتغييب هويته وتفتيت مكوناته .وعن الموضوعية في كتابة التاريخ يقول: أن الموضوعبة في كتابة التاريخ نسبية ، ولم تكن في يوم من الأيام مطلقة أبدا لان المؤرخ إنسان وليس اله جامدة، فهو يتأثر بالبعيد والقريب من الأسباب ويظل ارتباطه بالأصول قويا وقائما لكن هذا لايجب ان يجعله بعيدا عن أن يكون موضوعيا قدر الإمكان .

 

*************************************

المؤرخ الدكتور نجمان ياسين
بقلم :ا.د.ابراهيم خليل العلاف
استاذ التاريخ الحديث -جامعة الموصل  

 

     منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي ،وعندما عينت في قسم التاريخ بكلية الآداب –جامعة الموصل ،عرفت نجمان ياسين ،وكان طالبا في القسم ذاته. وقد درسته مادة تاريخ الوطن العربي في العهد الثماني وأقول -  بصدق-  انه كان طالبا متميزا جاء إلى الجامعة ،وهو يمتلك تجربة أدبية وثقافية جيدة . ولم يكن طيلة السنتين اللتين درسته فيها طالبا عاديا ،وإنما سرعان ما  أصبحنا أصدقاء، خاصة وانه كان في ذلك الوقت يرافق مجموعة من الطلبة قاربوه في الاهتمامات الثقافية والسياسية والفكرية  .كما أن الفارق في السن بيني وبينه لم يكن يزد على ست سنوات . وكثيرا ما كان الجدل يثور بيننا وينتهي على أحسن مايكون من حيث النتائج .

      تخرج نجمان ياسين بتفوق ،وعين معيدا في كلية الآداب، وبدأ يغذ  السير بأتجاه الحصول على الدكتوراه ، وتحقق له ذلك وهو  - عند كتابة هذه السطور -  أستاذا .وفوق هذا  ، فهو  مؤرخ ،وكاتب ،وصحفي وبدرجة أكبر، شاعر ،وروائي ،وناقد ، وقاص معروف .وقد نال الأستاذية سنة 2002 . كما حصل على وسام المؤرخ العربي من اتحاد المؤرخين العرب سنة 2002 ،ووسام العلم من محافظة نينوى 1998 ، ودرع إبداع جامعة الموصل 2009 ،وعد  أستاذا متميزا مشمولا بامتيازات رعاية الملاكات العلمية للسنوات من 2000 -2003 .

     ولد نجمان ياسين  عباس علي الجبوري سنة 1952 في مدينة الموصل، ودرس في مدارسها ،وأكمل الدراسة الثانوية في الإعدادية المركزية .ثم دخل كلية الآداب بجامعة الموصل وأكمل الماجستير والدكتوراه فيها . وكان عنوان رسالته للماجستير :" تطور الأوضاع الاقتصادية في الدولة العربية الإسلامية الأولى وعصر الرسالة والراشدين " .وقد ناقشها في 13 شباط 1985 ، وكان المشرف عليه الأستاذ الدكتور هاشم يحيى الملاح ، وهو نفسه المشرف على أطروحته للدكتوراه من الكلية ذاتها والموسومة : "التنظيمات الاجتماعية والاقتصادية في المدينة في القرن الأول الهجري ". وقد ناقشها في 10 مايس-أيار 1990 .

      رصد الأستاذ الدكتور صباح نوري المرزوك في" معجم  المؤلفين والكتاب العراقيين 1970-2000 " ، جانبا من نتاج الدكتور نجمان ياسين ، فقال انه طبع رسالته للماجستير في دار الشؤون الثقافية ببغداد سنة 1991 .وان له كتبا ،وقصص وروايات منها مجموعته القصصية "احتراق " وقد طبعت في دار ابن الأثير للطباعة والنشر في الموصل سنة 1974 ،ومجموعة من المقالات والقصائد نشرت بعنوان : "أمام المرآة " وطبعت سنة 1976 ،وكتاب نقدي بعنوان : " الإنسان والحرب في أعمال الفنان رحيم حسن " ،ورواية بعنوان : " حجابات الفاو " طبعت سنة 1989 ،ومجموعة قصصية نشرت سنة 1987 بعنوان : " حكايات الحرب " ،وكتاب في التاريخ بعنوان : " شخصيات من التراث العربي والإسلامي " طبع سنة 1985 ،ومجموعة قصصية بعنوان : " ذلك النهر الغريب " طبعت في بيروت من قبل المؤسسة العربية للدراسات والنشر سنة 1981 ،ودراسات نشرت بعنوان : " غزال الحب والموت " 1989 ،وقصص بعنوان : "ما كتبه الحلم على أشجار المنفى " 1974 ،وكتاب عن الفنان الفوتوغرافي الموصلي الرائد مراد الداغستاني بعنوان : " مراد الداغستاني :جدل الإنسان والطبيعة " ، ومجموعة قصص بعنوان : رائحة التفاح " 2000 ، وكتاب "فوتوغرافيون عراقيون " 1987 ،وكتاب "الإنسان والحرب " 1987 وكتاب "السر الضائع في الماء " وهو قصص عامية مترجمة إلى اللغة الانكليزية من قبل الدكتور جاسم محمد حسن و"شظايا قلب " وهي رواية نشرت في حلقات بجريدة الزمان اللندنية بين 5 آذار -11 حزيران 2006 .وله كذلك "أنثى الصياد الأول " وهو كتاب في الشعر نشره اتحاد الكتاب العرب بدمشق 1998 .تفرغ  السيد علي ابراهيم الباحث في قسم اللغة العربية بكلية التربية –جامعة الموصل لانجاز رسالة ماجستير عن الدكتور نجمان ياسين بعنوان : "جماليات الفن القصصي في مجاميع نجمان ياسين القصصية " وبأشراف الدكتورة فاطمة عيسى جاسم .كما كتبت عنه مقالات نقدية كثيرة داخل العراق وخارجه وقد ترجمت بعض اعماله القصصية الى اكثر من لغة واعدت باحثة في معهد الاستشراق في صوفيا ببلغاريا دراسة نقدية عن تلك الاعمال ونال فيها اروين دوينز شهادة تخرج من جامعة غنت في بلجيكا مع ترجمة كاملة سنة 1987 .

    وليس من السهولة ذكر كل دراساته ومقالاته وبحوثه  وأعماله الأدبية والثقافية ،فهي كثيرة ومتناثرة في كم كبير من الصحف والمجلات العراقية والعربية . وثمة إحصائية ذكرها الدكتور خيري شيت شكر سنة 2008  عن نتاجات الدكتور نجمان ياسين قال فيها انه ألف مايزيد على 25 كتابا ولديه مايزيد عن 70 بحثا منشورا فضلا عن قيامه بكتابة أكثر من 500 مادة لموسوعة العلماء العرب والمسلمين التي تقوم المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم بنشرها . وفي الفضاء الأكاديمي، أشرف على عشرات من طلبة الماجستير والدكتوراه ،وناقش الكثير منها وألقى المحاضرات في الموضوعات الاقتصادية والاجتماعية والحضارية على طلبة الدراسات العليا لمرحلتي الماجستير والدكتوراه في قسمي التاريخ في كليتي الآداب والتربية بجامعة الموصل .

       لقد  كتب  الدكتور نجمان ياسين في موضوعات أصيلة وجديدة في فكرتها وأهميتها ونتائجها . ومن ذلك انه كتب عن الاتجار بغنائم الحرب في العصرين الراشدي والأموي ،وأشكال الطلاق والخلع والفراق في عصري الرسالة والراشدين ،ودراسة في شخصية التاجر القريشي النبيل حكيم بن خرام ، والتفكير الاقتصادي والاجتماعي عند المقريزي ،وتحدي الامبرياليات الأولى في التاريخ، وعطاء الموالي في عصري الراشدين وبني أمية ، والأمة :المفهوم والتطور التاريخي، والحرية والإرهاب ،وكتاب الأنساب والأشراف للبلاذري مصدرا للتاريخ الاقتصادي الإسلامي،وثوابت ومتحولات أدونيس عن القرن الاول الهجري ،والأبعاد الاجتماعية والاقتصادية لتنظيم أشكال الزواج في الإسلام ،وتجار العراق في عصور الازدهار الإسلامي ،وأوضاع فلاحي العراق في عصور الازدهار الإسلامي ،والتفسير الاقتصادي للتاريخ ،واستقرار العرب في العراق ،وأساليب مواجهة التحديات الثقافية في الدولة العربية والإسلامية  .كما أن للدكتور نجمان ياسين كتابا مثيرا للجدل حول "تاريخ الجنس في الإسلام ".نشرته دار عطية للنشر في بيروت سنة 1997 ،وفيه يتعرض إلى المسألة الجنسية في الإسلام ، ويربطها بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وبشكل غير مثير مؤكدا أهمية النظرة الإسلامية إلى الجنس بأعتباره وسيلة للحفاظ على النوع ،واستمرار الجنس البشري، ويؤكد السياق التاريخي لهذا الموضوع وأبعاده الاجتماعية ،وهو مما لم يدرس سابقا بمثل هذه الطريقة الجديدة  من البحث .

 

   ومما يفرح أن بعض نتاج نجمان ياسين ترجم إلى اللغات الانكليزية والفرنسية والفنلندية والاسبانية .كما درست أعماله  من قبل باحثين وأكاديميين معروفين في جامعات عربية وأجنبية .

    رأس الدكتور نجمان ياسين الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق للأعوام 1996 -1998 .كما رأس اللجنة الاستشارية للثقافة والفنون في محافظة نينوى للأعوام 1993-1998 .وترأس دائرة الثقافة والفنون في جامعة الموصل 1985-1990 وكان رئيسا لتحرير مجلة المورد سنة 1998  . ومن مناصبه العلمية تسنمه منصب رئيس قسم الفلسفة بكلية الآداب –جامعة الموصل 2001-2003 ،وهو عضو في هيئات تحرير مشروع مكتبة آشور بانيبال في الموصل ،ومشروع موسوعة العراق الحضارية ،وجمعية المؤرخين والاثاريين العراقيين –فرع نينوى ،والجمعية العراقية للتصوير الفوتوغرافي ،واتحاد المؤرخين العرب، ونقابة الفنانين ،وجمعية المترجمين العراقيين .

    مع أن الدكتور نجمان ياسين-  ينهج المنهج نفسه الذي يتبعه المؤرخون الأكاديميون من حيث الالتزام بالطريقة العلمية في الدراسات  التاريخية ،وخاصة في جمع  المادة وتحليلها  وعرضها بشكل يعتمد التوثيق الدقيق لمختلف الروايات والآراء  - إلا انه  - وبحكم تنشئته الأدبية -  يضفي على كتاباته التاريخية نوعا من الروحية المحببة التي تحظى بالإعجاب من لدن القراء .وهو يؤكد بأن تاريخ الأمة العربية لايمكن أن يفهم بدون فهم النواحي الاقتصادية والاجتماعية التي تعد جزءا حيويا مهما في التجربة  الإنسانية .كما أن دراسة التاريخ الاقتصادي والاجتماعي تضعنا أمام خبرة  وتنظيمات الدولة العربية والإسلامية وقدرتها على التمثل ومن ثم الانتقال إلى مرحلة الإضافة والإبداع .

       ويذهب الدكتور نجمان ياسين إلى أن فترة عهدي الرسالة والراشدين شهدت تكوين الأمة، وتوحيدها قوميا وفكريا .كما عدت فترة هجرات واسعة إلى الأمصار والتعرف على حياة الاستقرار ومفارقة البداوة .أي أنها كانت تمثل التأسيس والأصول والجذر الذي استندت إليه البحوث التاريخية والدراسات الدينية فيما بعد ..ناهيك من أثر هذه الفترة في رسم الأحداث اللاحقة .ويأخذ الدكتور نجمان ياسين –شأنه في ذلك شأن ممثلي المدرسة التاريخية المعاصرة – بتعددية الأسباب في تفسير الأحداث التاريخية وكان الأساس الذي اعتمده هو إدراكه بعدم وجود نظرية تستطيع استيعاب تعقيدات الحياة ومن ثم التاريخ .

    وينتقد الدكتور نجمان ياسين من يفسر  التاريخ بنظرية واحدة ويقول أن الحياة أشمل من كل فلسفة .كما أن إغفال عامل وتغليب عامل آخر  يؤدي إلى تزوير التاريخ ويبعد المؤرخ عن هدفه الأساس وهو إعادة تشكيل الحدث التاريخي كما وقع .لكن هذا لايعني أن المؤرخ  قد لا يضطر في بعض دراساته إلى أن يبرز عاملا ويرجحه على غيره في محاولة منه لفهم الحدث .وعلى سبيل المثال قد يرجح العامل الاقتصادي عند دراسة الثورة الصناعية ،ويأخذ بعامل البطل عند دراسة شخصية أبو جعفر المنصور على أن يتم ذلك دون مصادرة أحقية العوامل الأخرى، وتأكيد الموقف الإنساني من الأحداث التاريخية .


 


  تعلـيـقاتكم
ا.د.ابراهيم خليل العلاف07/08/2011
اصدقائي ان سير المؤرخين واعمالهم اعلاه تؤلف المجموعة الاولى من المؤرخين العراقيين المعاصرين الذين وثقت لهم ....وقسم كبير منهم ضمهم الجزء الاول الذي صدر سنة 2011 وقريبا سيصدر الجزء الثاني ويضم 63 مؤرخا ..فنسترعي لذلك الانتباه .
الدكتور عماد علو07/09/2011
بارك الله بجهودكم الخيرة والجبارة لخدمة العلم والعلماء من خلال الاعتزاز بهذه النخبة من ابناء العراق واركان حضارته العلمية المعاصرة والتي انتم احد اهم دعائمها حفضكم الله ورعاكم للعراق والعراقيين د. عماد علو
Stiseeprurine02/12/2011
online pharmacy canada http://exclusiverx.com/products/coumadin.htm Stiseeprurine 5466966 pharmacy licensure ohio
TiffRofswassy05/12/2011
fraud in pharmacy http://exclusiverx.com/faq.htm pa board of pharmacy
د/جمال الدين فالح الكيلاني16/12/2011
عمل كبير وانجاز مضني يستحق كل الاحترام والتقدير،وخصوصاانه يعتبر الرائد في مجاله في العراق ،نتمنى للعلامة العلاف المزيد من الابداع ،وخدمة العلم والدين ،وبالذات التاريخ لانه بحر من بحور العلم.
dytiry20/02/2012
ANHCXs llkxwhalvkys, [url=http://uigfttcaqiyi.com/]uigfttcaqiyi[/url], [link=http://dncxvbyeqgjc.com/]dncxvbyeqgjc[/link], http://plynmsvcdltv.com/
Accodoownew12/03/2012
http://legalusdrugstore.com/14.jpg new york university pharmacy http://usatrustpharmacy.com/products/calan.htm thinking of becoming a pharmacy pepcid cystic fibrosis pharmacy http://usatrustpharmacy.com/products/zocor.htm davenport pharmacy pharmacy programs in ct increase pharmacy drugstore site online business http://usatrustpharmacy.com/products/cleocin.htm pharmacy and education confido smiths pharmacy job openings http://usatrustpharmacy.com/products/kytril.htm pharmacy school tennessee requirements manufacturing pharmacy application system
infendodof14/03/2012
http://legalusdrugstore.com/9.jpg pharmacy schools in va http://usatrustpharmacy.com/products/purim.htm valium pharmacy vasotec how much do pharmacy techs make http://usatrustpharmacy.com/products/purim.htm zantac price pharmacy liquid celexa pharmacy online orange belt pharmacy http://usatrustpharmacy.com/products/trental.htm tarceva florida pharmacy cipro pharmacy technician jobs in texas http://usatrustpharmacy.com/products/ranitidine.htm rock ridge pharmacy kroger pharmacy cost
21/03/2012
Hcrwfmde01/05/2012
I've lost my bank card young teens petite lolita Michelle looks sooooo good. loliteens 10 y o wow it is amazing Ultimate Supermodels damn i sooo wanna get fucked by that cock nymphet art pics his dick isnt that small shes is hot life is peachy loli damn they are so fucking hot but girls in glasses are the best underaged asian pussy hmm, i think i should take walks in the park more often. Preteenage Girls Models i would lick her bot bot and then kiss her afterward preteen lolitas 7yo samples she is so fucking hot!! good fucking to Preteen Nude Art nice vid, beautiful girl! preteen russian lolita nudist comment on my pictures and rate them and ill send u some if u like them free lolitas in bikini i wanna drink her cum cp pedo lolita handjob haha Fantastic Thank you eva ionesco nymphets Damn this girl is sexy lolitas bbs japan WE ALL NEED A FUCK LIKE THIS ONE!!!! pedo pthc rompl shes always so hot elin nordegren model She's not that great models toplist This is how u fuck Young Pthc Pornteens Lolita Porn Cp أ‚آ´cool thats so nice, like it. anime pretten bbs i agree with dirty perv! i almost busted a nut right there 15yo lolitas by far the hottest model that i've seen on this site yet, he should keep her for his own
Hcrwfmde01/05/2012
I've lost my bank card young teens petite lolita Michelle looks sooooo good. loliteens 10 y o wow it is amazing Ultimate Supermodels damn i sooo wanna get fucked by that cock nymphet art pics his dick isnt that small shes is hot life is peachy loli damn they are so fucking hot but girls in glasses are the best underaged asian pussy hmm, i think i should take walks in the park more often. Preteenage Girls Models i would lick her bot bot and then kiss her afterward preteen lolitas 7yo samples she is so fucking hot!! good fucking to Preteen Nude Art nice vid, beautiful girl! preteen russian lolita nudist comment on my pictures and rate them and ill send u some if u like them free lolitas in bikini i wanna drink her cum cp pedo lolita handjob haha Fantastic Thank you eva ionesco nymphets Damn this girl is sexy lolitas bbs japan WE ALL NEED A FUCK LIKE THIS ONE!!!! pedo pthc rompl shes always so hot elin nordegren model She's not that great models toplist This is how u fuck Young Pthc Pornteens Lolita Porn Cp أ‚آ´cool thats so nice, like it. anime pretten bbs i agree with dirty perv! i almost busted a nut right there 15yo lolitas by far the hottest model that i've seen on this site yet, he should keep her for his own
Hcrwfmde01/05/2012
I've lost my bank card young teens petite lolita Michelle looks sooooo good. loliteens 10 y o wow it is amazing Ultimate Supermodels damn i sooo wanna get fucked by that cock nymphet art pics his dick isnt that small shes is hot life is peachy loli damn they are so fucking hot but girls in glasses are the best underaged asian pussy hmm, i think i should take walks in the park more often. Preteenage Girls Models i would lick her bot bot and then kiss her afterward preteen lolitas 7yo samples she is so fucking hot!! good fucking to Preteen Nude Art nice vid, beautiful girl! preteen russian lolita nudist comment on my pictures and rate them and ill send u some if u like them free lolitas in bikini i wanna drink her cum cp pedo lolita handjob haha Fantastic Thank you eva ionesco nymphets Damn this girl is sexy lolitas bbs japan WE ALL NEED A FUCK LIKE THIS ONE!!!! pedo pthc rompl shes always so hot elin nordegren model She's not that great models toplist This is how u fuck Young Pthc Pornteens Lolita Porn Cp أ‚آ´cool thats so nice, like it. anime pretten bbs i agree with dirty perv! i almost busted a nut right there 15yo lolitas by far the hottest model that i've seen on this site yet, he should keep her for his own
Hcrwfmde01/05/2012
I've lost my bank card young teens petite lolita Michelle looks sooooo good. loliteens 10 y o wow it is amazing Ultimate Supermodels damn i sooo wanna get fucked by that cock nymphet art pics his dick isnt that small shes is hot life is peachy loli damn they are so fucking hot but girls in glasses are the best underaged asian pussy hmm, i think i should take walks in the park more often. Preteenage Girls Models i would lick her bot bot and then kiss her afterward preteen lolitas 7yo samples she is so fucking hot!! good fucking to Preteen Nude Art nice vid, beautiful girl! preteen russian lolita nudist comment on my pictures and rate them and ill send u some if u like them free lolitas in bikini i wanna drink her cum cp pedo lolita handjob haha Fantastic Thank you eva ionesco nymphets Damn this girl is sexy lolitas bbs japan WE ALL NEED A FUCK LIKE THIS ONE!!!! pedo pthc rompl shes always so hot elin nordegren model She's not that great models toplist This is how u fuck Young Pthc Pornteens Lolita Porn Cp أ‚آ´cool thats so nice, like it. anime pretten bbs i agree with dirty perv! i almost busted a nut right there 15yo lolitas by far the hottest model that i've seen on this site yet, he should keep her for his own
Aoxecxda01/05/2012
I've just graduated Loli Tgp ;hehee Wow thanks. funlumpkinsvideo small lolitas russian This is so sexy!!!! naked kids porno She is HUNGARIAN not ITALIAN... wo to bbs Wish that I lived Nr that porn shop! Preteen Tgp Raygold that black man is the monster ! teen porn sex clips pissed she didsnt moan hard enough naked sexy lolita pics Yes, very lovely, juicy and delicious ass on this chick cute little girl lolita this vid is beautiful photo lolita sex free HOlY shit best Strap-on vid I have ever seen. young drunk lolita paysites Cytheria is the squirting girl, Delilah Strong is the other one and the lucky fellow is Randy Spears. Preteen Ass she is so pretty.... Model Cars Spitfire I love that girl she looks and sounds like a damn fine fuck. preteen lolita nude portal finally some cultured taste. lolitas fuck xxx some of the best shit I've ever seen! real teen porn videos soo nice :) lolita petite pics The sound of her suckin' comin' off the head of his dick is extreme!!!!!!!!! nudist lolita preteen yeah she goes hard free lolita incest sex filmul meu e mai bun...asta e de tot cacatul lolitas cp preteen pics way more! great ass, great latina talk nude from lolita black guy had the biggest load of them all , but she sure was ugly though
Fponbzrw01/05/2012
Insufficient funds lolita pedo bbs free OH my god, best body I've seen.she's ridiculously sexy, it'd love to lesbian fuck her. Loli Tgp i would fuck her anyday model lolita porn ive watched this video so many times. always a good choice young girls lolita nudes leave it to the germans lolitas defloration lolitas defloration I really wish they would have fucked him too, both of them have such amazing pussies. Links To Hussyfan Pics Blogs love this vid. Not in my face Motherf*cker bd sisters loli pics This is my favorite porn video horny lolita photos Would love to trade spots with her for those cocks... duvx com book lolita yes more please shes gorgeous nn kiddy modelpics A woman that knows how to please! nymphets erotics God that guy is ugly younger incest tpg dammmm love her soo sexy and love the way how he fucks her free lolitas virgins lil doorknob dick can't even shoot a load. weak. underground lolitas porn pics how does she walk at the end free lolitas teens sex so sexy and sensual, these babies have such wonderful natural bodies. little brazilian lolitas This shit is hottttttttttttttttttttttttttt lolita in action poor quality video ! sound is good but the images don't follow... john deer bikini i agree with dirty perv! i almost busted a nut right there lolita models 100 toplist he has to be homo lolita board3 cgiwolrd wow! she just ate that cock for breakfast, lunch and dinner! me next!!
Xbafuyvv01/05/2012
We'd like to invite you for an interview lolita young 14 nude french porn is the best porn michet teen porn yeah thats true you havnt seen many women 16 year teen pussy ALLA DIE Wأƒآƒأ…آ“RD ICH AUCH WEGHAUN young lolitas nude preteen somebody find her name she's bad xxx lolita whores mpeg Made me Hard little ukrainian titties she can be a perfect idol for any girl who wanna be a slut or a whore young incest taboo lolita geile sound, dieser song von der 'beasty boys' habe ich noch nicht, richtig cool. foros lolitas ls damn i luv milfds like that lolita tgp bbs ill do it underage preteen lolita free mm fat dick in my pussy and he's got his finger in my booty hole...mm yes Ukrainian Nymphets small dick. big tit hottie. my models toplist some of the best shit I've ever seen! lolitas underage sex nude Holy shit! look at those tits! bbs adelaide Luv the corporate look lolita movies nude AHORA THATS COMIDA BUENA. pre-teensphotos Die ist so Geil ey .... boahh little lolitas fuck I want to fuck her asshole with my tongue !! Nn Young Models Galleries the guy is fucking lame real lolitas 13 lmao that guy sounds sooo weird videos lolitas bbs oh man, i love her...
Xbafuyvv01/05/2012
We'd like to invite you for an interview lolita young 14 nude french porn is the best porn michet teen porn yeah thats true you havnt seen many women 16 year teen pussy ALLA DIE Wأƒآƒأ…آ“RD ICH AUCH WEGHAUN young lolitas nude preteen somebody find her name she's bad xxx lolita whores mpeg Made me Hard little ukrainian titties she can be a perfect idol for any girl who wanna be a slut or a whore young incest taboo lolita geile sound, dieser song von der 'beasty boys' habe ich noch nicht, richtig cool. foros lolitas ls damn i luv milfds like that lolita tgp bbs ill do it underage preteen lolita free mm fat dick in my pussy and he's got his finger in my booty hole...mm yes Ukrainian Nymphets small dick. big tit hottie. my models toplist some of the best shit I've ever seen! lolitas underage sex nude Holy shit! look at those tits! bbs adelaide Luv the corporate look lolita movies nude AHORA THATS COMIDA BUENA. pre-teensphotos Die ist so Geil ey .... boahh little lolitas fuck I want to fuck her asshole with my tongue !! Nn Young Models Galleries the guy is fucking lame real lolitas 13 lmao that guy sounds sooo weird videos lolitas bbs oh man, i love her...
Xbafuyvv01/05/2012
We'd like to invite you for an interview lolita young 14 nude french porn is the best porn michet teen porn yeah thats true you havnt seen many women 16 year teen pussy ALLA DIE Wأƒآƒأ…آ“RD ICH AUCH WEGHAUN young lolitas nude preteen somebody find her name she's bad xxx lolita whores mpeg Made me Hard little ukrainian titties she can be a perfect idol for any girl who wanna be a slut or a whore young incest taboo lolita geile sound, dieser song von der 'beasty boys' habe ich noch nicht, richtig cool. foros lolitas ls damn i luv milfds like that lolita tgp bbs ill do it underage preteen lolita free mm fat dick in my pussy and he's got his finger in my booty hole...mm yes Ukrainian Nymphets small dick. big tit hottie. my models toplist some of the best shit I've ever seen! lolitas underage sex nude Holy shit! look at those tits! bbs adelaide Luv the corporate look lolita movies nude AHORA THATS COMIDA BUENA. pre-teensphotos Die ist so Geil ey .... boahh little lolitas fuck I want to fuck her asshole with my tongue !! Nn Young Models Galleries the guy is fucking lame real lolitas 13 lmao that guy sounds sooo weird videos lolitas bbs oh man, i love her...
Fhdkofpy01/05/2012
What do you do? toplist trixie teen i also like to blow people up Lolitas Pthc I am dead serious. WTF? underage lolitas paradise I hope they can fix the TV naked children lolitas wow just wwow amazing woman Child Models Cp to bad... no subtitles but its still good hot preteens amateurs you can tell that girl was not enjoying it lolita12 year Love those pepperoni nips! Sexi as fukk. youngest pussies sites Me put it this way lolita preteen 7 15y.o. i'm so in love with her pthc lol girls can I have his phonenumber please?!? Preteen Bath Photos She can suck some dick i know that! teens scholl lolita I love eating indian pussy like this one...Yummy Women ! Underage Blowjob She's hot for sure ... but those tats look like something my kid would draw with a magic marker. lolitas super child photos She is beautiful!! teenie lolita cunt pics Fuck you are so hot! Nudemodelchild Where does this guy live??? I would love to have this cock all theway inside my ass. Preteen Underage jeezus he's got a nice head n' cum on that cock...makes me O every time ls island lolita magazines If you dont like it. Dont click on it Russian Bare Preteens i remember this girl from a movie! top bbs lolita model hahahaha i would fucking kill that bitch
Pyjtrlfb01/05/2012
this is be cool 8) sexy lolite What a Cat House! young goy porn Man - look at these asesome tits. Child Models Cp Her body is perfect! art preteen lolita ich will sie auch mal sehen teen lolita russian modles one of the hottest bimbos nude nymphets art damn that ass is out of control. i'd rock that shit. worldlolita porn Ban boonbreaker and BLooD_FaRT young lolitas galleries Ok she fucks as well porno underage lolitas porno oder gib mir deine adresse und ich schaue bei dir vorbei ))) little lolita porn stories i squirted while watching this! omg i want these guys to fuck me! Preteen Thong Nonnude This girl is fabolously majestic! underage . star I just had to leave another comment this girl ass is amazing she is really Hot too video children lolitas pubescent I haven't tried getting fucked in the ass like that. Wow. Bbs Pedo Passwords Sites ha ha. She Farted in the first anal part lol 3d lolita models wots her name?? animal crafts for kids whats her name free lolita nude porn my dick is like that long and thinner loliteens 10 y o dont you love us latinas ;] nymphets lolita model this girl can ride a dick lolita s little pussy Hot, I cum with this.
Ombyaoef01/05/2012
What do you like doing in your spare time? shy nude lolita Sehr guter Arschfick + abspritzen,aber etwas zu lang nude lolita free 14yo ,ho superbe la video merci lolits modells I always wanted to know the story behind some of these porns. This is one of those times. preteen boys sexy och! I almost com just looking on her. fantastic body preteen love child They may be amatures but they fuck like pros bbs lolitas portal she is a BIG BIG bitch young sucking teens I LIKE ICECREAM! bbs sunny preteens i love when a girl sucks my dick after the cumshot Alena Young Model I was praying he would fuck her...OMG cant beleive it puerto rican teen porn she's phuckin' sexy... that ass is serious totally cute preteen love at first sight small naked russian lolitas she looks so much like evangeline lilly!!! lolita girls 15 SHUT THE FUCK UP! pre lolita images kelly star is FUCKING hot!! naked nymphet lolita girls one dick would do me fine sex search lolita i love the first one! little brown teen porn what a fucking babe. i would have loved to see her take it up her little butt kiddie lolita shocking the guy has such a nice dick . i so wish i was there ls island magazine lolitas `ha oh. Just good lolita nymphet ls magazine he played with her asshole but no anal!
Iudcfrne01/05/2012
Insufficient funds pedo incest ilegal That dick is the definition of big. Lolitas Pthc she's great but i hate him! videos porno lolitas Ha oh. Just good young nude xxx lolitas i wanna eat her ass ! child in poverty Id love to stick my cock in her tight ass hole, they should have spit roasted her! ADD ME!!!!! nude teen lolita models i like this very much Preteen Super Stars uhhh !!! EVEN I COULD NOT BUST A NUT TO THIS !!!!! lolita chat preteen pics Why is SHE licking the guy's feet?????? The GUY should lick the girl's feet!!!!!!!!!!! This is disgusting!!!!!! preteen latin pussy I would give her a bigger one forbidden lolita picture with his gran mom? nn lol bbs models ,loool great thing, like it nymphette hot MY FAT JUICEY PUSSY IS SO WETT OOOOOOOOOOO I NEED MY PUSSY LICKED index lolita porn she needs to moan underground little lolitas hottest nun to cross this earth lolita tease she has some good form! org lolitas She is a fun size. Type of girl you can really get rough with. prime time bikini This is definately an amazing scene. Preteen Lesbians you are hot!!! Pedo Incest are those two the best looking couple in pron? wow amazing fantasia models nymphets loli What's the production number?
Wkevqbdn01/05/2012
I didn't go to university free preteen lolita websites yeah because its dumb. Pedo Paysites Could someone mail me her name? She is amazing! 101 teens bbs shes not close to being fat are u joking litlee virgins :ha the best ever! lolita the killer whale how the fuck did that guy last so long!! i would of came extra fast if i was fucking her free wet lolitas Damn, I'd let her suck my cock! nude littlr models lolitas she rides soooo good, and i love her sex in public vid lolitaboys i love cumming with a nice pussy in my face junior girl bikini i love these healthy chicks...just wanna hug them and fuck them hard pre teen models cindy omg he has amazing rhythm. i would totally fuck him. yum. illegal lolita preteens I want to be first you dickheads junior lolitas galleries Theres not a white girl around who wouldn't like those many dicks to suck on african prelolita The girl is smokin, but the guy needs to learn how to fuck. Christ!!!! Keep that cock in her. Cp Tgp Toplist worst vid ever. shes damn ugly. preteen gorgeous girls -oupla la video mأ‚آ´a vraiment plu ! hairless little pussy She's hot but he's a wack fuck I wish Mandingo or someone else could have fucked her...... preteen xxx illegal i wanna suck your dick too erotic pre lolita mmmmm a lot to squeeze on virtual nude lolita Hate this fake shit preteen lolitas model links too bad she got those implants, liked her better without
Euzsyonr01/05/2012
I'd like to send this to young preteen lolitas raped its katja kassin, a german pornstar. shes on of my favourite analactors sweet prelolita i dont know why she'd actually hump the wall, but who gives a shit? she's hott hot preteen babes dam dis lil nigga gets it in bbs portal preteen I like how he frisks her bare legs...mwahahaha i love porn lolita b tgp Wonderful tits, cute face, sweet pussy, but that dude just turned me off! books young adult shit was mad good loli from blokesworld nude she gets a big one sex free 16 years this shudnt b unda rough sex.. smh! underage young gallery lolita she's a good fuck. nymphet ukranian Lol, I noticed that too. lolita india thumb add me girls, i want to get to know someone! video children lolitas pubescent wow innocint high is really gay top lolita free pics this is a great vid i cum every time lolita illegal websites Goddamn those tits are amazing. 18 yr old lolitas yeah i would love to fuck her nice pussy lolita young girls sexy the black chick at the end was a boner kill cyberlolita links HOT IS ALL I CAN SAY. FUCK! I came like a dozen times watching this preteen portal bbs killer chick awsome video! passwords lolita lsmodels Hi Sympa comme video au fait. young lolita from japan someone upload the whole video
Pajzrvfh01/05/2012
I'm at Liverpool University Loli Dick u never see the dudes nuts in non of his videos, strap on, fake, def funny tho lmfao lolita nymphet model She loves cock! childkids erotic HAHA TIGHT SLUT. She looks like Asia Carrea petite lolita nude art shawna lenee before her boob job... nice... Preteen Super Stars Mamas little whore yummy bikini painted `haha Thank you for sharing it preteen girls oral clips from russian institute. marc dorcel is the shts sex nude preteens sexy fishnet stocking tiny pic lolita woow.. Love it... add me girlxxx Lolita Mpegs so sexy shoes hmmmmmm preteen nude black I like the name of this vid young conaway wilmington this girl can suck Vombat Bbs red-hot I love redheads pre lolita porn portal Yea , her name is nastiya ivanova , she lives in my city . i know her preteen child loli pics Hottest lesbian scene ever! lolita kiddi porn ru wtf is wrong with these people? cum loses its way out under the big size?? gratis russian lolita whats actress germany Nudemodelchild Big tits , Big fanny , Big mouth org lolitas Less Talky More Fucky lolita preteen nudist pics The best Of the Best
Krnugnrl01/05/2012
I'd like a phonecard, please japanesse nymphets lol she says Ouch a lot schoolgirl toplist preteen lol, reflex hammer hardcore young lolita i love these two teens! great vid lolit boys man dat girl is mad to fuck him.lol free danish lolita pics Who cares what she looks like with a nice cunt and tits picture pedo lolitas ha baby ass cant even take it shawty wea u at.... Preteen Super Stars nina hartley is so fking hot and the ONLY true MILF lolita non nude legal this was fucken good, but i still dont fac it... i'm too much on asian, latinas, black etc chill lolitas ooo this is really hot Young Video Models seymore butts moans like a fucking fag,familly business,man that show sucked,I like mariposa,the only slut he has that dont sucks Girl Underage Child Models Nude Yea. It would have been good to see that wet pussy creamed lolita india thumb angela crystal!!! young lolita pussy photos who wants my dick...i would fuck better lolita illegal free now thats art i loved it littleunderwear com this guy is tiny asian underage porn Sexy looking bitch school angels lolita russian Bad video, great music! lick pussy pedo GREAT COMPO!!! awesome choice for the music too!!! HAHAHAHA Preteen Underage i would love to spend quite few hours with 'her'... so cute... so pretty... so fuckable! no nude prelolita model hahah great video
Bbashlfr01/05/2012
We were at school together young schoolgirl incest really good am masterbating with this Youngest Nn Girls Toplist ohhh this is great!!!!!!! she`s amazing those cocks are really big!!!!!! i love this video young petite lolita pics wish the sounds were corrent oh well nice video lolita naked thumb pics The last one: that is how they fuck in Mongolia. real sex lolita made me wanna take her place. mountain picture virginia fucking hell, thats hot... lolita forced sex bbs if u guys like this vid, check mine out Great Lo Bbs kid you did not get into that asshole portal lolitas sex أ‚آ´lol oh. Just good ukrainian nymphets ti piace il cazzo nero free animal farm sex video hottest pornstar ever german bikinis lololol super bien, merci pour la video prelolita porn free some solid action, but what? no cum lick off the glass? incest prelolita der soll doch sein verdammtes fickmaul halten russian lolita nude pics `hiiho bien bien miniskirt lolitas dis is deff my fav video,luv havin my mouth fucked like dat its so hot!! young groupe facial my favorite video!!! nude littlr models lolitas whats the best then? child education software cumshot comp, not deepthroat. excellent nevertheless pre teen pre lolitas thats when neighbours, become good friends.